أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - الخليل علاء الطائي - [الجمعة الدامية 8 شباط 1963 الدرس الذي لم نتعلمه ]















المزيد.....


[الجمعة الدامية 8 شباط 1963 الدرس الذي لم نتعلمه ]


الخليل علاء الطائي

الحوار المتمدن-العدد: 7156 - 2022 / 2 / 8 - 23:25
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


[الجمعة الدامية 8 شباط 1963 الدرس الذي لم نتعلمه ]

تتوالى الكتابات عن هذا اليوم المشؤوم؛ بأقلام الذين عاصروا هذا الحدث ومن زوايا مختلفة؛ لكن الدراسات تلتقي في زاوية التحليل التأريخي للأسباب, والتطورات, التي سبقت وأدت إلى نجاح الإنقلابيين في إسقاط حكومة الزعيم عبد الكريم قاسم, وجانب من الكتابات يسترجع الأحداث بصيغة الذكريات الشخصية لمن عاش جانباً من المأساة أو شاهدها, أمَّا الذين إصطفُّوا مع الإنقلابيين وأعادوا تقييم ماحصل, فغالباً ما تكون نظرتهم ضبابية, أُحادية, تُبرر الجرائم بحجج واهية. وقسم هام من التحليلات تُعالج الوقائع التأريخية لذلك الحدث بروح التقييم والنقد الموضوعي وحتى النقد الذاتي لتركيبة حكومة الزعيم عبد الكريم قاسم وتغافلها عن الأخطار إلى لحظة وقوعها؛ أي أن معظم الدراسات تهتم بتشريح الماضي دون أن تذكر للأجيال التالية الدروس التأريخية المتكررة من الإنقلاب البعثي بالوسائل الجديدة, الأكثر خبثاً ومكراً و دمويةً وبأساليب جديدة مُخادعة؛ فقد عادت القوى الدموية، ذاتها، إلى الحُكم بِصور برّاقة وألوان زاهية تُناسب الزمن وأحداثياته وشعاراته؛ لكن طبيعتها الدموية الفاشية لم تتغيَّر وكانت تنبعث تدريجيَّا مع كل خطوة تترسخ فيها سلطتها.
يقول الشاعر مظفر النوّاب, في لقاء على اليوتيب؛ أن القتلة إستفادوا من الدرس في إنقلابهم وغيَّروا أساليبهم.. أمَّا القوى الأخرى, الضحايا, فلم تستفد من الدرس.. أي الثقة بالقاتل.
....
إنتبه المستمعون لنشرة أخبار الساعة الثامنة صباح الجمعة 8 شباط 1963 على تقطُّع في البث دام لحظات ليأتي صوت قبيح يلثغ بحرف الراء وهو يُعلن بدء الإنقلاب مستخدماً مصطلح (الجماهير) بدلاً من (الشعب) المألوف في الخطب الرسمية لثورة 14تموز 1958. خرج الناس من أكواخهم وصرائفهم من خلف السدة ليشاهدوا رتل الدبابات وعلى صدورها صور الزعيم عبد الكريم قاسم . كان الرتل يُطوُّق منطقة خلف السدة ويقطع الطرق عليها من الدخول إلى أحياء بغداد, الرصافة, من جانب باب الشيخ ومنطقة النهضة وشارع الكفاح وكانت أحياء مناطق الكرخ مطوَّقة بأرتال أخرى.
إستخدموا صورة الزعيم لتضليل الجماهير التي ستسانده؛ كانت الصورة بالأسود والأبيض ونفس اللقطة الرسمية بالزي العسكري وبقياس واحد كما في الملصقات الإعتيادية أو الصور الرسمية؛ وذلك يدل على أن جهة مركزية واحدة, هي التي طبعت الصور ووزعتها على الوحدات المُشاركة في الإنقلاب, وبوقت واحد, ربما في ليلة 8شباط أو قبل ساعة من التحرك صوب بغداد.
وهذا التكتيك (البعثي ويدل على دور الخط المدني في الحزب) يدل على أن الإنقلابيين حسبوا حساب الأحياء الفقيرة وأعدّوا لها العدة بتكتيك الخدعة وإن لم ينجح فبالرصاص والدبابات وهو ماحصل في ظهيرة ذلك النهار, حين طافت الجموع في شوارع بغداد متجهةً إلى وزارة الدفاع لنصرة الزعيم.
أحاط الناس بالدبابات وسألوا الجنود: إنتم ويَّه الزعيم؟ (مع الزعيم؟) لكن الجنود لم يُجيبوا على أسئلة الناس.
يقول أحد البعثيين, من المدرسة العفلقية, أن الخطة كانت مُحكمة ودقيقة لحساب كل الإحتمالات, ووضعوا البدائل وإستخدموا الخِدع والتضليل والكذب, وأشَّروا على البيوت المُستهدفة بالتصفية أو الإغتيال, وراقبوا ورصدوا كل حركة مشبوهة ونصبوا السيطرات في تقاطعات الطرق والشوارع الرئيسية والفرعية. وكما يقول هذا البعثي (.. إن فرع بغداد لحزب البعث كان له الدور الأساس في الأنقلاب) أُسنِد له دور (عرقلة المقاومة التي ستقاوم الإنقلابيين) كما ذكرنا مثال الصوَّر.
كان الهدف الأول والأخير هو الحزب الشيوعي العراقي ولكن المخطط لايكتمل قبل إسقاط حكومة عبد الكريم قاسم, وبكل الوسائل الممكنة وبمساعدة الدول العربية المُجاورة؛ سوريا, الأردن, الكويت, إيران الشاهنشاهية. والدور الأكبر لمصر عبد الناصر. كانت المدفعية تقصف وزارة الدفاع من جهة الكرخ, يقود الكتيبة طاهر يحيى. وكانت الطائرات مجهولة الهوية (بشهادة محمد حسنين هيكل) تقصف وزارة الدفاع والجماهير التي طافت شارع الرشيد وطوقت الوزارة تأييداً للزعيم. وظهرت إذاعة سريَّة تبث من الكويت ومن خلال سفينة التجسس (ليبرتي) أسماء وعناوين إقامة الشيوعيين ليتم إعدامهم, وفي الساعات الأولى للإنقلاب صدر البيان رقم ( 13) بإسم الحاكم العسكري العام رشيد مصلح, وتبيَّن لاحقاً أن صالح مهدي عماش هو كاتبه.
يقول البعثي القديم والحارس القومي في ذلك اليوم (حالياً هو الدكتور ضرغام الدباغ): كان الجميع (يقصد كل القوى المتآمرة على إختلاف أحزابها) يعمل ويُشبههم بالفرقة الموسيقية؛ كل طرف يعزف على آلة أمَّا المايسترو فكان حزب البعث؛ تغافل هذا الحارس القومي أن الأطراف الأساسية في العزف كانت المخابرات الأمريكية والبريطانية؛ أمَّا المايسترو فكان وليم ليكلاند مدير وكالة الشرق الأوسط في السي آي أيه ولحزب البعث دور الجوقة الغجرية (الكاولية).
ما حصل في 8شباط 63دلل على:
- توقف الزمن وتعطلت المسيرة الصحيحة لإنهاض المجتمع العراقي.
- أن الشعب العراقي هو الخاسر الأكبر وإن المُضحي الأول طليعته؛ أي الحزب الشيوعي العراقي.
– كان المتآمرون يعملون ليل نهار تحضيراً لهذا اليوم, ومنذ وقت غير قليل وكانوا يُغيِّرون ويُبدلون خططهم؛ كما أوضحت تحذيرات الحزب الشيوعي وبيانه في 3كانون الثاني من نفس العام.
- سبقت الإنقلاب مُحاولات ومؤامرات كان للبعثيين الدور الأساس فيها بالإضافة إلى القوميين العرب من العسكريين والمدنيين.
– القتل والإغتيال سلوكاً ومنهجاً وبرنامج عمل عندهم, وواصلوا هذا المنهج في كل خطوة من خطوات الإنقلاب. وسادت هذه اللغة الدموية بين صفوفهم على شكل تصفيات جماعية وشملوا القريب والبعيد بالتصفية والقتل إلى نهاية حكمهم الأسود يوم 9/4/2003وما بعد تحرير العراق منهم؛ واصلوا العمل بالجرائم الدموية مع فرق النقشبندية والقاعدة وبأسماء جيوش إسلامية طائفية؛ مثل جيش محمد وجيش عمر.. ( وهذه المرَّة تعزف فرقة الكاولية على وتر الطائفية)
- دللت تحالفاتهم على تخطيط وتنظيم مركزي لايمكن أن يتحقق دون عقل خارجي خبير بالإنقلابات والثورات المُضادّة وقد كشفت إعترافات بعضهم هذا الدور؛ إعتراف علي صالح السعدي بالقطار الأمريكي, وإعتراف الملك حسين في مقابلته مع محمد حسنين هيكل؛ حول دور المخابرات الأمريكية في إنقلاب شباط.
– درسوا التوقيت المناسب , المُباغت, والغير مُتوقع بحيث لايُصدق أحد حصول الإنقلاب في يوم جمعة وفي التاسعة صباحاً ؛ كما حصل في موقف آمر الإنضباط العسكري الشهيد عبد الكريم الجدة وإستهانته بمكالمة الشخص المجهول والذي أبلغ وزارة الدفاع بالخبر في الساعة السابعة والنصف صباحاً أي قبل تنفيذ الإنقلاب بساعة ونصف.
– إستغلّوا كل الفرص المُتاحة لهم ووضعوا البدائل في حالات الفشل؛ على سبيل المثال أن ساعة الصفر كانت إغتيال قائد القوة الجوية في يوم عطلة وقرب منزله؛ ولو فشلت محاولة القتل كان الأمر يُعتبر محاولة إغتيال لفرد كغيرها من المحاولات. فالتوقيت كان في غاية الدقة وربما حددته قوى خارجية أعلى قدرةً من درجة ذكاء الإنقلابيين.
[ وبعدما كُشف النقاب عن وثائق المخابرات البريطانية والأمريكية ظهرت أدوار المخابرات في التخطيط والتنفيذ وحتى تحديد ساعة الصفر.. كما سنرى في مقالات لاحقة.]
– إستُخدم البعث وعصابات الأشقياء لهذه الخطوة الحركية الأولى مثلما إستخدموا الطلاب وسواق السيارات في خلق الفوضى وتشتيت قوى الأطراف المساندة لعبد الكريم قاسم.
– أعطوا دوراً (واجباً) لكل فرد من أفرادهم حتى أبعد فرد عن الولاء لهم؛ أن يتحرك في ذلك اليوم أو يبقى على (الحياد إن كان محسوباً على عبد الكريم قاسم ) كما حصل في مواقف العديد ممن إعتمد عبد الكريم قاسم على مساندتهم.
- إستخدموا الحيَّل والخِدع في تضليل الجماهير, خصوصاً الأوساط الشعبية الفقيرة وقد حسب المتآمرون حسابها؛ مثل إذاعة البرقيات الكاذبة والتأييدات المُلفَّقة لإنقلابهم من قبل قادة عسكريين يقفون في معسكر الزعيم؛ ثم إعلان قتل الزعيم لتحطيم الروح المعنوية في القوى المساندة له, ولما إستسلم الزعيم في ظهيرة اليوم التالي 9شباط عرضوا صورته مع رفاقه مضرجين بالدماء. وكان المشهد بالغ الدناءة والخِسَّة في سلوك الإنقلابيين؛ حيث ظهر أحدهم يَعرض وجه الزعيم أمام الكامرة ثم يبصق في وجهه. وكان للمشهد فعله المُدمِّر على معنويات الشعب. وفيما بعد أصبح الإعلام الكاذب وتلفيق الأخبار سلوكاً ثابتاً في سنوات حكمهم التالية وكان ذلك الإعلام الهابط يأتي من جهة إعلام القاهرة وصوت العرب وينسجم مع الضوضاء السوقية عند البعثيين.
ومن أساليبهم الإعلامية إستخدام الحرب النفسيَّة عبر الإذاعة ومن ثم توظيف الصوت النسائي في الصراخ والصياح في قراءة البيانات؛ كان صوت هناء العمري خطيبة علي صالح السعدي.[ يُقال أن السعدي وهناء(زوجته فيما بعد) ندما على دورها في الإنقلاب].
وقد فعل صوت المراة فِعلَه النفسي في تسكين وإحباط روح المقاومة؛ وكانت هناء العمري تتغنج بالإعدامات وخصوصاً بيان رقم (13) سيء الصيت, وأسماء القادة الشيوعيين الذين يتم إعدامهم.
– يقول البعثي ضرغام الدباغ, وكان طالباً في ذلك الوقت:- بعد سماعنا بيان تشكيل الحرس القومي توجهنا إلى النادي الأولمبي لإستلام (الواجبات).
– نفَّذوا إنقلابهم بثقة عالية بقواهم في تحقيق النصر لهم؛ على غير تقديرات الزعيم وتقديرات الحزب الشيوعي ولا الشعب العراقي.
– أصبحت التحقيقات الأمنية ,منذ إنقلابهم الأسود وحتى عودتهم الثانية في( 1968) ولغاية سقوطهم الأخير في(2003), تتبع نفس الأساليب في التعذيب وإنتزاع الإعترافات والتسقيط للشيوعيين وغيرهم, ثم أضافوا أساليب جديدة إكتسبوها في تجربة الحكم مرتين مع تطوُّر أنظمة المخابرات العالمية لخدمتهم.
– كان هدفهم تصفيَة الحزب الشيوعي العراقي بكل الوسائل والأساليب؛ وقد جمعوا في صفوفهم كل القوى الرجعية والإقطاعية والدينية والقومية ضد الشيوعية؛ وإستثمروا مواقف الدول العربية في هذا المجال؛ كمواقف مصر عبد الناصر ودور الكويت في الإنقلاب ودور المخابرات الأمريكية والبريطانية . كانت الأدوار موزعة على هذه الدول في كل خطوة تآمرية؛ الإذاعات السريَّة؛ دخول الأسلحة (رشاشات بور سعيد) عن طريق سوريا والكويت وكذلك المنشورات والأموال على شكل مِنَح من المخابرات الأمريكية, وماعُرف ببرنامج, مشروع النقطة الرابعة..
– أثبتت الأحداث التالية الدور المرسوم لحزب البعث من قبل المخابرات الأمريكية في تنفيذ السياسة الأمريكية في العراق إبّان عقود الحرب الباردة والصراع بي المعسكرين الشرقي السوفيتي والغربي الأمريكي.
وبعدما إستلموا السلطة ونفذوا واجباتهم في التصفيات واالتعذيب حتى الموت, ظهرت خلافاتهم, وإنكشف تحالفهم عن صفقة غدر تشترك فيها كل الأطراف التي ذكرناها, وظهر حلفهم أضعف مما كان محسوباً من قِبل القوى الأخرى؛ وأخذ التفكك طابعاً مسلحاً لمجموعات عسكرية تتناوب إستلام السلطة وإنفكَّ تحالف العسكريين عن المدنيين, وهبط مفعول الشعارات القومية التي إتُّخذت ذريعةً لمحاربة الشيوعية والشيوعيين؛ وتقولب الحكم في العراق بعد( 18) تشرين الثاني 1963بصيغة نظام نسخة من الإتحاد الإشتراكي المصري, وصولاً إلى المُنعطف التأريخي في الوضع العربي بهزيمة 5حزيران 1967.
– رفعوا شعارات برَّاقة مثل (من المحيط إلى الخليج)و( فلسطين عربية) والملاحظ أن هذه الشعارات بدأت تهبط وتتلاشى منذ 8شباط 1963وتصاعدت التداعيات الوطنية, (القطرية) كما يحلو للقوميين؛ والبعثيين الأكثر مُزايدةً تسميتها. ولكنها أصل المشكلات القومية وجوهر الصراعات لأن محورها الإنسان الذي تتحكم بمصيره الطبقات الحاكمة, مالكة الدولة ووسائل الإنتاج في الصناعة والزراعة والتجارة؛ ووسائل القمع والجيوش والشرطة.
كانت الشعارات القومية سلاحاً ثقافياً وإعلامياً وحتى حجة قانونية لتجنيد ملايين العاطلين عن العمل والخريجين من الشباب لتحقيق الحلم القومي؛ بقيادة البرجوازية الصغيرة المتنورة بالأفكارالإنتقائية, الخيالية, غير القابلة للتطبيق في أي ظرف. وقد تلاشت الشعارات الديماغوجية بعد هزيمة 5حزيران 1967.
– كشفت الأحداث أن الإصطفافات الوطنية والقومية و الحزبية كانت رخوة في روابطها الفكرية ومستويات وعيها, ومما ساهم في إضعاف الوعي المطلوب هو سباق الكسب الحزبي والتلقين وغياب المناهج العلمية في التحليل وينطبق ذلك على الجميع وللأمانة نقول إنها طبيعة العمل السياسي في تلك الفترة, كانت فترة مراهقة سياسية رافقت ثورة تموز بعد عهود من الظلم وإنعدام حرية التعبير, مع الأمراض الإجتماعية التي خلفتها الأنظمة العثمانية والملكية. وعلينا أن نستقرئ الأوضاع حسب مقاييس عصرها وظروفها الموضوعية لا بمقاييس عصرنا الحالي كما يقول ذلك معظم المفكرين.
– في الحقيقة كانت المصالح الشخصية والفئوية وخصوصاً مصالح الضباط القوميين والبعثيين.
– وكانت الطائفية بشكل غير مُباشر خلف الإنقلاب البعثي؛ والصراع الطبقي غير الواعي في صفوف هذه المجموعات والذي يجري تغليفه بالديماغوجيات القومية الفضفاضة.
كان الهدف الأكبر مُحاربة الشيوعية وإستخدام ما أمكن من الأفكار؛ بما فيها الدينية والفتاوى المعروفة؛ وهناك شرائح إجتماعية, طبقية, خسرت مواقعها الإقتصادية في ثورة تموز.
– كان الحلف البعث/ قومي مُصطنعاً وينطوي على خداع هذا التنظيم المُزدوج؛ فما هي المصالح المُشتركة التي جمعت فئات مثل البكر وعماش وسعدون غيدان وطاهر يحيى مع إضراب سواق السيارات وإضراب الطلبة؛ كل النشاطات كانت مُصطنعة ولكنا نجحت وساهمت, وعلى مراحل, في إنجاز إحدى فقرات الأنقلاب.
من المؤكد ظهور تيارات لاتتفق مع غيرها داخل التنظيم الواحد كما في حالة إنشقاق البعث.
- كانت هناك التدخلات الخارجية ضد ثورة تموز وضد الزعيم شخصياً وضد الحزب الشيوعي العراقي؛ وكانت هناك الحرب الباردة القابلة للإنفجار في كل لحظة, وفي خضم هذا الوضع كانت سياسة الزعيم عبد الكريم قاسم صائبة ودقيقة لما يجري حول العراق. أمَّا دعوات ميشيل عفلق وفلسفة عبد الناصر حول الوحدة الفورية فكانت لاتنطبق على وضع العراق. جاء عفلق إلى بغداد وإجتمع بالسياسيين في فندق بغداد, بعد ثورة تموز 1958وطلب من العراقيين الذهاب إلى عبد الناصر وإعلان الوحدة فوراً؛ أثبت التأريخ عدم صحة نظريته؛ وعدم مصداقيتها وعدم إمكانية تطبيقها على وضع العراق بصورةٍ خاصة؛ بل أكثر من ذلك تتضمن إستهانه بالعراقيين, أحزاب وشخصيات وشعب, وتقرير مصيرهم بأنفسهم؛ ففي مفهوم عفلق وعبد الناصر لا مكان للطبقات الإجتماعية ولا لصراع طبقي. عند عفلق مصطلح (الأمة الواحدة الكبيرة) وعند عبد الناصر (من المحيط إلى الخليج) وفي الحالتين إلغاء دور الطبقات الإجتماعية المُنتجة والمُضطهدة والمُستَغَلة من قِبَل الطبقات الرأسمالية الصناعية والتجارية الكومبرادورية؛ في الحقيقة ان الوحدة العربية تتمثل في وحدة الطبقات الرأسمالية.. ولذلك رفض عبد الناصر شكل الوحدة المُقترح من العراق و قوامها التعددية وحرية الأحزاب والديمقراطية وشكلها الفدرالي.
- كان موقف عبد الكريم قاسم مؤيداً للوحدة لكنه غير مؤيد لضياع إستقلالية الموقف العراقي؛ وظلَّ عبد الناصر متردداً في الوحدة مع العراق حتى بعد صعود القوميين الناصريين لحكم العراق في سنوات حكم الرئيسين عارف. لم يكن عبد الكريم قاسم ماركسياً ولا متوافقاً مع الحزب الشيوعي لكنه وقف مع مصلحة العراق ويشهد بذلك حتى أعداءه.
إذا عُدنا إلى واقع البلدان العربية في ذلك الزمن لنتساءل: كيف كان واقع كل بلد من الناحية الإقتصادية؟ ومن الناحية الثقافية؟ ما نسبة الأمية في كل بلد عربي؟ ما نسبة البطالة؟ حتى نصوغ الشعارات الصحيحة. كان وما زال التفاوت الطبقي, الفارق الكبير بين شرائح غنية جداً وإلى جوارها شرائح في فقر مُدقع وفي التأريخ العربي قول منسوب إلى الإمام علي بن أبي طالب يقول: (ما رأيت نعمةً موفورة قط إلاَّ وفي جنبها حقٌ مُضاع) وما زالت هذه الحكمة تنطبق على أوضاعنا, وتُجسِّد صراعنا الطبقي. فكيف تجتمع النوايا بين صاحب النعمة الموفورة وصاحب الحق المُضاع (أي فائض القيمة).
وإذا نظرنا إلى شعارات الوحدة العربية من زاوية زمننا الحالي فأمامنا مثال الوحدة الأُوربية ومن شروط عضويتها أن لا يُطبِّق البلد العضو حكم الإعدام وشروط أُخرى لامجال هنا لذكرها. والقصد أن الإنسان يمثل القيمة العليا في المجتمع المُتحضِّر.
– هناك من يرى أن هزيمة 5حزيران 1967كانت النهاية للفكر القومي العربي الكلاسيكي؛ غير أن وقائع التأريخ تُثبت أن يوم 8شباط 1963كانت البداية لنهاية الفكر القومي العربي العفلقي والناصري, فقد كشف إنقلاب شباط في العراق وتلاه إنقلاب آذار في سوريا لنفس العام ومن قبل حزب البعث في البلدين, والسنوات التالية, تناقضات هذا الفكر؛ حيث تفجَّر الصراع الداخلي في النظامين والتنظيمين الحزبيين. و إنكشفت عزلة الفكر القومي عن الشعوب العربية وإضطهادها وإنعدام الحريات الديمقراطية في أنظمة الحكم العربية, ولذلك إختارت إسرائيل وقتها المناسب لحربها المعروفة.
- أثبت التأريخ أن حزب البعث لايمتلك مقومات الحركة إلاَّ من خلال السلطة التي يصنعها العسكر, بغض النظر عن مرجعياتهم الفكرية أو علاقاتهم الدولية المشبوهة, والفترة الوحيدة التي ظهر فيها إسم البعث للتداول كانت فترة حكم الزعيم عبد الكريم قاسم الذي واجه المتآمرين والخونة بالعفو وبالديمقراطية؛ وقد فهمها البعثيون ومن على شاكلتهم, على إنها نقطة الضعف التي يتغلغلون منها إلى منظومة الحكم والإنقلاب عليها. ولم يذكر التأريخ للبعثيين تنظِّيم أو قيادة مسيرة جماهيرية بعد إنقلاب شباط عام 1963 . ولمَّا عادوا إلى الحكم عام 1968 إستخدموا القوة لإجبار المواطنين على التظاهر والتصفيق. وحين ذكر البعثي ضرغام الدبّاغ أن البعث نظَّم مسيرة تشييع (كذا) بمئات الألوف,( بالمقارنة مع محدودية نشاط حركة القوميين العرب), كان يبالغ في منح حزب البعث دوراً أكبر من حقيقته على أرض الواقع, فإن فضاء الديمقراطية في الأعوام التي سبقت إنقلاب شباط كانت تسمح بالتظاهر وحتى بسقوط الحكومة دون أيَّة ردود أفعال خارجة عن القانون من قِبل أجهزة الدولة, والأدهى من كل ذلك أنهم لم يُنظِّموا مسيرة تأييد لإنقلابهم الأسود وإكتفوا بالإحتفال في القاعات المُغلقة في بعض الكليات وبحراسات مُشددة من قبل الحرس القومي؛ وذلك بمناسبة مرور شهر على الإنقلاب؛ ولم يتظاهروا في الشوارع والميادين العامة, لا هم ولاشركائهم في جريمة الإنقلاب.
- يقول عزيز الحاج في برنامج (خطى) الذي يُقدمه الإعلامي علاء الخطاب: ( كانت تجري مظاهرات في الأعظمية تهتف بموت عبد الكريم قاسم وكان يطلب من الشرطة عدم التعرُّض للمتضاهرين بل كان يطلب من الشرطة حمايتهم, كان أفضل من قاد العراق بعد الملك فيصل الأول, عبد الكريم قاسم لم يكن دكتاتوراً شمولياً كما كان عبد الناصر؛ كانت هناك أحزاب تعمل, حتى الحزب الإسلامي وافق على إجازتهِ لكن المحكمة رفضته.).

– يتبع -



#الخليل_علاء_الطائي (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مؤتمر أربيل وصفقة القرن
- الإستفتاء قنبلة صوتية دخانية
- مأزق السعودية والأوراق الخاسرة
- درس 3 تموز للتأريخ
- إلى الكاتب جعفر المُظفر
- عود الثقاب الذي أشعل الحريق
- قوانة البوابة الشرقية من جديد
- [ لماذا لانقترح إسم رئيس الوزراء ]
- العشائرية ورقة عثمانية بعثية
- البعث وراء الأكمة وبين السطور
- الثالث من تموز عام 1963..درس للتأريخ
- 8 شباط 63/ الدرس الذي لم نتعلمه
- توقيت الإستفتاء في الإقليم
- مظاهرات اليوم.. إعتصامات الأمس
- الشيوعيون العراقيون بين كاسترو وصدام
- [التكتيك البعثي قبل وبعد 8 شباط الأسود]
- [نفط الشعب للشعب مو للحرامية]
- [ أثيل النجيفي والحرس الوطني ]
- [ التظاهرات تكتيك بعثي ينبغي إحباطه ]
- [ كردستان واسكتلندا ]


المزيد.....




- مروة عرفة: 3 سنوات حبس احتياطي بالمخالفة للقانون
- زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون يظهر في أكبر استعراض للصوار ...
- الوحدة الشعبية: ارفعوا الحصار عن سورية.. اكسروا الحصار الأمر ...
- ضحايا انقلاب 8 شباط يضيئون طريق العراق
- -مزيج من الغباء والوقاحة-.. زاخاروفا تعلق على تصريحات رئيس و ...
- لبنان.. مديرة المركز الوطني للجيوفيزياء تدعو إلى 48 ساعة من ...
- إيران تسلَح قاذفاتها -سوخوي- بصواريخ مجنحة بعيدة المدى
- روسيا تطور جيلا جديدا من المروحيات
- لماذا كان زلزال تركيا وسوريا مدمرا إلى هذا الحد؟
- تركيا.. تشققات خطيرة في سد ملاطيا


المزيد.....

- تهافت الأصوليات الإمبراطورية / حسن خليل غريب
- سيميائية الصورة في القصيدة العربية PDF / ياسر جابر الجمَّال
- طه حسين ونظرية التعلم / ياسر جابر الجمَّال
- الخديعة - منظمة الفساد الفلسيطينية / غسان ابو العلا
- قطرات النغم دراسة في موسيقى الشعر العربي / ياسر جابر الجمَّال
- سيميائية الصورة في القصيدة العربية / ياسر جابر الجمَّال
- مُتابعات – نشرة أسبوعية العدد الأول 07 كانون الثاني/يناير 20 ... / الطاهر المعز
- مدار اللسان / عبد الباقي يوسف
- عوامل تبلور الهوية الفلسطينية(1919-1949م) / سعيد جميل تمراز
- الحد من انتشار الفساد المالي والأداري في مؤسسات الدولة / جعفر عبد الجبار مجيد السراي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - الخليل علاء الطائي - [الجمعة الدامية 8 شباط 1963 الدرس الذي لم نتعلمه ]