الخليل علاء الطائي
الحوار المتمدن-العدد: 8766 - 2026 / 7 / 14 - 17:20
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
يتردد في ذكريات السياسيين, الذين عاصروا أحداث عام 1958أو مَن شاركوا فيها أو من المُستقلين, في العراق, وهي الفترة التي سبقت إنقلاب 8 شباط 1963, معلومة بالغة الأهمية تُنسب لكامل الجادرجي, ولكنه رفض المهمّة, أو لم يأخذها على محمل الجد, كموقف من حكومة عبد الكريم قاسم.
المعلومة مفادها أن الزعيم طلب من الجادرجي كتابة الدستور الدائم للعراق الجديد, لعبور الفترة الإنتقالية, ورسم هيكلية دستورية تُثَّبت القوانين الثورية التي شرَّعتها حكومة الثورة, لعراق مدني يجري فيه تداول السلطة عبر صناديق الإقتراع. غيرأن الجادرجي رفض وطالب بإبعاد العسكر أولاً, غير أن الوقائع الحقيقية تُدلل أن الجادرجي كان يعتذر عن أيّة مسؤلية تُسند له.. وسنأتي على التفاصيل.
كان الزعيم عبد الكريم قاسم يكنُّ الإحترام الكبير لهذا السياسي المُخضرم وصاحب الرأي في القانون, والمعروف بنزاهته ووطنيته. ويمكن القول أن أفكار الزعيم لا تتعارض مع أفكار الجادرجي, وربما يسود الإعتقاد بإنتماء الزعيم للحزب الوطني الديمقاطي, بدليل أنه سلَّم أهم الوزارات, لرجالات الحزب الوطني الديمقراطي. إضافةً إلى العلاقة الشخصية بين الإثنين والتي تتسم بالإحترام للجادرجي, والثقة التي يتمتع بها من قبل الزعيم, فقد كان يصحبه معه في سيارته, وكان يحضر جلساته في وزارة الدفاع, وكان الزعيم يستمع لإنتقادات الجادرجي لشخصه بلا إحراج كما تروي سرديات تلك الأيام.
إن الحديث عن سيرة الفرد التأريخي, بتوصيف هيجل, يجب أن يتم من خلال قراءة الظروف الموضوعية والذاتية في زمنيتها ومواقعها في المرحلة التأريخية التي ظهرت فيها.
كانت الحركة الإنتقالية في العراق مُفاجئة, وعفوية, وعاطفية, فجَّرت التناقضات الكامنة في المُجتمع, في نفس الوقت واجهت الثورة خصومات ومواقف عدائية, من أطراف داخلية وعربية وعالمية, غربية, لأن الخطوات الأولى كانت تُنذر بتهديد المصالح الرجعية في الداخل والمصالح الغربية التي إرتبط بها النظام الملكي قبل الثورة, وجرى نسفها بشكل سريع وبقوانين جريئة لمصلحة العراق. من المُفيد أن نطَّلع على بعض الآراء التي واكبت تلك الأحداث وننقل النصوص كما هي في مصادرها, يقول الكاتب أمير الحلو, وكان ضمن حركة القوميين العرب التي شاركت في إنقلاب 8 شباط1963:
(كان من الواضح من تشكيلة مجلس السيادة والوزراء التي أُعلنت يوم 14 تموز 1958إن العسكريين الذين نفذوا الحركة العسكرية, قد أشركوا القوى السياسية الفاعلة على الساحة العراقية في الحكم, وهي حزب الإستقلال, وحزب البعث العربي الإشتراكي, والحزب الوطني الديمقراطي, وشخصيات كردية معروفة, وعناصر محسوبة على الحزب الشيوعي.) – أمير الحلو: حوار في مجلة كاردينيا- (على سبيل المثال أُسندت وزارة المالية إلى محمد حديد وهو الرجل الثاني في الحزب الوطني الديمقراطي, ووزارة الزراعة إلى هديب الحاج حمود, والتخطيط إلى الدكتور طلعت الشيباني, والإقتصاد إلى إبراهيم كبة, الذي كان محسوباً على اليسار..) – د عبد الخالق حسين: ثورة وزعيم- ص 37- .
(الوزارة الثانية التي تشكلت في 7 شباط 1959 فكانت وزارة كامل الجادرجي, كما أكَّد ذلك المرحوم محمد صدِّيق شنشل, لأن أغلب وزرائها كانوا إمَّا أعضاء في حزبه وإمَّا مؤيدون له ولأفكاره.) – ليث الزبيدي: ثورة 14 تموز عام 1958 - عن عبد الخاق حسين: ثورة وزعيم. وفي تشكيلتها أسند الزعيم وزارة البلديات إلى الدكتورة نزيهة الدليمي,المحسوبة على الحزب الشيوعي العراقي. وهي المرَّة الأولى في تأريخ العراق, والمنطقة العربية التي تُسند فيها وزارة إلى إمرأة, في ظروف بلد يواجه تحديات القيَّم الرجعية والعشائرية ورواسب العقلية العثمانية.
( وتؤكد الوثائق المُعتمدة, أن السيِّد رشيد مطلك قد إتَّصل بالأُستاذ كامل الجادرجي, قبل الثورة وكان موفداً من قِبل الزعيم الركن عبد الكريم قاسم, يُخبره عن الثورة ورغبة الضبّاط الأحرار أن تكون حكومة الثورة مكوَّنة من المدنيين وأن يكون الجادرجي رئيساً للوزراء... وكان رأي الجادرجي هو عدم مساهمة المدنيين في الوزارة الأولى للثورة وإنما جعلها وزارة عسكرية صرفة حتى تستتب الأمور ومن ثمَّ تُعهد إلى المدنيين, ولكن نتيجةً لضغط الضباط الأحرار... وافق الجادرجي على إشراك حزبه بالوزارة الأولى للثورة, إلاَّ أنه رفض أن يكون رئيساً للوزارة عندما طُرح عليه هذا المنصب. وبذلك أصبح الزعيم عبد الكريم قاسم رئيساً للوزراء بسبب عدم موافقة المدنيين, والأُستاذ الجادرجي بالذات إستلام مسؤولية الحكم.)- ليث عبد الحسن الزبيدي: ثورة 14 تموز 1958- ص 259 نقلاً من أوراق المرحوم الجادرجي غير المنشورة والموجودة في مكتبة السيد نصير الجادرجي, وكذلك مقابلة الزبيدي مع الأستاذ حسين جميل.) – منقول عن عبد الخالق حسين: ثورة وزعيم.
(كما وإتَّصلَ عبد الكريم قاسم قبل الثورة بحسين جميل عارضاً عليه تأليف أول وزارة بعد الثورة, وطبعاً كان يقصد أن يكون ذلك مؤقتاً كما حدث في مصر ولكن حسين جميل رفض.)- فاضل حسين- ليث الزبيدي – ص53-55- عبد الخالق حسين- ثورة وزعيم ص36 –
يذكر الدكتور عبد الخالق حسين الموقف الغريب الذي وقفه الجادرجي من إستشارة الزعيم للجادرجي بكتابة الدستور, وكان جواب الجادرجي ساخراً ولا يُعبِّرعن موقف مسؤول في قضيَّة تمس الوطن والشعب..( وعندما طلب [الزعيم] من الجادرجي المشورة في إعداد الدستور الدائم قال الجادرجي إن القضية ليست جديَّة وإن موعد نومه قد حان) – عبد الخالق حسين: ثورة وزعيم – ص 41- أصل المصدر: علاء الدين الظاهر: الجوانب الإيجابية في عهد وشخصية الفريق الركن عبد الكريم قاسم.. وتتفق أربعة مصادر على مضمون هذا الحديث الذي جرى بين الرجلين وهي: رفعة الجادرجي (صورة أب). جاسم كاظم العزاوي (ثورة 14 تموز أسرارها, أحداثها..) – موسوعة 14 تموز الجزء الخامس. – زكي خيري (صدى السنين).
وأورد الدكتور عبد الخالق حسين في هذه الصفحة مجموعة من المواقف الساخرة, والإستفزازية, التي يواجه بها الجادرجي كلام الزعيم, لامجال لذكرها وهي لاترتقي إلى مستوى ثقافة رجل كبير في السياسة وفي الثقافة. وبدلاً منها كان المفروض برجل السياسة وقادة حزبه أن يُعيدوا تقييمهم للأوضاع, السياسية والإجتماعية والإقتصادية, بدراسات علميَّة كان العراق بأمسّ الحاجة إليها [ لاننكر وجود بعضها بتوجيه من قِبل الزعيم عبد الكريم قاسم, ومنها الدراسة الإستبيانية, التي صدرت عن الواقع الإقتصادي للفرد والأسرة العراقية, للدكتور محمد سلمان حسن, وزير النفط في عام 1960 بإشراف بروفيسور بريطاني, بعد بروز مؤشرات تضخُّم وهبوط نسبي في قيمة الدينار العراقي, , وعلى أثرها صدرت قرارات بزيادة الرواتب بنسبة محددة سُميَّت غلاء المعيشة, وإستمر العمل بها طوال العهود التالية, وصدرت الدراسة في كتاب طبعته الحكومة العراقية. كما صدرت دراسات أُخرى من ضمنها كرَّاس لزكي خيري بعنوان (الإصلاح الزراعي المنشود في العراق) من منشورات الحزب الشيوعي العراقي. ودراسات أخرى لامجال لذكرها تفصيلاً..].
يقول الباحث هادي حسن عليوي (يبدو من تركيبة الوزارة الأولى أنها كانت شبه إئتلافية, مثَّلت مُعظم الأحزاب المشاركة في جبهة الإتحاد الوطني.. وعدد من الشخصيات الوطنية المعروفة, المُستقلّة..إضافة إلى مشاركة ثلاثة من تنظيمات الضبّاط الأحرار)- هادي حسن عليوي: بحث ماجستير عن ثورة 14تموز 1958-موقع كتابات- العسكريون الثلاثة هم عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف وعبد اللطيف الدرّاجي. (كما أُخذ بنظر الإعتبار مشاركة الأكراد في تلك الوزارة)0 المصدر نفسه. ويُضيف الباحث أن أغلب الشخصيات التي وردت أسماءها لا علم لهم ولم تؤخذ آرائهم وعلموا بإستيزارهم في الراديو صبيحة يوم 14تموز. ويُضيف الباحث أيضاً (ويبدوا أن علاقات عبد الكريم قاسم مع أطراف الحركة الوطنية, مكَّنته من تكوين فكرة عن تشكيلة الوزارة.) – المصدر نفسه- ويُضبف الباحث أن عبد الكريم قاسم أبلغ كمال عمر نظمي (ممثل الحزب الشيوعي العراقي في جبهة الإتحاد الوطني) يوم 10 تموز, قبل أربعة أيام من موعد الثورة, طالباً منه مساندة الشيوعيين أثناء الثورة وما بعدها.
( يذكر الدكتور فاضل حسين في كتابه: سقوط الحكم الملكي: يذكر عبد اللطيف الدراجي إن قائمة أسماء الوزارة الأولى كانت تضم فائق السامرائي (أحد قياديي حزب الإستقلال) وزيراً للداخلية, وكامل الجادرجي(رئيس الحزب الوطني الديمقراطي) وزيراً للإقتصاد.. وقد فوتحَ الأخير بذلك فعلاً في 11تموز 1958, لكنه إعتذر, فإقترح عبد اللطيف الدرّاجي ترشيح إبراهيم كبه بدلاً عنه.. كما دُعي العقيد الركن عبد اللطيف الدرّاجي لتولي منصب وزير الدفاع.. لكنه إعتذر مُفضِّلاً منصب آمر الكلية العسكرية.. فتولى عبد الكريم قاسم وزارة الدفاع.) – المصدر نفسه. وشغل عبد السلام عارف منصب وزير الداخلية, ونائب القائد العام للقوات المسلَّحة [ نائباً لعبد الكريم قاسم]. يُضيف الباحث هادي حسن عليوي (المُلاحظ على هذه الوزارة أنها لم تضع منهاجاً وزارياً أو برامج مُحددة عن سياستها.. لكنَّ ممثلي الأحزاب في الوزارة سعوا لوضع برامجهم السياسية ومبادئهم المُعلنة.. وما يترشّح عن إجتماعات مجلس الوزراء المستمر يومياً موضع التطبيق في العديد من المُنجزات..إلاّ أن الطريق كان مُعبداً بالمصاعب.. والمؤامرات.. والتدخلات الدولية.. التي ما إنفكّت حتى قضت على الثورة.) – المصدر نفسه- وقد نختلف مع رأي الباحث بعدم وجود منهاج أو برنامج للثورة, فالتشكيلة الوزارية الأولى ومابعدها يمكن تسميتها حكومة تكنوقراط, من خلال تخصصات الوزراء المدنيين, ورغم أن رئيس الوزاء هو الزعيم العسكري عبد الكريم قاسم إلاَّ أن المشاريع التي أنجزتها وزارته في جميع مراحلها؛ كانت تتركَّز حول الإقتصاد والإعمار والصناعة والزراعة والإصلاح الزراعي والطب والتعليم, والمُجتمع, وهي القوانين التي أحدثت نهضة كبرى, ولا يمكن التخطيط لهذه المشاريع وإنجازها بشكل إرتجالي. كانت الثورة تسير بإتجاة واحد هر التغيير الثوري, ولم يصدر أي قانون رجعي, أو يتعارض مع تطلعات الشعب العراقي في الحريَّة وتحسين أوضاعه المعيشية. على خلاف الحكومات التي جاءت في أعقاب سقوط حكومة الثورة.
ما كان الزعيم مُتطرفاً بأي شكل في أفكاره لا إلى اليمين ولا إلى اليسار؛ كان مؤمناً بالعراق وشعب العراق ومستقبل العراق, وقد تكون حياديته حاجزاً بينه وبين الخوض في التناقضات والقدرة على تفكيكها, فطروحته (أنا فوق الميول الإتجاهات) لاتنسجم مع طبيعة الصراع المُتفجِّر على أرض الواقع, وتلك من بين الأخطاء, في ظروف بالغة التعقيد.
كانت الظروف السياسية تُنبئ بما أبعد وأكثر حكمةً من الإنتماء الفطري والحس الشعبي. العراق لم يعُد رقعة جغرافية كما رُسمت في الأطلس المدرسي؛ أصبح جزءاً من اللعبة الدولية الكبرى, شاء أم أبى, فهو بلد النفط, هذا الشريان الذي يُغذِّي الصناعات العالمية, ويقع العراق بين الكتل الدولية المُتصارعة, حين إنقسم العالم إلى قطبين مُتصارعين, إن تسمية العالم الثالث ماهي إلاّ منطقة, إستثمارية, وحديقة خلفية تُدار فيها الصراعات الدولية. بالطبع ليس بإستطاعة مجموعة (الضبّاط الأحرار) فكّ ألغاز هذا الصراع, بحكم تخصصاتهم الحرفية, وليس بإستطاعة الأحزاب الوطنية الديمقراطية مواصلة الطريق, بحكم الموروث العثماني, والهيكلية الطبقية البرجوازية التي بُنيَت عليها.
دخل العراق فصل اللعبة السياسية الماكرة؛ هناك مَن يُجهِّز ويُخطط لفصول دموية قادمة. في ذلك الظرف ماعادت الحيادية موقفاً مطلوباً للمواجهة, وهكذا حُسبت هذه الحيادية كنقطة ضعف رئيسية, وثغرة في الوضع السياسي, إستثمرتها القوى المُعادية في تنفيذ هجمتها الشرسة, فوجد الزعيم نفسه وحيداً يواجه المؤامرة الكبرى.
رفض الجادرجي حتى المشورة, وبدلاً من ذلك طلب من الزعيم إبعاد العسكر عن سدّة الحكم. يمكن القول أن الزعيم كان مُحاصراً من الجميع, وقد تصاعدت المؤامرات بموازاة التفكك الداخلي المرسوم بدقَّة, شمل إستقالات البعثيين والقوميين منها عام 1959, والذين إصطفّوا فيما بعد في سلسلة المؤامرات التي سبقت إنقلاب شباط, وكان لقسم منهم الدور المباشر في الإنقلاب. إذا عُدنا إلى تأريخ تلك الأيام, وإن صحَّت الرواية, وحساب الوقائع وتحليلها بظروف زمن وقوعها والعوامل الداخلية والإقليمية والعالمية المُحيطة بها, ومن خلال روايات البعثيين والقوميين أنفسهم, والتي يُعدّونها بطولات, نرى حجم الكارثة التي يُعدُّ لها في الخفاء, في كل مكان, في الجيش والشرطة, في الشوارع والجامعات, فكل جهاز كان مُخترقاً, ومؤقتاً للتعطيل, أو التشغيل المُعاكس في اللحظة التي تُعلن فيها المؤامرة عن نفسها.
في الداخل لم تكن حكومة الزعيم عبد الكريم عسكريّة بالكامل, كانت تجمع العسكريين والمدنيين من ذوي الإختصاص ومنهم كامل الجادرجي نفسه, ورفيق حزبه محمد حديد وفيها من الأحزاب القومية والبعثية والشخصيات المُستقلّة, ويمكن الإطِّلاع على تفاصيل تركيبة الحكومة من جميع المصادر التي بحثت فيها.
يُفهم من موقف الجادرجي إبعاد عبد الكريم قاسم نفسه وشخصيات أخرى قريبةً منه.
هنا نتساءل بعيداً عن القفزات السريعة التي تحصل في التأريخ:
- كيف يمكن إبعاد العسكر من قيادة الدولة في ظروف عدم وجود مؤسسات دستورية تُنظِّم الحياة السياسية ومراكز الحكم ومجمل الحياة الإجتماعية, وبذلك يكون الدستور هو الركيزة الأساسية لأية خطوة إنتقالية من مرحلة (الثورة) إلى مرحلة (الدولة) المدنية, وهذه الإنتقالة كانت المهمّة التي أراد الزعيم إسنادها إلى كامل الجادرجي, بصفته السياسي الكبير وزعيم الحزب الوطني الديمقراطي , وصاحب الرأي السديد في القانون والسياسة, لكن الرجل إعتذر عن حمل المسؤولية الوطنية, وكان موقفه سلبياً وإصطفافاً مع جميع قوى الردة التي تضخَّمت ونشطت لتنفيذ جريمة 8 شباط 1963. كان ممكناً أن يحمل الجادرجي مسئولية هذه المهمّة الوطنية ويشكَّل لجنة من قيادات الأحزاب بمن فيهم قيادة حزبه وممثلين عن القوى السياسية والقومية العربية والكردية وغيرها, ويتم إعداد مسودة دستور تُطرح للإستفتاء العام, ومن خلال الدستور الجديد, تُحدد الفترة الإنتقالية, ومن خلال الدستور ينتقل العراق إلى دولة مدنية, لادور للعسكر فيها, ماعدا الدفاع والداخلية, وتُنظم عملية تداول السلطة عبر صناديق الإقتراع, بهذا الإنجاز يكون الحزب الوطني الديمقراطي قد حقق أهمّ الأهداف التي تطرحها أدبياتهِ وشعاراته, بل كانت الخطوة التأريخية لإنقاذ العراق من المؤامرات والمغامرات العسكرية التي تواصلت إلى يوم سقوط البعث في 9-4-2003.
نلاحظ أن الجادرجي إعتذر عن ثلاث تكليفات هي من إختصاصه ومسؤوليته الوطنية؛ الأولى عندما طُلب منه أن يشغل منصب رئيس وزراء يوم 11تموز 1958 كما مر آنفاً وكان في السجن [ملاحظة عن السجن في آخر المقال], ولو تشرَّف بهذه المسؤولية لما شغلها الزعيم عبد الكريم قاسم بنفسه, ولسار العراق منذ ذلك اليوم بالإتجاه المدني, وبالتوقيتات الدستورية في الحكم.
والثانية إعتذاره عن شغل وزارة الإقتصاد بعد الثورة, والثالثة إعتذاره عن إعداد مسودة الدستور الدائم.
(كان المؤَمَل من الوطنيين الديمقراطيين أن يضعوا كل ثقلهم وراء قاسم لإنجاح مشروعه الوطني الذي ناضل حزبهم من أجله سنوات طويلة... ولكن لم يَدُم هذا التعاون.. فبعد أسابيع من الثورة طرح التيار القومي العربي شعار الوحدة العربية الفورية لإرباك قيادتها كما وضحَ فيما بعد, وحصل الخلاف وإستقال الوزراء القوميون بشكل جماعي, وقام حسين جميل وزير الإرشاد[الإعلام] آنذاك بغلق صحيفة الحزب الشيوعي العراقي (إتحاد الشعب) لتوجيهها نقداً إلى الوزراء المستقيلين, هذا نموذج من ديمقراطية حسين جميل وهو رجل قانون وداعية ديمقراطي, ويُعتبر الشخص الثاني أو الثالث في الحزب الوطني الديمقراطي... أمر عبد الكريم قاسم بإعادة صدور الجريدة, وعندها إحتجَّ حسين جميل وإستقال من الوزارة لأنه إعتبر ذلك إهانةً لشخصه.) – عبد الخالق حسين – المصدر نفسه ص 38- وزيادةً في المواقف السلبية تجاه الثورة (أدانَ الجادرجي حزبه على تعاونهِ مع حكومة قاسم, وطالبه بالإنسحاب منها.. إختلف مع الجادرجي كلٌ من محمد حديد, وعرَّاك الزكم, ونائل سمحيري وغيرهم من قادة الحزب مما أدَّى إلى إنشقاقه وتشكيل (الحزب الوطني التقدمي) بقيادة محمد حديد, المُناصر لحكومة الثورة حتى النهاية... ولم يستطع التعاون مع كبار مساعدية في الحزب وفرض آرائه عليهم, فأدَّت سياستهِ إلى تمزّق الحزب وإستقال كبار أعضائه, وأُضطر بعد ذلك إلى حلِّه.) – مير بصري: أعلام السياسة في العراق – ص 223- عبد الخالق حسين- المصدر نفسه – ص 38-
هنا نبدي رأينا بإختصار على حالة الحزب الوطني الديمقراطي, فالمسألة لا تنحصر بحدود الخلافات الداخلية والمواقف المتناقضة, بل يمكن القول أن دور الحزب الوطني الديمقراطي إنتهى نظرياً وعملياً بعد ثورة 14تموز 1958 وذلك لصعود قوى جديدة أملتها شروط المرحلة وظروفها التأريخية.
كان الوطني الديمقراطي يحمل راية الإستقلال الوطني, ويطرح الشعارات التي تلتقي مع مواقف جميع الأحزاب الأخرى, اليسارية والقومية, ومع توجّهات الضباط الأحرار. ولم يكن الحزب الوطني الديمقراطي يملك, أو يضع في برنامجه تصوّرا بعيد المدى لما بعد الثورة, فأهداف الحزب الداخلية والخارجية تحققت في العامين الأول والثاني من الثورة, وتحوَّلت بوصلة التأريخ نحو آفاق جديدة, كانت الأحزاب الوطنية مُطالبة بتفسيرها وفهمها بمنظور التطوُّر الديالكتيكي للتأريخ..ولم يحصل ذلك.
الحزب الوطني الديمقراطي بصفته حزب الطبقة الوسطى, كان مُطالباً برسم فلسفة وسطية تحتوي التناقضات الداخلية, من خلال المشروع الدستوري والتنموي المستقبلي, بدلاً من الإكتفاء بالمشاركة الوزارية, والخلافات الحزبية الداخلية, والمواقف الشخصية من الثورة وزعيمها؛ خصوصاً وأن سنوات الثورة القليلة كانت مشحونةً بالمؤامرات والمشاريع الخارجية الرامية إلى إسقاطها.
فهل قرأ قادة الوطني الديمقراطي صورة العراق القادمة كما إتَّضحت في إنقلاب البعثيين في 8 شباط 1963؟. لايذكر التأريخ وقفة تحليلية للوضع العراقي, من قبل قادة هذا الحزب, وإحتفظ كامل الجادرجي, بالذكريات الوطنية الطيبة في سجن خمس نجوم قبل الثورة, وموقف سلبي منها على طول مسيرتها الصعبة. المعلوم أن الشخصيات السياسية في تلك الفترة, كانت في الغالب من وجهاء الطبقة البرجوازية, وأذكر هنا أني قرأت في بعض السيَّر الشخصية أن الرفيق فهد أخبر جعفر أبو التمن توجهه لتأسيس حزب من العمال والفلاحين والكسبة فكان رد جعفر(تريد حزب من شعيط ومعيط؟), كان ذلك مستوى الوعي السياسي, فالسياسة حق مشروع لأبناء الذوات من الطبقات العليا في المجتمع ولا يحق لأبناء العمال والفلاحين والفقراء دخول عالم السياسة, ولا حتى المطالبة بحقوقهم المشروعة إذا رُفعت كشعارات مطلبية, ولذلك إتجّهت جماهير الطبقات الفقيرة والعمال والفلاحين إلى إسناد مرشحي الأحزاب الوسطية, في الإنتخابات النيابية, لعام 1954 مثل الحزب الوطني الديمقراطي وحزب الإستقلال, والحركة الشعبية, إضافةً إلى الحزب الشيوعي العراقي, وهي الإنتخابات التي أنتجت فوز أحد عشر نائباً, من مجموع 135نائباً عدد أعضاء البرلمان ومن بين الفائزين كامل الجادرجي, وقد دخل النواب الأحد عشر تحت تحالف جبهة الإتحاد الوطني, فكانت النتائج معروفة, بإقدام نوري سعيد على حل البرلمان كشرط لتشكيل الوزارة, قائلاً أنه لايستطيع أن يعمل وفي البرلمان (11) نائباً من المعارضة, ويكفي وجود كامل الجادرجي وحده لتعطيل الحكومة. [النص منقول بتصرّف من حديث أحد الشخصيات في موقع المدى بتاريخ 23-1-2026] بالطبع كان الجادرجي وحزبه في عمر الشباب, في ظل التحالفات التي أهّلّته لهذا الدور.
لاتقتصر هذه الحالة على هذا الحزب وحده, فالقفزة التأريخية تمخَّضت عن ظروف جديدة, مُفاجئة؛ تهديم هياكل قديمة, في ظرف لم تتأسس فيها الهياكل البديلة. وقد تصبح أحزاب التنوير الكلاسيكية الوطنية, الديمقراطية, البرجوازية (أحزاب الأفندية) غير قادرة على التعايش في الظروف الجديدة. فلم تعد هذه الأحزاب قادرةً على مواجهة المعضلات الجديدة, ولا مواجهة الجماهير الشعبية, ولم تعد قادرة على تنظيم تضاهرة واحدة بعد الثورة, ولمن عرف تركيبة الحزب الوطني الديمقراطي, إعتماده على شريحة الموظفين ورجال الأعمال, وكان مطلوباُ إعادة النظر بهذه التركيبة الطبقية الجامدة, وطرح الأسئلة التأريخية الضرورية عن الدور المرحلي للحزب, وماهي النظرية التي يستند عليها؟ أو على الأقل ماهي الخطط الستراتيجية التي تتطلبها تلك المرحلة؟.
إن قرار حلّ الحزب كان مُناسباً وطبيعياً لأنه أصبحَ طافياً على سطح الأحداث, وفي حالة إنعدام الوزن. وحتى لو بقي على قيد الحياة, وهو كذلك الآن, فلا يعدو أكثر من رمز في مُتحف النماذج الشمعية للتأريخ العراقي الحديث.
بعد اليوم الأول للثورة برزت القوى الطبقية الجديدة, ظهرت مُنقسمةً إلى إتجاهين؛ يساري شيوعي يسعى إلى تحقيق العدالة الإجتماعية والتنمية ورفع قيمة الإنسان؛ وآخر قومي, يريد تحقيق الوحدة العربية فورياً وبلا قراءة لخصائص البلدان العربية, وظروفها الإقتصادية, والسياسية؛ وقد أثبت الواقع على مدى نصف قرن فشل هذا المنهج القومي, وأعقب ذلك إضمحلال قوى قومية وإسلامية كانت فاعلةً في سلسلة الإنقلابات الدموية التي حصلت في العراق.
إن المستفيد الأكبر من الإنقلاب الثوري الذي حصل في تموز 1958, ومن خلال القوانين التقدمية التي طرحها, هو الشعب الفقير, وقواه من العمال والفلاّحين والكسبة, والمثقفين والطلبة والشباب, إضافةً إلى الإنجازات في المجالين العربي والعالمي. وكان ممكناً للحزب الوطني الديمقراطي أن يواصل عمله في الظروف الثورية, وإجراء تحسينات على برامجه القديمة, بعقد مؤتمرات, تضع مستقبل العراق في صُلب محاورها؛ أن يطرح فلسفة جديدة وتبنّي آيديولوجية جديدة, فهو حزب يتوسط الطبقات الإجتماعية, والفئات المُثقّفة, ورجال القانون, في الواقع هو حزب النخبة, لاحزب الطبقات الشعبية, بجذورها الفلاّحية والعمالية والبرجوازية الصغيرة؛ المهووسة بالشعارت العاطفية المثالية والقفزات غير محسوبة العواقب.
إن واقع العراق الذي تكشَّف بعد الثورة, واجه ثلاث معضلات, تراكمية, مُزمنة, من الصعوبة حلّها جذرياً بالشعارات فقط, وهي؛ الفقر والجهل والمرض, ولم تكن مكافحة هذا الثلاثي المُدمِّر, بالوحدة الفورية مع الجمهورية العربية المُتّحدة (مصر سوريا) بل بوضع ثروات العراق بيد الشعب وإحداث تنمية شاملة, وقد شرعت حكومة الثورة بهذا المشروع, فواجهت العداء من قبل الأطراف القومية والدينية وبقايا الحكم الملكي.
إن تركيبة الحزب الوطني الديمقراطي, الطبقية, لاتؤهله لمثل هذا الدور, فالديمقراطية التي بشَّر بها إقتصرت على مشاركات أفراد في وزارات, وكانت الإستقالات في صفوفه, ظاهرة طبيعية سبقت الإنسحاب من الساحة السياسية, والإختفاء عن مشهد الأحداث في الخمسين سنة التي أعقبت ثورة 14 تموز 1958. ويظهر أن الجادرجي أدَّى الدورين التأريخيين؛ دور تأسيس الحزب الوطني الديمقراطي, ودور إنهاء هذا الحزب.
إنها الفرصَّة التي أضاعها الجادرجي بموقفه, غير المسؤول, عن مستقبل العراق, وهناك عوامل أخرى تُضاف لهذه الزلّة السياسية, ساهمت في إجهاض ثورة 14تموز عام 1958, وساهمت في تعميق أزمة الوضع العراقي عشيَّة الإنقلاب الأسود في 8 شباط 1963.
[ المعلومة عن سجن كامل الجادرجي ذكرتها السيدة بلقيس شرارة, زوجة المهندس المعماري رفعة الجادرجي, في حوارمُتلفز, أن الجادرجي كان يُعامل بإحترام, فقد خُصص له خادم يُلبي له إحتياجه اليومية من الأهل, وخصصوا له يومين في الأسبوع لإستقبال الزائرين؛ يوم للأهل والأقارب, ويوم للأصدقاء والشخصيات السياسية..]. وهي الفترة التي عرضوا عليه رئاسة الوزراء بعد الثورة. ولابد لكل عراقي يستذكر تلك الفترة أن يُقارن بين ظروف سجن الجادرجي وبين المشانق التي نُصبت في بغداد للشيوعيين.
#الخليل_علاء_الطائي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟