الخليل علاء الطائي
الحوار المتمدن-العدد: 8843 - 2026 / 9 / 29 - 02:19
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
شاهد العالم أجمع وسمعَ خطاب الملك, وأذهل الجميع بالحركات التمثيلية المطلوبة لينال إعجاب الحاضرين وردّوا عليه بالتصفيق, لأنه ركَّز خطابه على القضية الشاغلة للجميع وهي القضية الفلسطينية, ولأنها أكثر القضايا مدعاةً للمزايدة في الخطابات الفارغة في نفس الوقت, وهو يعلم أن الكلام فيها على المنابر العالمية له صداه على الفلسطينيين والأردنيين فقط, وقد حقق جلالته الهدف من الظهور المسرحي في الحركات والإشارات وضبط الكلمات, فظهرت علامات الإعجاب على وجوه وأقلام بعض الكتّاب الفلسطينيين والأردنيين.
وكم من حاكمٍ عربيٍ تاجر وزايد بهذه القضية, ومكث في السلطة عقوداً من أجل (القضية المركزية فلسطين) أمّا في التطبيق العملي فالجميع مُنافقون, وعلى رأسهم الملك. فعلاقات الملك بالصهيونية تفوق الصهاينة في الممارسات والمشاريع, فحدود بلاده مفتوحة للتجارة والنقل مع الكيان الصهيوني.
إبتدأ خطابه بالكلام عن ضعف (الإنتباه) لدى الجيل الحالي ويقصد من الحكّام حول القضايا المصيرية, وإستند في معلومته على تراجع الإستجابة للمعلومات, وإنخفاض نسب المشاهدات للشاشة, وذكر نسبة التراجع, وكأنه يتحدث أمام طلاّب جامعة تكنولوجية, وأشار إلى الحروب التي تُشغل المنطقة كالسودان واليمن, وحرب (إيران) ومشاكل الإقتصاد والطاقة والبيئة, وهي الموضوعات التي سيكررها الجميع بإستثناء القلَّة منهم, الذين لهم مشاكل حقيقية يبحثون عن مواقف وحلول فيها, كالرئيس الإيراني. وذكَّر جلالته سادة العالم بضرورة (الإنتباه) إلى حل مشاكل العالم, وكأنهم غفلوا عن تلك المشاكل! ويُضيف حان الوقت لحلّها, ولم يتطرَّق إلى الحلول.
ثمَّ إنتقل إلى المحوَر الرئيس في الخطاب, وهو فلسطين, والتوسع الإسرائيلي في المستوطنات والضفَّة الغربية..
تكلمَّ الملك عن الدمار الذي فعلته إسرائيل بغزَّة, وحاجة أطفالها للغذاء والدواء, وهو لم يُقدم على أبسط عمل لمساعدة هؤلاء السكّان المدنيين, ولم يتجرأ حتى على الإدانة اللفظية لتلك الجرائم, على العكس من ذلك جعل بلده الأردن وسادةً لإسرائيل حاملاً إرث أبيه في هذا الدور, فأصبح الأردن القاعدة الأخيرة للقواعد الأمريكية لحماية إسرائيل وضرب إيران.
أثبت الملك بذكائه أن لا يتطرّق إلى (إعتداءات إيران على بلده المُسالم وإستهداف المدنيين), كما يجري على لسان ملوك وأُمراء الخليج, بينما ضربت إيران قواعد أمريكا في الأردن, بشكل مُركَّز ومتكرر حتى كبّدت الأمريكان خسائر فادحة في الأرواح والمُعدات, وأخرجت القواعد من الخدمة, وبعد إحدى الضربات الإيرانية, عقَّب ترامب قائلاً ( تركنا قواعدنا بعهدة شخص فاشل وأبوه فاشل), والمقصود الملك وإبنه.
لماذا لم يتطرَّق الملك لهذه الوقائع؟ لأنه يعلم أن بلاده تحت الوصاية الأمريكية الصهيونية, ولا يستطيع الإعتراض على أي طلب أمريكي, وكل طلب أمريكي, يلبي الطلب الإسرائيلي ويسير مع المُخطط الصهيوني. وإن القواعد الأمريكية في الأردن وضعت لحماية إسرائيل, وقام الجيش الأردني في الجولات السابقة بإعتراض الصواريخ الإيرانية المُوَّجهة نحو إسرائيل, وكانت شظاياها تسقط على رؤوس المدنيين الأردنيين, وتلك الوقائع وثَّقتها إعترافات الأسرائليين والأردنيين.
فقد وضع الملك بلاده في موضع البلد المُعادي لمحور المقاومة ولإيران. وكرر الحديث عن تمدد إسرائيل في جنوب سوريا, وخطورة هذا التمدد على الأردن في التحكّم بمصادر المياه, وتطرَّق إلى سعي إسرائيل لضم الضفَّة الغربية, وخطورة هذا الموضوع أشبه بخطورة مصادر المياه, فضمّ الضفّة معناه تهجير الفلسطينيين إلى الأردن, وقال أنّه يعتبر هذا التمدد الإسرائليي مسألة وجود!, نعم مسألة وجود ولكن ما العمل والزحف الإسرائيلي متواصل برعاية أمريكية؟.
يعلم الملك أنّه إذا أُمِرَ بالقرار فعليه أن يمتثل وإلاّ..
أشار الملك إلى هذه الأخطار, وكأنها حوادث عرضية, وتناولها من زاوية الترحّم على الفسطينيين ومُعاناتهم. وأغفل الحديث عن المشاريع الصهيونية الكبرى؛ مسألة الشرق الأوسط الجديد؛ الخرائط التي عرضها نتنياهو من قبل في الأمم المُتّحدة, والمزاعم التوراتية التي تحذف الأردن من الخريطة والأرض. جعل الملك بلاده ممراً لتنفيذ المشاريع الصهيونية كمشروع طريق الهند الإمارات حيفا الذي يخترق الأردن بعد السعودية؛ والعمل يجري على قدمٍ وساق لمحو فلسطين من عقول العرب بعدما شُطبت من الخرائط؛ كلام الصهاينة عن إسرائيل الكبرى حيث سيختفي الأردن أولاً. توصَّل الملك إلى أن الوقت حانَ لإيجاد الحلول, لأن الإجراءات الدولية ضد إسرائيل تبقى حبر على ورق ولايمكن تنفيذها, ولكنه لم يُشِر إلى الموقف الأمريكي الداعم لإسرائيل في المحافل الدولية وتعطيل أية مشاريع تُقدّم لإدانتها, أو رفض جرائمها, في نفس الوقت لم يتطرّق إلى المواقف الشعبية العارمة في العواصم الأوربية وحتى في أمريكا, التي ساندت الشعب الفلسطيني وإستنكرت جرائم المُحتلين في غزّة. يقول طريق الدبلوماسية هو الممكن بالنسبة للأردن, ولكن يجب ألاّ يُفسَّر ذلك على أنه ضعف, فالحلول العسكرية لن تحل مشاكل الشعوب, ومغزى الكلام يخص الدول العربية في مواجهة إسرائيل, أي أن تسود لغة الحوار والدبلوماسية في العلاقات الدولية, وهذا شرط يجب أن يُطبَّق على الجميع, بما فيهم إسرائيل في جرائمها ضد المدنيين الفلسطينيين واللبنانيين والتمدد المستمر في أراضي البلدان المُجاورة لها.
لم يتجرأ جلالته للقول أن يكون الحوار ولغة الدبلوماسية مُطبَّقاً على حرب أمريكا ضد إيران, وفي ظل التهديد المتواصل من قِبل الرئيس ترامب, بالتدمير وإزالة الدوَل ومحو الحضارات.
كان المفروض بجلالته أن يخطو خطوة واحدة تُثبت صدق نواياه بالخطاب كأن يُعلن تجميد التطبيع, أو تقليص الوجود الدبلوماسي للكيان الصهيوني في المملكة.
بإستطاعة الملك ان يُشير إلى إمكانية نقل القواعد الأمريكية من الأردن إلى خارجها, فالأردن تحت الصواريخ الإيرانية, وقد لاحظ الملك كيف نالت تلك القواعد حصتها من التدمير الشامل. فبلاده الآن مكشوفة ولن تحميه إسرائيل ولا أمريكا. هناك نقطة هامَّة في موضوع القواعد, وهي أنَّ الملك يعلم أنها فُرِضت عليه, وهو مُطالب بحمايتها, بإتفاقات مُذلَّة للشعب الأردني, ولكنه لم يُقدِّر الفراغ الذي ستُخلفه هذه القواعد في حال إنسحابها بالكامل, وأثبتت المعارك الأخيرة أنَّ إيران دمَّرت أهمَّها وعطّلتها, وإن الإنسحاب الأمريكي من الشرق الأوسط يجري الآن بخطوات مدروسة, فالقواعد الثابتة أصبحت عديمة الجدوى من الناحية العسكرية, وغدت أهدافاً مكشوفة, وبقاءها في المنطقة يُكلِّف الولايات المتّحدة خسائر في الأرواح والمُعدات والأموال, وسيُنقل الضروري منها إلى إسرائيل. وإذا تحرر الأردن من عبء الوجود الأمريكي, فالفضل يرجع لجمهورية إيران الإسلامية, وكان الأحرى بالملك أن يُثني على الموقف الإيراني ويُقدِّم الشكر لإيران لمواقفها العملية من القضايا المصيرية في فلسطين ولبنان وغزّة, وهي مواقف عمليَّة تكبَّدت فيها جمهورية إيران الإسلامية كل أنواع الحصار والتدمير والإغتيالات وقصف المدارس وبيوت المدنيين, كما تفعل إسرائيل في غزَّة ولبنان.
لايمكن لا الآن ولا في أي وقتٍ آخر ان يتصرف حاكم عربي ويواجه إسرائيل بموقف عملي واحد لنصرة قضية فلسطين. إسرائيل الآن تهتز أمام صلابة الموقف الإيراني. كما أغفل الملك تنامي التكتلات الدولية الخارجة عن الطوق الأمريكي, وسلطة الدولار, وكأنه لم يُتابعها أو يسمع بها, ومنها مجموعة بريكس التي تضم في برنامجها العديد من الدول العربية والإسلامية, ولهذه المجموعة مواقف مُشرِّفة لنصرة فلسطين وإستنكار لغة الحرب الأمريكية, فضلاً عن المشاريع الإقتصادية العالمية التي تُساعد الدول الواقعة ضمن مساراتها على تطوير قدراتها في النقل والمواصلات والمشاريع الإنتاجية والتعاملات النقدية الخاصَّة ببلدانها, وتحريرها من نفوذ القطبية الأحادية, التي غدت الآن من مخلفات الحرب العالمية الثانية. عالم اليوم لم يبقَ أسيراً لتلك القطبية, الصورة التقليدية للإستعمار مازلت لم تتغيَّر, على الرغم من المظاهر الديمقراطية الشائعة في أمريكا ودول أوربا الغربية. فالمصالح والبحث عن الثروات وراء إشعال الفِتن والصراعات وإحتلال الدوَل وإقامة القواعد العسكرية.
كان حديث الملك رومانسياً عن الفسطينيين وحقوقهم, والكلام مسموع من زمان, وما جدوى الخطاب إذا لم يقدر الملك على الإحتجاج على إسرائيل إذا عجزَ عن غلق سفارتها.
مع ذلك تبقى إشارة الملك, إلى تدنّي مستويات الإنتباه للمشاكل العالمية, هامّة وتُحسب له, وإلاّ كيف نُفسِّر إغفال جميع المُتحدثين عن الإشارة إلى الفعل البلطجي الذي أقدم عليه ترامب في فنزويلا وخطف رئيسها, وتغيير نظامها السياسي, والإستحواذ على ثرواتها.
#الخليل_علاء_الطائي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟