أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - علي مهدي - الشيوعيون والحرب: بين الموقف المبدئي ومتطلبات السيادة الوطنية















المزيد.....

الشيوعيون والحرب: بين الموقف المبدئي ومتطلبات السيادة الوطنية


علي مهدي
باحث

(Ali Mahdi)


الحوار المتمدن-العدد: 8661 - 2026 / 3 / 29 - 19:24
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    



تُعدّ مسألة الحرب والسلم من أكثر القضايا تعقيداً في الفكر السياسي، وقد احتلت موقعاً مركزياً في الادب الماركسي التي سعى إلى فهمها ضمن سياقها الطبقي والسياسي والدولي. فالحرب ليست مجرد فعل عسكري عابر، بل هي نتاج لتوازنات القوة وصراعات المصالح، وغالباً ما تكون الشعوب هي الضحية الأولى لها. ومن هذا المنطلق، يتحدد موقف الشيوعيين من الحرب على أساس التمييز بين ما هو مبدئي وما تفرضه ضرورات الدفاع عن السيادة الوطنية. وفي هذا السياق، تبرز أهمية المواقف المبدئية التي تُدين الحروب العدوانية، ومنها العدوان الإسرائيلي–الأمريكي على إيران في 28 شباط، باعتباره نموذجاً صارخاً لانتهاك سيادة الدول وتصعيداً يهدد الأمن والاستقرار في المنطقة.
ينطلق الفكر الشيوعي من التمييز بين نوعين أساسيين من الحروب: الحروب العادلة والحروب غير العادلة. فالحروب العادلة هي تلك التي تخوضها الشعوب دفاعاً عن وجودها، أو تحرراً من الاحتلال، أو مقاومةً للعدوان الخارجي، وهي حروب مشروعة أخلاقياً وسياسياً. أما الحروب غير العادلة، فهي الحروب العدوانية التي تُشن لتحقيق مصالح توسعية أو لفرض الهيمنة، وغالباً ما تكون على حساب سيادة الدول وحقوق الشعوب. وبذلك، لا يتبنى الشيوعيون موقفاً مطلقاً مناهضاً لكل الحروب، بل يميزون بين طبيعتها وأهدافها، فيدعمون الحروب الدفاعية ويرفضون الحروب العدوانية.
ويتقاطع هذا الفهم مع قواعد القانون الدولي التي تحظر استخدام القوة في العلاقات الدولية، باستثناء حالات محددة، أبرزها حق الدول في الدفاع عن نفسها عند التعرض لعدوان مسلح. وبخلاف ذلك، تُعدّ الحروب انتهاكاً لسيادة الدول وتهديداً للسلم والأمن الدوليين، الأمر الذي يعزز الرؤية الرافضة للحروب التوسعية، والمقرّة في الوقت ذاته بشرعية الدفاع عن النفس بوصفه حقاً سيادياً.
وفي هذا السياق، يمكن الاستدلال على ذلك من خلال ما جرى في 28 شباط، حين تعرّضت إيران لعدوان إسرائيلي–أمريكي شكّل انتهاكاً واضحاً لسيادتها، وأدى إلى مقتل مرشد الثورة وعدد من القيادات البارزة. إن مثل هذا الفعل يندرج ضمن الحروب العدوانية التي تستوجب الإدانة، ويمنح الدولة المعتدى عليها حق الرد في إطار الدفاع المشروع عن النفس. غير أن هذا الحق، على مشروعيته، ينبغي أن يُمارس ضمن حدود حماية السيادة ومنع الانزلاق إلى توسيع دائرة الصراع، بما يفاقم من معاناة الشعوب ويهدد استقرار المنطقة.
وعندما تتعرض دولة ما لتهديد وجودي، فإن ذلك يستدعي موقفاً وطنياً جامعاً تتوحد فيه مختلف القوى السياسية، مواليةً ومعارضةً، للدفاع عن الوطن. ففي مثل هذه اللحظات، تتقدم أولوية السيادة على الخلافات السياسية، ويغدو الحفاظ على الدولة هدفاً مشتركاً. وفي هذا الإطار، يظل قرار الحرب والسلم من الاختصاص الحصري للدولة ومؤسساتها الدستورية، بوصفها الجهة المخولة بتمثيل الإرادة الوطنية، ولا يمكن القبول بأي دور موازٍ أو بديل يفرض خياراته خارج هذا الإطار.
إن وجود قوى مسلحة خارج إطار الدولة يشكل مساساً مباشراً بالسيادة الوطنية، ويفتح الباب أمام إدخال البلاد في صراعات لا تخدم مصالحها، إذ قد تتحرك هذه القوى وفق ارتباطات عقائدية أو إقليمية، بما يؤدي إلى تقويض القرار الوطني المستقل. ومن هنا، فإن حصر السلاح بيد الدولة يمثل شرطاً أساسياً لحماية السيادة ومنع الانزلاق إلى نزاعات خارجية.
وفي هذا السياق، تبرز إشكالية خطيرة تتمثل في لجوء بعض الأطراف إلى استهداف السفارات والبعثات الدبلوماسية أو المواقع الأمنية والمطارات، بذريعة الرد على العدوان الإسرائيلي–الأمريكي أو التصدي له. إن مثل هذه الأفعال، بصرف النظر عن دوافعها المعلنة، تُعدّ خرقاً لالتزامات العراق الدولية وانتهاكاً لسيادة الدولة وهيبتها، كما تضعها في مواقف سياسية وقانونية محرجة أمام المجتمع الدولي. والأخطر من ذلك أنها تستدعي ردود فعل مقابلة تستهدف هذه الأطراف أو مواقعها، ما يؤدي إلى إدخال البلاد في دائرة من التصعيد المتبادل، ويحوّل أراضيها إلى ساحة لتبادل الرسائل العسكرية. وهو ما يعمّق حالة الانفلات الأمني، ويقوّض مبدأ احتكار الدولة لاستخدام القوة، ويضعف قدرتها على إدارة علاقاتها الخارجية وفق مصالحها الوطنية العليا.
ولا يمكن القبول بأن تتحول الأراضي العراقية إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية أو الدولية، أو أن تُستخدم لتوجيه رسائل متبادلة بين أطراف الصراع. كما أن احترام سيادة الدول الأخرى يقتضي عدم استهدافها أو الزج بها في النزاع ما لم تكن طرفاً فيه، لأن التوسع في الصراع لا يؤدي إلا إلى مزيد من عدم الاستقرار وتعميق الأزمات.
وفي ظل هذه التحديات، يصبح من الضروري بناء اصطفاف وطني جديد، يرفض الانجرار إلى محاور الصراع، ويركز على حماية السيادة العراقية. فالصراع الدائر هو في جوهره صراع نفوذ وإعادة تشكيل للمنطقة، ووفق العديد من السيناريوهات المطروحة، فإن الدول الهشة أو المنخرطة في هذا الصراع تكون الأكثر عرضة للتفكك وإعادة التقسيم. ومن هنا، فإن انجرار العراق إلى أحد أطراف هذا الصراع لا يعني فقط فقدان قراره الوطني المستقل، بل يفتح الباب أمام مخاطر حقيقية تهدد وحدته الجغرافية والسياسية، وتضعه ضمن خرائط إعادة رسم المنطقة التي يجري التداول بها في مراكز القرار الدولي.
إن الأولوية في هذه المرحلة يجب أن تكون للحفاظ على وحدة العراق واستقلاله، ومنع أي مسارات قد تدفع باتجاه إضعافه أو تقسيمه، وهو ما يتطلب اصطفافاً وطنياً عابراً للخلافات، يجمع كل القوى التي تؤمن بالدولة وترفض زجّها في صراعات المحاور. فالدخول في مثل هذه الصراعات لا يخدم سوى مشاريع الهيمنة، بينما يدفع العراق وشعبه كلفة باهظة قد تمتد آثارها لأجيال.
إن الموقف الشيوعي من الحرب يقوم على معادلة دقيقة: رفض العدوان من جهة، والدفاع عن سيادة الدول وحق الشعوب في الحماية من جهة أخرى. وفي هذا الإطار، فإن إدانة العدوان الإسرائيلي–الأمريكي على إيران، وما خلّفه من خسائر كبيرة، تنسجم مع هذا المبدأ، دون أن تعني الانجرار إلى صراعات المحاور أو الانحياز لأي منها. إن التحدي الحقيقي يكمن في الحفاظ على موقف وطني مستقل، يحمي العراق من التحول إلى ساحة صراع، ويعزز وحدته واستقراره، ويقطع الطريق أمام كل المشاريع التي تستهدف إعادة رسم خريطته. فبقاء العراق موحداً مستقلاً ليس خياراً سياسياً فحسب، بل هو شرط وجودي لا بد من الدفاع عنه في مواجهة مخاطر المرحلة.



#علي_مهدي (هاشتاغ)       Ali_Mahdi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- انتقال القيادة في إيران: بين النص الدستوري ومرونة الواقع الس ...
- نحو تشريع يضمن احترام الإرادة الانتخابية في تشكيل الحكومة ال ...
- ورقة تقييمية لنتائج الانتخابات وأداء التيار الديمقراطي
- البلاغ الختامي عن اجتماع اللجنة العليا للتيار الديمقراطي الع ...
- ما يميز الدولة القانونية عن الدولة الاستبدادية والبوليسية
- بلاغ صادر عن اجتماع المكتب التنفيذي للتيار الديمقراطي العراق ...
- بيان ادانة للعدوان الامريكي الاسرائلي على ايران
- التحولات في كتابة الدساتير في العراق (1925–1970): من تمثيل م ...
- اتفاقية خور عبد الله: بين الالتزامات الدولية واحترام حكم الم ...
- الذكرى المئوية لصدور القانون الأساسي العراقي لسنة 1925: من ا ...
- بلاغ عن ورشة البيئة المتكافئة لانتخابات مجلس النواب العراقي ...
- إنجازات وإخفاقات الوزارة في تحقيق الأهداف التشريعية
- عام 2024 استمرار للأزمات والحروب والاستحقاقات الديمقراطية
- بلاغ عن اجتماع المكتب التنفيذي للتيار الديمقراطي العراقي
- مسودة التقرير السياسي المقدم للمؤتمر الرابع للتيار الديمقراط ...
- التقرير الانجازي للمؤتمر الرابع للتيار الديمقراطي العراقي
- القصور القانوني عند خلو منصب رئيس مجلس النواب
- انتخاب المحافظين بين رغبات القوى المتنفذة وإرادة الناخبين
- في موضوعة حل الحزب السياسي
- قانون المجلس الاتحادي استحاق دستوري ومطلب للتوازن التشريعي


المزيد.....




- هجوم من اليمن يستهدف إيلات وتنديد أممي بانخراط الحوثيين في ا ...
- هل تكرر أمريكا كارثة أوروبا في 1914؟
- عاجل | نيويورك تايمز: وصول المئات من أفراد قوات العمليات الخ ...
- الأكبر في تاريخ إسرائيل.. الكنيست يقرّ ميزانية الدفاع 2026
- ترامب: المفاوضات مع إيران تسير على نحو جيد
- الأردن يواجه مخاوف ارتفاع أسعار السلع بتدخل حكومي يشمل عقوبا ...
- الجيش الإسرائيلي يعلق عمل كتيبة ضالعة في الاعتداء على طاقم C ...
- بعد اعتراض مسيّرات إيرانية.. لندن تمنح لقبًا عسكريًا استثنائ ...
- الجميع خاسر.. مفكر أمريكي يرسم السيناريو الأخطر للحرب للمنطق ...
- خبير عسكري: إسرائيل تريد منطقة عازلة خالية من السكان جنوبي ل ...


المزيد.....

- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - علي مهدي - الشيوعيون والحرب: بين الموقف المبدئي ومتطلبات السيادة الوطنية