الخليل علاء الطائي
الحوار المتمدن-العدد: 8853 - 2026 / 10 / 9 - 18:17
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
حسب موسوعة غوغل: الوَهَم؛ وعي زائف بالتأريخ والواقع, يُقنع الجماعات والأفراد بقدرات غير حقيقية أو حلول خيالية للمشكلات القائمة. وغالباً ما يُصنع من فوق بواسطة الأحزاب المهيمنة أو الإعلام أو الأفراد أو القادة الذين يسعون للحفاظ على النفوذ والإمتيازات.
ومن الأمثلة وَهم القوَّة المُطلقة بالسيطرة على العالم, وتجلّى الوَهم في العراق في مفاهيم حزب البعث مثل الحزب القائد للأمّة العربية, وللعراق, وهناك أمثلة كررها التأريخ في العالم العربي بأحزاب وشخصيات مشابهة لما حصل في العراق.
كان العقد السابع من القرن الماضي مشحوناً بالأوهام والمصطلحات والدعايات الإعلامية البعثية, لمواجهة الأزمات الداخلية بشكل عام والحزبية بشكل خاص, بعد إمتلاكهم مقاليد الحكم في العراق عام 1968وعليه فالمقال يتناول هذه الفترة تحديداً.
وصل البعثيون إلى الحكم يوم 17تموز من ذلك العام, وبإرادة أمريكية, بشهادات البعثيين الذين شاركوا في الأحداث وما تلاها, وكانوا أقليَّة سياسية, ومجموعات مُبعثرة لا دور لها سوى ذكرياتهم الدموية ضد الشيوعيين في عام 1963.
وكان العقد الستيني قد شهد أكبر إنعطافة تأريخية في المنطقة بهزيمة العرب عام 1967, الأمر الذي أعاد بوصلة التأريخ نحو ضرورات تغيير الأنظمة العربية, فقد تراجع دور الفكر القومي البرجوازي وظهرت بوادر الحراك الثوري اليساري المُسلَّح, في العراق, وفي الموضوع تفصيلات كُتبَ عنها الكثير.
واجه البعثيون عقدتين مُنفصلتين تنتسبان لتلك المرحلة: عقدة الشراذم البعثية المُبعثرة وكيفية إعادة تجميعها من جديد في حزب أصبح يمتلك السلطة, وقام صدام حسين بهذا الدور ونجح فيه بكل معنى الكلمة,
والعقدة الثانية وجود الحزب الشيوعي العراقي وكيفية التعامل معه؛ والطرق الجديدة لتصفيتهِ. بعد نقاشات وإستطلاعات للرأي داخل البعث, كما تُفيد أدبياتهم؛ تطلَّب العمل تغيير الأساليب القمعية المُباشرة ضد الشيوعيين, بوضع خطط وتكتيكات جديدة, بما فيها التحالف مع الشيوعيين أنفسهم, والأستفادة من الإنقسامات التي حصلت بعد إنشقاق الحزب الشيوعي عام 1967إلى جناحين, أخطرهما القيادة المركزية وشعارها الكفاح المُسلَّح, وكانت الأوسع إستقطاباً للجماهير الشعبية, من العمّال والفلاحين والطلبة والشباب والنساء. وهكذا تطلبت الخطوة الأولى, من البعثيين, مصافحة اللجنة المركزية بيد وتصفية القيادة المركزية دموياً باليد الأخرى.
إستتب الوضع للبعثيين بإقامة (الجبهة الوطنية والقومية التقدمية) وهنا نصل إلى محور هذا المقال؛ والمُتمثِّل بالأوهام البعثية؛ وأبرزها وَهَم الحزب القائد, وستتبع ذلك أوهام فرعيَّة من مُتطلبات السنوات التالية. أن يكون هناك حزب قائد في أي تحالف, فالأمر يعني جعل الأحزاب الحليفة عبارة عن توابع, وتنحصر أدوارها في تأييد (الأخ الأكبر) القائد.
وهنا لم يتطرق أحد من المُتحالفين إلى تعريف مفهوم الحزب القائد, وما دورالأحزاب المُتحالفة؟ وما دور الشعب في صنع القرار؟, وما نوع الحكم؟ وما هي الثوابت الدستورية لترسيخ نظام يُفترض أن يكون ديمقراطي, كما توهَّمَ الجميع؟ بعد ذلك يتطلَّب أي تحالف مشاركة المُتحالفين في رسم السياسات الداخلية والخارجية, ورسم السياسات التنموية ووضع الخطط لها.
لم يحدث ذلك والصحيح أن أبواب الحوار أُغلقت تحت عنوان الحزب القائد, مع ترضيَة الشيوعيين بوزارتين غير سياديتين؛ هما وزارة الري لمكرّم الطالباني, ووزارة البلديات لعامر عبد الله. وأُتيح للحزب إصدار جريدة" طريق الشعب" وصحيفة أسبوعية هي "الفكر الجديد", وكل شيء تحت الرقابة والحذف والتعطيل, وكان مشروع التصفية النهائي يُطبَخُ على مهل في مطابخ أقبية البعث البوليسية.
يمكن القول أن الجبهة الوطنية كانت الفخ المنصوب للشيوعيين, فالحزب الشيوعي ظهر للعلن, ضمن أجواء إنفتاح تكتيكي مؤقت من قبل البعثيين, يجري خلالها تطويق الشيوعيين ومُحاصرتهم. ثمَّ مطالبة الحزب الشيوعي بغلق منظماته الطلابية والشبابية والنسائية, بالتزامن مع الملاحقات, والإغتيالات وصولاً إلى المجزرة التي أعدم فيها البعثيّون إثنين وثلاثين من الطلاّب الشيوعيين الخاضعين لخدمة العلم.
وكانت الجبهة ما تزال قائمة شكليّاً وبلا دور ولا فاعلية.
بقيَ وَهَم الخوف من الشيوعية والشيوعيين مُلازماً للبعثيين إلى عام 2003بالرغم من ظهور قوى جديدة إسلامية ستخضع للتصفيات.
في عام 1977حدث الإنقلاب الشيوعي في أفغانستان, وإندلعت المظاهرات الشعبية في إيران, وهنا أدركَ البعثيون أن رياح التغيير ستصل إلى العراق, وإتخذوا قرارهم بتصفية الحزب الشيوعي, بادئين بالمجزرة المذكورة.
يقال أن مفهوم الحزب القائد حملته الرياح السورية, في عهد حافظ الأسد, ويُقال أيضاً بدفع من الرفيق خالد بكداش.. إنفردَ البعثيون في القرارات السيادية, مثل تأميم النفط, الذي أثمر عائدات مالية كبيرة للدولة العراقية, وإستثمره البعثيون للمباهاة والضجيج الإعلامي, بوصفه نصراً على الإمبريالية. في نفس الوقت ترافق المال الفائض بسياسات التقشُّف على المواطنين والموظفين محدودي الراتب؛ فكانت الإستقطاعات تجري شهرياً تحت مسميات (التقشف, الصمود, المجهود الحربي,) في نفس الوقت كانت الهبات تُعطى للضيوف العرب بسخاء, وأكثرهم إستفادةً من هذا الكرم الشخصي من صدّام (نائب البكر) , هو الملك حسين وكل من زار العراق في تلك الفترة, إضافةً إلى تجيير الأموال للأحزاب البعثية في الدول العربية, وتغطية إحتاجاتها بالمال والسلاح, ودخول فصائل بعثية ضمن المقاومة الفلسطينية, بفاعلية سلبية, مُعاكسة للقضية الفلسطينية, مثل جبهة التحرير العربية, ولا يحق لأحد أن يسأل أو يُناقش في هذا الأمر, فالحزب القائد هو الذي يُقرر. وفي داخل حزب البعث كان مفهوم الحزب ينحصر في شخص النائب(صدّام), وإن الشعار السائد في تنظيمات البعث يقوم على مبدأ (نفذ ثم ناقش).. وما الداعي للمناقشة إذا نفذّتَ جريمة؟.
بعد تأميم النفط وهطول الأموال على العراق, حدثت حرب أكتوبر, فكانت مناسبة دعائية ترافقها مشاركة عسكرية مع سوريا, وتمَّ خلط الأوراق في عاصفة إختلط فيها الحابل بالنابل. بعد إنقشاع غبار المعركة, وإرتفاع أسعار النفط, أقدم الحزب القائد على حملة مشاريع كبرى تحت عنوان التنمية الإنفجارية, ينقصها التخطيط والبرنامج والرؤية الدقيقة, فإنتجت التنمية أزمات لابد من ظهورها, بحكم التراكمات الكمّية وفشل الإدارات الحزبية عن فهم طبيعة التطوُّر في العلاقات الإجتماعية وتوّسع المشروعات, فأقدمَ (الحزب القائد) لمُناقشة ظاهرة (إنخفاض الإنتاجية) وكانت سلسلة ندوات مفتوحة على الهواء سجَّلها (السيّد النائب) لشخصهِ ليظهر بصفته قائد الحزب والمُجتمع, ولكن المُعالجات لم تظهر, وبدلاً من ذلك عُرضت شخصيات وزارية وإدارية للإهانة العلنيّة, وبهذا السلوك أُلقيت مسؤولية الخلل الإداري على أسماء حزبية شملتها تنقّلات إدارية طفيفة, بدلاً من إعادة النظر في هيكلية الإدارات الحزبية للمشاريع والوزارات. وكان الضجيج الإعلامي مطلوباً في هذه المسرحيات الدعائية.
فُسِّر إنخفاض الإنتاجية بأنّه ناتج عن كسل الأيدي العاملة, ولم يجرأ احد من الحفنة الحاكمة على الإعتراف بأن وراء الخلل بيروقراطية حزبية وإنتفاخ مؤسسات الدولة, بالحزبيين غير الكفوئين لقيادة المؤسسات الإنتاجية, إضافةً إلى فقدان البرامج العلمية لمتطلبات التنمية, ومنها مكاشفة الشعب بالأرقام, وبالخطط المستقبلية.
وستظهر عواقب هذه السياسة الحزبية لاحقاً في التعتيم على الفساد المالي, وتوقف العديد من المشروعات عن الإنتاج.
إشترطت التوسعات في الصناعات, توفير الطاقة اللاّزمة, بل إن الإستعداد للتنمية لابد أن يبدأ من الطاقة والصناعات الكبرى, ومن تأسيس بُنية تحتية راسخة, برؤية مستقبلية, وسينتج ذلك أزمات في الكهرباء والسكن والنقل, فالبنية الإجتماعية القديمة كانت رثَّة ومستهلكة. فالإستيراد يُلبي الحاجات الوقتية ولمصلحة الفئات البرجوازية الصغيرة الصاعدة من خلال المراكز الحزبية, على سبيل المثال كانت الشركة العامَّة للسيارات تستورد أصناف السيارات من بلدان مُختلفة, مع دخول السيارة في خدمة الحزبيين على نطاقٍ واسع, وللموظفين بالأقساط, في نفس الوقت كانت الشوارع على أحوالها القديمة, فكانت الإختناقات المرورية لابدَّ منها و تشتد في أوقات مُحددة من النهار.
وكانت المُعالجات ترقيعية, تُرافقها تبريرات تسويقية ساذجة للفشل, تُلقى على عاتق جهات بعيدة عن جوهر المشكلة, على سبيل المثال ماذكره أمين بغداد في ذلك الوقت عن إكتضاض الشوارع بالسيارات وعزا سببه إلى سيارات اللادا الروسية, التي تتعطَّل في الشوارع وتتسبب بالأزمات, وحينها علَّق عليه المرحوم أبو كاطع في عموده في طريق الشعب.
ومثل هذا ما قاله طه الجزراوي عن أزمة الكهرباء, وسببها جهاز بحجم الراديو(مشيراً بيديه) نسيّه (أُخواننا الروس) في موسكو, فتوقف العمل في المحطّات, وكان حديثه في لقاء مع الإعلاميين والصحفيين.
يعلم الجزراوي كل العلم أن الحاضرين في القاعة غير مُقتنعين بكلامه, ويعلم أنَّهم مُلزمون بقبول هذا الكلام, ومُطالبون بترويجه في وسائل الإعلام. وكان ذلك منطق الحزب القائد, ومن هذا الصنف من الإستغفال, يمكن تقدير النتائج الكارثيّة التي تنتظر المُجتمع.
عجز حزب البعث عن فهم الواقع العراقي, ولم يفهم شروط حركة التأريخ, فالمُجتمعات تتغيَّر, وتأتي التغيّرات من مصادر غير محسوبة في إطار الفهم الراهن, كالقفزات التكنولوجية في أماكن أخرى من العالم, والعلاقات الدولية, وطرق التجارة الجديدة, والتحولات السياسية القريبة والبعيدة على السواء. يترافق ذلك مع التنمية البشرية, وفهم متطلبات الأجيال المُنسجمة مع روح العصر الجديدة.
فأن تُخطط للتطوُّر الشامل, يتطلَّب الأمر إفتتاح جامعات جديدة, ودخول مناهج علمية, ونهوض أجيال جديدة بفهم جديد لروح العصر. ولايمكن إغفال أنَّ كل ذلك يرتبط بالديمقراطية وحريّة الفكر وقبول مُختلف الآراء في المناقشات, وأيضاً تغيير في القوانين القضائية لصالح الحريات الشعبية والفردية.
ومن أساسيات التقدّم التي سارت عليها البلدان الأوربية, إقامة أنظمة سياسية تقوم على قبول الأفكار المختلفة, وإحترام حق الفرد في إختيار المبادئ والعقائد التي يؤمن بها.
إعتقد البعثيون أنهم يستنسخون تجربة الحزب الشيوعي الروسي, ومنها مبادئ دكتاتورية البروليتاريا, وحل الجيش القيصري, وتأسيس جيش من العمال والفلاّحين. كانت قراءة إنتقائية وأُحادية جامدة, لاتأخذ بعين الإعتبار الظروف التأريخية للثورة الروسية, ولا أوضاع الطبقات الإجتماعية ونوع الحكم السائد قبل الثورة, والأهم من كل ذلك دور الحزب البلشفي وتأريخه ومكانته في المُجتمع الروسي في مقابل الأحزاب الإنتهازية على إختلاف توجهاتها. وهناك حزب مُسلَّح بنظرية علمية تُفسِّر الواقع وتضع البرنامج لتغييره, بالعقل العلمي وليس بعقل طه الجزراوي وأمثاله.
كيف قرأ حزب البعث هذه المُعضلات؟ قرأها من زاوية فوقية, بإعتباره الحزب القائد, وعلى الشعب أن ينصهر في القالب الذي يرسمه الحزب.
الحل الأول تمثَّل في تبعيث كل شيء في المُجتمع العراقي, وبكل الوسائل؛ في البدء كان الترغيب, ثمَّ الترهيب.
- تبعيث الجيش أولاً لضمان ولاء العسكريين للسلطة, وبهذا الإجراء تسرَّب الخلل إلى المؤسسة العسكرية, وأفقدها عقيدتها المهنية وأربك علاقاتها الوظيفية, بوجود مسؤول حزبي, قد يكون ضابط صف أو جندي يتولى مسؤولية ضابط أعلى منه رتبةً في الجيش, فيكون الخلل في إزدواجية القرارات والأوامر, وبالتالي إضعاف المعنويات القتالية, كما هو معروف في جيوش العالم, فلم يعد الجيش حامل العقيدة العسكرية المُحددة بالدفاع عن الوطن, بل أصبحَ جيش البعث, فتشعبّت الإختصاصات الرقابية والأمنية في المؤسسة العسكرية من مصادر خارجة عنها, تُراقب تحركات الضبّاط والقادة, وتكتب التقارير عنهم, وبشكل خاص عن الميول السياسية. والحديث هنا يسبق الحرب العراقية الإيرانية وحرب الكويت وما تلاها من أحداث كبرى.
كان الوَهَم الأكبر يتمثَّل بوجود عدو في كل مؤسسة, تبع ذلك تصفيات داخل المؤسسة العسكرية, وكان مسؤول التنظيم العسكري هو صدّام نفسه, وعن هذه الفترة رُويَت أحداث دراماتيكية بإعترافات البعثيين الذين ظهروا في مقابلات مع الدكتور حميد عبد الله, أو كما يرويها الكاتب البعثي القديم جعفر المُظفر.
– تبعيث التعليم بكل مراحله؛ وبذلك إمتدَّ الخلل إلى المؤسسة العلميّة, وشهدت هذه المرحلة موجات من العقوبات والتنقلات الوظيفية والفصل من الوظائف والإبعاد من ميادين العمل العلمي, بدوافع سياسيّة.
– تبعيث الدوائر الحكومية؛ بحيث شملت إشتراط الإنتقال من هذه الدائرة إلى تلك المُجاورة لها, تنظيم إستمارة الحزب. فكان البعثيون يتسابقون في(كسب) الناس الجدد للحزب بهذه الطرق. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد فقد وجدوا في الأجيال القادمة مستقبلاً لحزب البعث, فظهر الشعار الساذج (نكسب الشباب لنضمن المستقبل) وكان من صياغة صدّام نفسه, الذي كان ينشر الشعارات السطحية مثل (لاخير في أُمّةٍ تأكل أكثر مما تزرع)أو(مَن لاينتج لايأكل),
في سايكولوجية الرجل نزعة عدوانية للإنتقام من الشعب بالتجويع والإذلال, وقد حقق هدفه بأساليب يُحسد عليها.
أمّا كيفيّة كسب الشباب, فكان تسجيلهم في الحزب أو تشكيل منظمات طلائع وتدريبهم على السلاح, وترديد الأناشيد وغير ذلك. وكانت مناهج التربية الحزبية للشباب تبدأ بكتاب (نقطة البداية) لميشيل عفلق, ومن حسن حظ أغلب الشباب أنهم لم يحصلوا على هذا الكتاب, وحين قرأه بعضهم إكتشف أن مؤلف الكتاب لم يهتدِ إلى البداية ولم يتوقع النهاية, ثمَّ أُهمل الكتاب, وتركوا الفتيان يتعلمون التصفيق والأناشيد, في فترة تحضيرات النائب صدّام لإستلام المركز الأول في الحزب والدولة وكل شيء.
في نفس الوقت يجب الإعتراف أن تربية الأجيال خلقت مجاميع من الموالين للقيادة, القادرين على تنفيذ الإعدامات وتطويق دور المواطنين المشكوك بولائهم للحزب, وهدم الدور بعد إخلائها من ساكنيها في أعقاب كل إنتفاضة شعبية في حي أو مدينة.
فيما بعد أثبتت التطوُّرات اللاّحقة أن الإنتفاضات الشعبية التي حصلت في العراق, كانت من قبل الشباب الجامعيين, ومن طلبة المدارس الإعدادية, إضافةً إلى شرائح العمال والفلاّحين والكسبة, وقد حارَت القيادة البعثيّة في تسميتها, أطلقوا على إنتفاضة آذار 1991 الغوغاء, ثمَّ صفحة الغدر والخيانة, وهي ثورة شعبية عارمة أوشكت أن تُسقط السلطة لولا تدخّل الأمريكان. جاءت الإنتفاضة نتيجة تراكمات الأزمات التي سببتها سياسات الحزب القائد, ولم تكن الدعايات والمهرجانات كفيلةً بمعالجة الأزمات المعيشية الخانقة التي طالت الفئات المسحوقة من المُجتمع.
يمكن القول أنَّ الثورة الشعبية نضجت وبإنتظار الشرارة الأولى, وشملت القناعات حتى المجاميع الحزبية التي هربت أو تخاذلت في مواجهة الثورة, لأن منظومة الحكم إنحصرت في زاوية ضيِّقة من المنافع الشخصية, تاركةً الشعب يهلك جوعاً.
إقتنعَ البعثيون بإلغاء إرادة الشعب العراقي, وشرَّعوا الوَهم القائل (إذا قال صدام قال العراق), و(البعث قَدر العراق) و أن كل ما يقوله ويفعله القائد على حق, وغير ذلك غدر وخيانة. وهكذا وصل العراق إلى طريقٍ مسدود من خلال تراكم الأزمات على الشعب.
في نفس الوقت تحوَّل حزب البعث إلى جهاز أمني كبير يتغلغل في البيوت والمدارس والمستشفيات والمعامل وفي الجيش والقوات المسلحة, وكان التضخّم التنظيمي قد صيَّره بالونا بيروقراطياً غير قادر على الحركة, فكلما تندلع شرارة الثورة في مكان من العراق, يتلاشى الحزب في أوَّل ساعة وقبل أيّة مواجهة؛ لأن الحزبيين وعلى مدى ثلاثة عقود أجبروا على الإنتماء للحزب, بلا قناعات مبدأية, ولأن الحزب بلا عقيدة ولا نظريّة تُقدِّم الحلول الصحيحة لمجتمع تفاقمت فيه الأزمات وصار لزاماً تغييره جذرياً الأمر الذي لم يُدركه حزب البعث, ولاقيادته غير المؤهلة لفهم حركة التأريخ. وحسب المنطق البعثي فالتأريخ لايتحرَّك طالما السلطة أخذت شكلها الذي رسمه الحزب القائد لها, وإنها سلطة دائمة الشكل والنظام والإفراد, وقد ترسَّخ هذا الوهم على مدى العقود الثلاثة التي أعقبت إنقلاب 17-تموز-1968 فالمجموعة التي أخذت لقب القيادة كانت تنحصر في حلقة بعدد أصابع اليد من أعتى المُدرَّبين على تنفيذ الجرائم.
- كاتب سياسي
#الخليل_علاء_الطائي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟