الخليل علاء الطائي
الحوار المتمدن-العدد: 8789 - 2026 / 8 / 6 - 08:35
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
العنوان علامة تنبيه مرورية, وقد يصلح مثلاً له دلالة سياسية..
زبدة الكلام حول كتابات تظهر في المواقع في هذا الزمن, السريع الطفرات والتحولات, حيث لاثوابت في السياسة التقليدية, إنما المصالح فقط.
أحدهم يكتب في الحوار المتمدن ومواقع أخرى, ولا داعي لذكر الإسم لأنه جزء من ظاهرة تنتشر في المواقع والمحاورات, ولكل مُتابع حق إبداء الرأي, وذلك من فضائل التكنولوجيا الرقمية هذا الإنفتاح الواسع في فضاء المعلومات.
أقرأ لهذا الكاتب مثلما أقرأ لغيره ممن يكتبون عن أوضاع العراق والمنطقة العربية والعالم, ومع كل قراءة ظاهرة تُفسر آراء الكاتب ومواقفه من الأحداث, بشكل خاص إذا تمسّك الكاتب بمقولات مُحددة, يُكررها في كل مقال, مهما إختلفت الموضوعات التي يطرقها.
قبل أيام كتب مقالاً بعنوان (الحقائق المُغيَّبة بشأن إقليم البصرة), وهذا الموضوع يمسُّ حالة الوضع العراقي, السياسية والإقتصادية والجغرافية والتأريخية, وبإختصار الحالة الوجودية, ومن الضرورات تحليل المقاصد والنوايا الحقيقية الكامنة خلف دُعاة الإقليم.
يمضي الكاتب في تحليل المخاطر المستقبلية على العراق إذا تحقق مشروع من هذا القبيل, وهي إنتباهة مسؤولة حول مصير البلد, غير أن الكاتب أغفل الدوافع الحقيقية, الداخلية والخارجية, فلم يتطرَّق للدوافع المحليّة (البصريَّة) وأسبابها, ولماذا تُثار بين حينٍ وآخر, ومن المستفيد منها في الداخل المحلي.
تطرَّق إلى مساعي دول الجوار في تطلّعها لتمزيق الجغرافية العراقية وبالتالي تقسيم العراق , عزله عن العالم, وهذا الكلام صحيح, ويُفهم منه دول الخليج ومنها الكويت تحديداً, إضافةً إلى السعودية والإمارات وغيرها التي تنظر إلى إستقرار العراق بعين الريبة, وخاصةً إنعكاس الإستقرار الأمني والسياسي على إقتصاد العراق وتنمية المشاريع الكبرى مثل مشروع ميناء الفاو وطريق التنمية. غير أن الكاتب ينحرف عن قول الحق والحقيقة والوقائع, فيرى في دول الجوار إيران فقط, ولها أطماع في إحتلال البصرة وإحتلال العراق, ويعود لأيام الحرب وكأننا نعيش طبولها ومسلسلاتها ومشاهدها التي أرهقت العراقيين والإيرانيين معاً, والحديث عن أطماع إيران نبرة يُكررها الناطقون في فضائيات الخليج ومنذ أمدٍ بعيد نسبياً, منذ تحوّلت إيران من شاهنشاهية إلى نظام إسلامي جديد غير تابع للنفوذ الأمريكي والصهيوني.
قد نختلف مع النظام السياسي الإيراني فكريّاً ولكن هذا هو الواقع. فالأحداث أثبتت وقوف إيران ضد المشروع التوسعي الصهيوني الأمريكي.
ومنذ اليوم الأول للثورة الإسلامية تحوَّلت الأنظار إلى إيران لتصبح العدو الجديد بدل إسرائيل, وقد أكّدها محمد حسنين هيكل منذ بدايات هذا التحوّل, وتمَّ شحن صدّام للقيام بمهمة المواجهة والحرب لتدمير إيران, وكانت دول الخليج وعلى رأسها السعودية, هي الداعم الأكبر لصدّام بالما والسلاح والدعاية والإعلام, كما إعترف بذلك تكراراً ملك السعودية فهد في تلك السنوات.
ولم تتوقف دول الخليج عن تصدير الإرهاب والإستفزازات ضد الجمهورية الإسلامية, بما في ذلك قتل الحجّاج الإيرانيين, وكافّة أنواع المضايقات. ناهيك عن الضخ الإعلامي الطائفي الإرهابي الهادف إلى ترسيخ صورة العدو الجديد في ذهن الأجيال العربية, الحاضرة والمستقبلية, بأن لإيران أطماع في هذه البلدان, ولنفس الهدف لابد من حماية الأوطان من قبل أمريكا وإسرائيل, الأمر الذي نشاهده اليوم بكل وضوح, في التطبيع مع إسرائيل, والإعتراف بها والتنسيق معها في مشاريعها, بل تنفيذ تلك المشاريع على أراضي دولها, كالطرق والممرات والقواعد العسكرية الأمريكية, وحتى الإسرائيلية كما في الإمارات علانيةً وبالإتفاقيات الرسمية في شتّى المجالات, وأهمّها المجالات العسكرية.
آخر ماكتبه هذا الكاتب رأيه في مضيق هرمز ومنع الناقلات العراقية من المرور, وبرأيه إن هذا التصرُّف الإيراني يسبب خسائر للعراق, وهناك أمور أخرى بنفس الإتجاه. وفي هذا المجال تفتّقت قريحته, ليقترح حلولاً جذرية لتعويض العراق عن هذه الخسائر فكتب (أموال إيران المُجمّدة في العراق) وقدَّرها ب(15) مليار؟ وإقترح أن يستولي العراق على هذه الأموال لتعويض الخسائر, ولنا رأي أن نسأل أولاً هل يستطيع العراق (حكومة العراق) أن تُقدم على قرار من هذا النوع.. إن صحت معلومات الكاتب؟, في وقت عجزت فيه أقوى دولة في العالم من فرض أدنى شروطها على إيران؟. علماً أن علاقة العراق بإيران تسير بالطرق الدبلوماسية وتداول الأفكار بما فيها الحسابات المالية عن التصدير والإستيراد والسياحة الدينية والتجارة المُتبادَلة.
يُعدد الكاتب الأضرار التي سببتها إيران للعراق, وكأننا نستعيد خطابات حرب الثماني سنوات, والذرائع التي كانت تُطلقها ماكنة الدعايات البعثية, من البوابة الشرقية, إلى تحرير الجزر الثلاث ودولة عربستان, وغير ذلك.
يبدأ بغلق مضيق هرمز وما لحق بالعراق من خسائر إثر منع سفينتين عراقيتين من عبور المضيق, كما يقول, وهناك عشرات السفن والناقلات العالمية مُحتجزة في المضيق, وهي أزمة عالمية وأصبحت عقدة الحرب المحورية فيها. وخلال أشهر الحصار والغلق عبرت ناقلات وسفن عراقية وغير عراقية, وتوقفت حركة المرور بالحصار الأمريكي على إيران أيضاً, فقد تسمح إيران بمرور ناقلة تحمل النفط العراقي, لكنها ستُمنع من إجتياز الحاجز الأمريكي, إذا كان النفط موجهاً للصين.
الخسارة الثانية برأي الكاتب في تدمير الرادارات الأمريكية على الأرض العراقية. والمعروف أنها وضعت لضرب إيران, وإستُخدمت في الحرب الأخيرة في الأعمال العسكرية وبالتالي فهي أهداف مشروعة لإيران, وأصبحت عالة على البلدان التي تُنصب على أراضيها, وقد أدرك ترامب أخيراً أن ضرر وجود هذه القواعد أكثر من فائدتها, وبدأ إنسحاب هذه القوات من الشرق الأوسط بشكل مُنتظم, حتى أن دول الخليج, وخشيةَ من الإنكشاف الكامل لجأت إلى باكستان لملء الفراغ الذي سيتركه الأمريكان.. أمّا الخوف الخليجي فهو مشروع, لآن دول الخليج كانت مع المخطط الأمريكي الصهيوني, قلباً وقالباً, منذ أُنشأت هذه المحميات العائلية, وكانت ضد إيران في كل عمليات التجسس والإغتيالات والتفجيرات وكشفت الحرب الحالية ضرب إيران من الأراضي الخليجية كالكويت والبحرين والإمارات, وبالتالي فإن نهاية الحرب مع نهوض إيران يُمثِّل هاجساً مرعباً لهم في المستقبل القريب والبعيد, وقد أدركوا قدرة إيران على إتخاذ القرارات المناسبة, فإيران تقول وتفعل.
يريد الكاتب أن نُدرج الخسائر الأمريكية ضمن طلبات العراق بالتعويض من إيران.. حتى ترامب لم يخطر بباله مثل هذا الطلب.
يُبدي الكاتب حرصه على مصلحة العراق وضد إيران التي أوعزت إلى (ذيولها) لضرب دول الجوار, ويزعم أنه إكتشف (في هذه الأيام) أن الذي ضرب دول الجوار هم أفراد من الحرس الثوري الإيراني (ممن زرعتهم عندنا). بينما إعترف ترامب بضرب الحشد الشعبي ولم يذكر علاقة الحشد بإيران. يعلم ترامب أن الحشد الشعبي طرف من أطراف المقاومة الرافضة لمخططاته وللصهاينة. وكان يُقدِّم هدية لضيفه نتنياهو أثناء زيارته, لسبب أو لغير سبب, وتمَّ التوقيت مع السعودية للغرض الطائفي التقليدي, بأن تتم أثناء الزيارة الأربعينية, إنتقاماً من الشيعة لاغير. يتوافق كلام الكاتب مع الأصوات التي تُبرر العدوان الأمريكي السعودي على العراق.
يقول أيضاً أن إيران ومنذ زمنٍ طويل تُخطط لمد سكك الحديد للسيطرة على المحافظات الحدودية ومنها محافظة البصرة الحاوية على موانئ البلد ومركز صناعتهِ النفطية ومعها إحتلال العراق ويُضيف (وهذا لايُعتبر إلاَّ تآمراً يُعاقب عليه القانون الدولي). لا أدري كيف فسَّر هذا الربط بأنه تآمر, بينما يجري الان مد سكك حديد مع تركيا وطرق بريّة تشتغل مع السعودية والأردن والكويت وسوريا؟. وفي المشاريع القادمة إحياء إنبوب النفط عبر سوريا, وفي زيارة رئيس الوزاء والوفد الكبير المُرافق له جرى التوقيع على عدد كبير من الإتفاقيات ومنها الشروع بتشغيل إنبوب نفط كركوك- جيهان.
لنترك سذاجة التعبير والإدّعاء والنفاق, ونسأل: هل تحتاج إيران إلى موانئ؟ هل تحتاج إلى أراضي للتوسع؟ هل هي بحاجة إلى نفط؟. إيران ليست بحاجة لكل ذلك, في الجغرافية هي أشبه بقارّة مُتشعبة المستويات والتضاريس, وهي بلد النفط والموانئ العالمية. لإيران علاقات بريَّة وخطوط سكك مع كل الدول المُجاورة لها بإستثناء العراق, بحكم التراكم الذي خلّفته العقلية الطائفية والبعثية, ومساعي أمريكا ودول الخليج في عزل إيران, ومن أدواتها الجديدة مشروع الشرق الأوسط الجديد, الذي وقفت إيران ضدَّه وأفشلته, ومن أبرز فصول هذا المشروع, طريق الهند الإمارات حيفا, وهو عبارة عن قناة جافَّة مُضادة لطريق التنمية العراقي وقناة السويس, مروراً بالدوَل المُطبِّعة مع إسرائيل.
في نفس الوقت هناك مشروع إنبوب النفط من البصرة إلى الأردن, وهي الدولة المُجاورة الأشد حقداً على العراقيين, وعلى أرضها أكبر القواعد الأمريكية في الشرق الأوسط ولها علاقات دبلوماسية وإقتصاادية, أكثر من التطبيع مع الكيان الصهيوني. ومن الناحية العسكرية تُعتبر الأردن حائط الصد لحماية إسرائيل, علماً أن هذا الحائط بدأ يتفكك ويميل إلى السقوط.
قدِّروا لهذا المُخطط أن يكتمل إذا أُسقط النظام الإيراني في ظرف أيام, أو أُدخلت إيران في عصر الفوضى والتجزئة, لكن الصمود الإيراني لم يكن مُتوقعاً, بل أثبتت إيران أنها دولة عظمى, وهم يخشون هذه الحقيقة, بشكل خاص إذا توقف القتال وخرجت إيران منتصرةً. وسيكون الشرق الأوسط الجديد غير المرسوم بالخرائط الإسرائيلية ولا ضمن مشاريع دول الخليج, سيكون إنعطافة تُنهي الهيمنة الصهيونية الأمريكية في المنطقة.
حين يُهاجمون إيران يستخدمون المصطلحات المُنافقة, الجامعة الغامضة, مثل (دول الجوار), و يقصدون بهذا المصطلح الخليج والأردن وسوريا وحتى إسرائيل, والأكثر أن القواعد الأمريكية من بين دول الجوار, والكل في مُعاداة إيران, والجميع في صداقة إسرائيل.
تفتقد هذه الكتابات مبادئ التحليل المنهجي,العلمي, للوقائع, وتلجأ للتخاطب بالمشاعر العاطفية, كالتسقيط والشتائم وصب الأحقاد من قبيل (الدولة المارقة الحقيرة الإرهابية..) وهي الأوصاف التي تنطبق على الدول التي صنعت القاعدة وداعش, وعلى أمريكا وإسرائيل بالدرجة الأولى. الدول التي أحدثت المجازر الدموية بالعراقيين, وإحتلّت ثلث مساحة العراق, وأشاعت الإرهاب, وحكمت بعقلية القرون الوسطى, وخلف هذه الموجات الإرهابية دول الخليج المعروفة بثقافة العقيدة الوهابية.
يوجه الكاتب اللوم على الحكومة الحالية بالسؤال (لماذا نتصرَّف بضعف أمام هذه الدولة المارقة, ونقبل بأزمة المالية التي سببتها؟).
يُطالبنا أن نقف بصلابة في وجه إيران, وننسى الدول المارقة التي أضرَّتنا وسببت لنا الخسائر في الأرواح والأموال مثل السعودية والكويت, والشواهد مازالت باقية, وينتهي إلى الحل على الطريقة الأمريكية الفاشلة بالإستيلاء على الأموال الإيرانية من مُستحقات الغاز وهي عندنا كما يقول وتحت تصرّفنا, وفي مقاله الكثير من الهذر في هذا الموضوع, وأخيراً (بعدما نأخذ الأموال) يقترح الكاتب تعليق كل الإتفاقيات التي وقّعها رئيس الوزراء علي الزيدي في زيارته الأخيرة لإيران.
لم يبق إلاَّ أن يختمها بأُغنية (ياكاع ترابج كافور).
ويصل أخيراً إلى مربط الفرس من كلامه, وكل ما قيل في مقاله وما طفحت به قريحته, يتعلق بهذه النقطة وهي رؤيته للملايين الذاهبة إلى كربلاء لأربعينية الإمام الحسين, ومن هذه الملايين آلاف مؤلّفة من الزوّار الإيرانيين. فلم يعد يحتمل الصمت على ما يُشاهد فيقترح : ( إعادة النظر في الإتفاقيات الأخرى بشأن زوّارهم القادمين إلى بلدنا ووضع نسبة أي كوتا مُعيَّنة لهم أو إعادة العمل بتأشيرة الدخول بالدولار, فالبعض يتكيء على الأعداد الهائلة لهؤلاء لخلق الإنطباع بالقوَّة والتأثير بالتالي على توجه البلد لصالح إيران..).
لا أظن أن الكاتب يجهل القيَّم الإعتبارية لهذه المناسبة لدى المسلمين عموماً وعند الشيعة خصوصاً, وإيران هي دولة الشيعة ومن حقِّها أن تُرسل ملايين الزائرين لكربلاء والنجف والمراقد الأخرى في المناسبات الدينية.
أعود لعنوان المقال أعلاه وأقول للكاتب, الزمن يتغيَّر, والمعادلات تنقلب, والطريق سريع والعلامة التي أمامك تقول (خفف السرعة أمامك مُنعطف).
#الخليل_علاء_الطائي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟