|
|
المادية الجدلية واغتيال الديالكتيك بحتميتها
كمال غبريال
كاتب سياسي وروائي
(Kamal Ghobrial)
الحوار المتمدن-العدد: 8851 - 2026 / 10 / 7 - 22:09
المحور:
قضايا ثقافية
هل يمكن أن يكون الديالكتيك حتميًا؟ — قراءة في هيجل وماركس وبوبر
الأطروحة المركزية
ليست المشكلة الفلسفية في الديالكتيك أنه يفترض وجود ضرورة؛ فالديالكتيك الهيجلي نفسه يبحث عن الضرورة الكامنة في حركة التناقض. المشكلة تبدأ عندما تتحول ضرورة الحركة إلى حتمية النتيجة، وحين يُستنتج من أن التاريخ يتحرك عبر تناقضات وبنى محددة أن وجهته النهائية معلومة سلفًا.
عند هذه النقطة ينتقل الديالكتيك من منطق يفسر نشوء الجديد إلى ميتافيزيقا تغلق إمكان الجديد؛ ومن تحليل لشروط التحول إلى نبوءة بشأن ما يجب أن يحدث.
لذلك فالسؤال الحاسم ليس: هل يوجد تناقض في التاريخ؟ ولا: هل تؤثر الشروط المادية في مساره؟ ولا حتى: هل يمكن اكتشاف اتجاهات وأنماط تاريخية؟
كل هذه أسئلة مشروعة.
السؤال الأصعب هو:
هل يسمح وجود قوانين أو تناقضات تاريخية بالانتقال منطقيًا من «التاريخ يتحرك في اتجاهات معينة» إلى «التاريخ لا بد أن ينتهي إلى نتيجة معينة»؟
هنا تحديدًا تبدأ مشكلة المادية الجدلية.
أولًا: الديالكتيك ليس مرادفًا للحتمية
من الخطأ وضع الديالكتيك والحتمية في طرفي نقيض، وكأن أي حديث عن الضرورة يقتل الديالكتيك.
فالديالكتيك الهيجلي لا يقوم على الفوضى، ولا يرى التحولات مجرد أحداث عشوائية بلا بنية. هناك عند هيجل ضرورة داخلية: الأشياء لا تتغير اعتباطًا، بل تكشف صورها المحدودة عن تناقضاتها، بما يدفعها إلى تجاوز ذاتها.
إذن يمكن أن توجد ضرورة داخل الجدل.
لكن ينبغي التمييز بين:
ضرورة الحركة، وحتمية النهاية.
قد تجعل التناقضات وضعًا معينًا غير قابل للاستمرار في صورته الراهنة، لكن ذلك لا يعني أن هناك نتيجة واحدة فقط يمكن أن يولدها انهياره.
ومن هنا:
أن تقول إن التناقض يفرض التغيير شيء، وأن تقول إن التناقض يضمن نتيجة بعينها شيء آخر.
الأول يمكن أن يكون ديالكتيكًا؛ أما الثاني فيحتاج إلى برهان إضافي لا يوفره مجرد وجود التناقض.
ثانيًا: هيجل — ضرورة التحول لا «جدول مواعيد» للتاريخ
لا يمكن فهم ماركس دون العودة إلى هيجل.
والديالكتيك الهيجلي ليس، كما شاع في بعض الشروحات المدرسية، مجرد:
أطروحة ⬅ نقيض ⬅ تركيب.
هذه الصيغة تبسيط مخل لفلسفة هيجل. فالجدل عنده يتعلق بالحركة الداخلية للمفاهيم والوعي والوجود والتاريخ، وبكيفية كشف كل صورة محددة عن حدودها وتناقضاتها، بما يدفعها إلى تجاوز ذاتها.
لكن لا ينبغي تحويل هيجل إلى عرّاف للتاريخ.
صحيح أنه رأى في التاريخ مسارًا عقلانيًا وربطه بتطور الحرية والوعي، لكن هذا لا يعني أنه قدم معادلة يستطيع المؤرخ بواسطتها حساب المستقبل كما يحسب الفيزيائي حركة جسم.
وهنا يجب التمييز بين قولين:
* التاريخ ليس بلا عقل أو بنية. * نحن نعرف سلفًا النتيجة التي لا يستطيع التاريخ تجنبها.
الأول موقف فلسفي حول عقلانية التاريخ؛ أما الثاني فهو ادعاء معرفي أقوى بكثير.
وهذه المسافة هي التي ستصبح حاسمة في الانتقال من هيجل إلى الماركسية.
ثالثًا: ماركس — من ضرورة التناقض إلى قانون حركة التاريخ
أراد ماركس نقل الديالكتيك من عالم الفكرة المجردة إلى عالم الحياة المادية: العمل، والإنتاج، والملكية، وعلاقات الطبقات، والبنية الاقتصادية والصراع الاجتماعي.
وكان هذا تحولًا بالغ الأهمية في تاريخ الفكر الاجتماعي.
لكن الخطر يظهر عندما يتحول الديالكتيك من أداة لفهم تناقضات المجتمع إلى تصور لـ قانون حتمي لحركة التاريخ.
ليست المشكلة في القول إن الرأسمالية تحتوي تناقضات. يمكن بالفعل تحليل الرأسمالية من خلال صراعات المصالح والأزمات والتفاوت وعلاقة رأس المال بالعمل.
المشكلة تبدأ عند الانتقال من: الرأسمالية تحتوي تناقضات قد تقود إلى تحولات عميقة. إلى: هذه التناقضات تجعل الانتقال إلى الاشتراكية نتيجة تاريخية ضرورية. هنا تتحول كلمة «قد» إلى «لا بد». وهنا تبدأ الحتمية.
رابعًا: من تفسير التاريخ إلى التنبؤ بنهايته
يمكن لنظرية تاريخية أن تكون تفسيرية دون أن تكون نبوئية.
يمكن القول إن الظروف الاقتصادية تؤثر في السياسة، وإن المصالح الطبقية تؤثر في الصراع الاجتماعي، وإن الأزمات الاقتصادية قد تنتج اضطرابات وتحولات سياسية.
لكن القول إن هذه العمليات لا يمكن إلا أن تنتهي إلى الاشتراكية يتطلب أكثر بكثير من إثبات وجود التناقضات.
فوجود التناقض لا يحدد وحده نتيجة التناقض.
الصراع الطبقي قد يقود إلى ثورة، أو إصلاح، أو تسوية، أو قمع، أو انهيار، أو إلى نظام جديد لا يشبه تمامًا أيًا من طرفي الصراع.
لذلك: التناقض مولد للإمكان، وليس بالضرورة ضامنًا للنتيجة.
وهذه ربما هي الجملة الأكثر اختصارًا للمشكلة كلها.
خامسًا: مفارقة النتيجة المقررة — إذا كانت محسومة، فما معنى الصراع؟
إذا كانت الاشتراكية نتيجة حتمية، فما الذي يعنيه الصراع من أجلها؟
إذا كان التاريخ سيصل إليها مهما فعل البشر، فإن الثوري لا يصنع المستقبل بالمعنى الكامل؛ إنه يساعد على تنفيذ شيء كان التاريخ سيحققه على أي حال.
أما إذا كان الفعل البشري هو الذي يحدد النتيجة، فإن المستقبل يصبح متعدد المسارات، وبالتالي لا تعود النتيجة مقررة بالمعنى الصارم.
نحن أمام مفترق فلسفي:
إما أن يكون الإنسان فاعلًا تاريخيًا حقيقيًا، وإما أن يكون التاريخ هو الفاعل الحقيقي والإنسان أداته.
يمكن بالطبع القول إن الإنسان يعمل داخل شروط لم يخترها، وهذا صحيح. لكن وجود الشروط لا يعني وجود نتيجة واحدة.
فالإنسان لا يصنع التاريخ في فراغ، لكنه أيضًا لا ينفذ نصًا كتبه التاريخ مسبقًا.
سادسًا: هل يمكن أن يكون الصراع حقيقيًا إذا كانت نتيجته معروفة مسبقًا؟
لنفرض وجود قوتين اجتماعيتين متعارضتين. إذا كانت نتيجة العلاقة بينهما قابلة لتغيرات متعددة، فإن الصراع حقيقي؛ لأن أفعال الطرفين تؤثر في مساره.
أما إذا كان هناك قانون يقول إن الصراع لا بد أن ينتهي إلى النتيجة «س»، فإن تعدد الاحتمالات يصبح شكليًا. يمكن أن يطول الصراع ويتعقد ويمر بمراحل مختلفة، لكن المسار النهائي مقرر.
عندها يصبح التاريخ شبيهًا بمسرحية نعرف خاتمتها، وإن كنا لا نعرف تفاصيل المشاهد.
لكن الإنسان ليس جسيمًا صامتًا يتحرك داخل معادلة. إنه يعرف، ويفسر ما يعرفه، ويغير سلوكه بناء على تفسيره، ثم يغير الواقع، فينتج الواقع الجديد معرفة جديدة.
فتنشأ دائرة انعكاسية:
المعرفة ⬅ الفعل ⬅ تغيير الواقع ⬅ معرفة جديدة ⬅ فعل جديد.
ولهذا يصعب اختزال التاريخ إلى معادلة مغلقة.
بل يمكن للإنسان أن يسمع نبوءة عن المستقبل فيعمل على إفشالها؛ فالنبوءة نفسها تصبح عندئذ جزءًا من التاريخ الذي تحاول التنبؤ به.
وهنا تظهر المفارقة:
إذا كانت النتيجة مقررة سلفًا، فالفعل البشري لا يخلقها؛ وإذا كان الفعل البشري قادرًا على تغييرها، فإنها لم تكن حتمية أصلًا.
سابعًا: كارل بوبر — المشكلة في ادعاء معرفة مستقبل التاريخ
هنا تأتي أهمية كارل بوبر.
وجه بوبر نقده لما سماه التاريخانية: الاعتقاد بأن اكتشاف قوانين أو اتجاهات التاريخ يسمح بتحديد مستقبله على نحو يشبه التنبؤ العلمي بالظواهر الطبيعية.
لكن أهمية اعتراضه لا تكمن فقط في فشل بعض التنبؤات الماركسية، بل في سؤال أعمق:
هل يمكن أصلًا معرفة المستقبل التاريخي بطريقة حتمية؟
المشكلة أن المعرفة الإنسانية نفسها تدخل في صناعة المستقبل.
فالإنسان لا يعرف اليوم بالضرورة ما سيعرفه غدًا، لكن ما سيعرفه غدًا قد يغير التكنولوجيا والاقتصاد والسياسة والمؤسسات.
إذن جزء من المستقبل يعتمد على معرفة لم توجد بعد.
وهذا يجعل التاريخ مختلفًا عن نظام مغلق يمكن معرفة جميع متغيراته مسبقًا.
ثامنًا: بوبر لا يحتاج إلى القول إن التاريخ فوضى
لا يتطلب نقد بوبر القول إن التاريخ بلا أسباب أو بلا أنماط.
يمكن أن توجد اتجاهات تاريخية، ويمكن اكتشاف علاقات سببية، ويمكن للعلوم الاجتماعية أن تقدم تفسيرات مهمة.
لكن هناك قفزة بين:
«هذه العوامل تجعل حدثًا أكثر احتمالًا.»
و: «هذه العوامل تجعل الحدث ضروريًا.»
وهذه القفزة هي موضع الاعتراض.
فالاحتمال ليس حتمية.
والاتجاه ليس مصيرًا.
والنمط ليس قانونًا يحدد النهاية.
تاسعًا: مشكلة القابلية للخطأ — متى يسمح الديالكتيك للواقع بأن يهزمه؟
هنا تتقاطع الحتمية التاريخية مع فلسفة بوبر في العلم.
النظرية القوية ليست فقط التي تستطيع تفسير الوقائع بعد وقوعها، بل التي تسمح للواقع بإمكان أن يقول لها:
أنت مخطئ.
وهنا يظهر السؤال الحاسم:
ما الواقعة التي كان يمكن أن تجعل النظرية الحتمية تعترف بأن توقعها الأساسي خاطئ؟
إذا أمكن تفسير كل نتيجة غير متوقعة باعتبارها «مرحلة انتقالية»، أو «انحرافًا مؤقتًا»، أو «تدخلًا خارجيًا»، أو «عدم نضج للشروط»، تصبح النظرية قادرة على استيعاب كل شيء تقريبًا.
وهنا تكمن خطورة الدوجما:
النظرية التي لا يستطيع الواقع تكذيبها بسهولة قد تتحول من تفسير للواقع إلى آلية لحماية نفسها منه.
عندها لا يعود الديالكتيك أداة لنقد النظرية من خلال الواقع، بل أداة لإعادة تفسير الواقع بما يحفظ النظرية.
عاشرًا: هل أخطأ ماركس؟
ينبغي هنا تجنب التبسيط.
ليس من الدقة اختزال ماركس كله في صورة «الحتمي الميكانيكي»، كما أن هناك فرقًا بين نصوص ماركس نفسها وبين الصيغ التي اتخذتها الماركسية لاحقًا.
لكن التمييز ضروري بين:
ماركس بوصفه محللًا للرأسمالية والمجتمع الحديث،
و: الماركسية بوصفها نظرية حتمية لمسار التاريخ.
قد يبقى تحليل ماركس للرأسمالية موضوعًا خصبًا للنقاش حتى إذا رفضنا تصورًا حتميًا لنهاية التاريخ.
المشكلة إذن ليست في اكتشاف التناقضات الاجتماعية، بل في تحويلها إلى ضمانة ميتافيزيقية لنتيجة تاريخية محددة.
الحادي عشر: ماركس وهيجل — أين حدث التحول؟
هيجل رأى في التناقض قوة داخلية تدفع الفكر والوجود إلى تجاوز صور معينة.
وماركس أخذ فكرة الحركة والتناقض ووضعها في إطار مادي واجتماعي واقتصادي.
لكن عندما أصبح التناقض جزءًا من «قوانين حركة التاريخ»، نشأ خطر جديد:
تحولت ضرورة الحركة إلى ضرورة النهاية.
ليس الاعتراض إذن أن نقول:
«هيجل ديالكتيكي، وماركس حتمي.»
بل أن نسأل: كيف انتقلنا من فكرة أن التناقض يفرض تجاوزًا إلى فكرة أن هذا التجاوز له نتيجة تاريخية واحدة لا يمكن تجنبها؟
فبين: «هذا النظام يحتوي شروط تجاوزه»
و: «هذا النظام لا بد أن يُستبدل بنظام محدد بعينه»
مسافة منطقية هائلة.
الثاني عشر: حين يتحول الديالكتيك إلى دوجما
الديالكتيك يفترض النقد المستمر.
لكن إذا قرر مسبقًا أن التاريخ يتجه إلى نتيجة محددة، يصبح عليه أن يعيد تفسير كل واقعة بما يحافظ على هذه النتيجة.
وهكذا يحدث التحول:
من أداة لفحص الواقع إلى أداة لحماية النظرية من الواقع.
في البداية تقول النظرية:
دعونا نفهم الواقع من خلال تناقضاته.
ثم تصبح:
دعونا نفسر الواقع بطريقة تؤكد ما نعرف أنه لا بد أن يحدث.
وهنا يبدأ الديالكتيك في التناقض مع نفسه.
لقد نشأ بوصفه تفكيرًا في الحركة، ثم انتهى — في صيغته الحتمية — إلى إغلاق المستقبل.
الثالث عشر: عندما يصبح التاريخ محكمة
إذا كانت الاشتراكية هي النتيجة الحتمية للتاريخ، فإن معارضتها لا تعود مجرد موقف سياسي قابل للنقاش.
المعارض يصبح «رجعيًا»، والناقد «معاديًا للتقدم»، والفشل «انحرافًا مؤقتًا».
وهنا يتحول السؤال من: هل هذه السياسة ناجحة؟
إلى: هل أنت مع اتجاه التاريخ أم ضده؟
وهذا يشبه، من حيث البنية المنطقية، تحويل موقف بشري قابل للنقاش إلى معيار مطلق لا يقبل المراجعة: يصبح «التاريخ» مصدرًا للحكم بدل أن يكون موضوعًا للتحليل.
وبمجرد أن يدعي أحد امتلاك معرفة «إرادة التاريخ»، يمكن أن يتحول الخلاف السياسي إلى محاكمة فكرية وأخلاقية.
وهنا تنتقل الفلسفة من تفسير الواقع إلى شرعنة موقف سياسي باسم ضرورة تاريخية مزعومة.
الرابع عشر: هل يمكن إنقاذ الديالكتيك؟
نعم، ولكن بثمن فلسفي واضح:
التخلي عن حتمية النهاية.
يمكن الاحتفاظ بفكرة أن التناقضات تولد توترات، وأن التوترات تدفع إلى التحول، وأن كل نظام اجتماعي يحمل في داخله شروطًا يمكن أن تؤدي إلى تجاوزه.
لكن لا ينبغي الانتقال من ذلك إلى تحديد المستقبل مسبقًا.
يمكن عندئذ إعادة تعريف الديالكتيك بوصفه:
منهجًا لفهم كيف يولد الجديد من توترات القديم، لا علمًا يحدد مسبقًا ماهية الجديد.
وهذا لا يضعف الديالكتيك، بل قد يعيده إلى وظيفته النقدية.
فالإنسان يعمل داخل شروط موضوعية، لكنه يختار بينها، ويخطئ، ويتعلم، ويبتكر، وتحدث نتائج لم تكن مقصودة.
وهكذا يصبح التاريخ مجالًا للقيود والإمكانات معًا، لا مسارًا مكتوب النهاية.
الخاتمة: اغتيال الديالكتيك
يمكن الآن العودة إلى السؤال الأول:
هل يمكن أن يكون الديالكتيك حتميًا؟
الجواب الأدق هو:
يمكن أن يتضمن الديالكتيك ضرورة في حركة التناقض، لكنه لا يستطيع، من مجرد وجود هذه الضرورة، أن يستنتج حتمية النتيجة التاريخية النهائية.
وهنا يقع الخطأ الفلسفي الجوهري في المادية الجدلية حين تتخذ شكلًا حتميًا.
لم يكن الخطأ فقط في أنها توقعت نهاية معينة للتاريخ ثم جاء الواقع بمسارات أكثر تعقيدًا؛ فالخطأ الأعمق سبق ذلك.
لقد حدث عندما انتقلت من:
ضرورة التحول ⬅ حتمية البديل.
ومن: التناقض يولد إمكانًا جديدًا ⬅ التناقض يضمن نتيجة محددة.
ومن: نحن نحلل التاريخ ⬅ نحن نعرف وجهة التاريخ.
وهنا يتحول الديالكتيك من منهج نقدي إلى عقيدة مغلقة؛ ومن أداة لفهم الواقع إلى أداة لتفسير كل واقع بما يحمي النظرية.
ومن هنا يمكن إطلاق الحكم الأكثر حدة:
لم يكن موت المادية الجدلية في أنها أخطأت في معرفة نهاية التاريخ؛ بل في أنها اعتقدت أن للتاريخ نهاية يمكن معرفتها بوصفها ضرورة.
فالديالكتيك الذي يرفض إمكان النتيجة غير المتوقعة يفقد شيئًا من جوهره. والنظرية التي لا تسمح للتاريخ بأن يفاجئها تتحول إلى عقيدة.
ولهذا يمكن القول:
المادية الجدلية انتحرت فلسفيًا قبل أن تفشل سياسيًا.
لم تنتحر لأنها اكتشفت أن الواقع متناقض، بل لأنها حاولت أن تجعل التناقض نفسه خادمًا لنتيجة مقررة سلفًا.
لقد أرادت أن تقول إن التاريخ يصنع الجديد، ثم أخبرت التاريخ مسبقًا بما يجب أن يكونه هذا الجديد.
وهنا تكمن المفارقة النهائية:
كلما زادت قدرة النظرية على تحديد ما سيأتي، قلّت قدرتها على تفسير ما لم تتوقعه.
أما الديالكتيك الذي يمكن الدفاع عنه فلسفيًا، فهو ليس الذي يقول:
«التاريخ لا بد أن يصل إلى هنا.»
بل الذي يقول:
«كل وضع تاريخي يحمل تناقضاته وإمكانات تجاوزه؛ لكن ما سيولد من هذه التناقضات ليس مكتوبًا سلفًا، لأن الإنسان يختار، والمعرفة تتغير، والأنظمة تتكيف، والمصادفات تقع، والنتائج غير المقصودة تصنع تاريخًا جديدًا.»
وهنا يستعيد الديالكتيك معناه النقدي:
ليس علمًا لمعرفة نهاية التاريخ، بل فلسفة لفهم لماذا لا يبقى التاريخ كما هو.
فالجدل يحتاج إلى إمكانية حقيقية للمفاجأة، والتاريخ إلى إمكانية حقيقية للخطأ، والإنسان إلى إمكانية حقيقية للاختيار.
أما حين تصبح النهاية معلومة سلفًا، فإن ما يبقى ليس ديالكتيكًا، بل قدرًا يرتدي لغة الديالكتيك.
بهذا أصبحت الفكرة الأساسية أكثر تماسكًا، مع تقليل الترديد اللفظي خصوصًا في القسمين الخامس والسادس والخاتمة، من دون إضعاف الحجة المركزية.
#كمال_غبريال (هاشتاغ)
Kamal_Ghobrial#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الموت والعدم: لماذا اخترع الإنسان الخلود؟
-
نظرية الانتماء وإنتاج الآخر بين التفاضل والتكامل
-
الخصوصية والذاتية- من الأنا والآخر إلى فلسفة المجتمع الحر
-
الهوية بين مركزية الكلمة ومركزية الفعل
-
ثقافة الصراع- من العقل الصفري إلى العقل التكاملي
-
من وهم رأس الهرم إلى فاعلية القاعدة
-
الشرخ الأمريكي ومستقبل قاطرة الحضارة الإنسانية
-
الوعي العروبي- ماذا لو اغتسل في بحيرة حب الحياة
-
فرص السلام التي أهدرها الفلسطينيون
-
حرية الفكر وتكلفة الانتماء
-
ربع قرن من الكتابة
-
العلمانية تسبق الديمقراطية
-
هويتنا التي لم نكنها بعد
-
الفاعلية الإنسانية- مغادرة كهف المفعول به
-
أن تتحول للسباحة في المياه الجارية
-
من المصادفة إلى المعنى- فلسفة الفاعلية الإنسانية- في فكر كما
...
-
بين الانتظام والعشوائية: الإنسان وصيرورة الوجود
-
الثقة بالنفس: قاطرة الخروج على القضبان الأزلية
-
الشخصية المصرية — مقاربة موضوعية
-
من أسطورة الخلق إلى مأزق الإنسان
المزيد.....
-
حفل إضافي لفضل شاكر في موسم الرياض بعد نفاذ تذاكر الأول
-
السعودية تكشف حصيلة ضحايا استهداف مطاري أبها والملك خالد يوم
...
-
تفاصيل جديدة عن حادثة -فلاي دبي-.. سبب -إنساني- ألغى تحطيمها
...
-
رويترز: سوريا تدرس بجدية تقديم مساعدة عسكرية للسعودية لمواجه
...
-
الداخلية السورية تجري عددا من التغييرات في المواقع القيادية
...
-
الذكاء الاصطناعي يدعم فحوصات الموجات فوق الصوتية للجنين
-
السعودية تعلن تعرض مطاري أبها والملك خالد للاستهداف ليومين ع
...
-
فرنسا: توقيف أكثر من 6600 شخص منذ اندلاع احتجاجات طلاب المرح
...
-
روبيو: لا يجوز للخلافات أن تقطع الروابط بين الولايات المتحدة
...
-
الخارجية الروسية: تسليح أوروبا الحالي يشبه عشية الحرب العالم
...
المزيد.....
-
محمد أركون ونقد الأنوار.
/ ابراهيم ازروال
-
ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري
/ حكمت الحاج
-
الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي
/ كريم الوائلي
-
تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة
/ كريم الوائلي
-
التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت
...
/ كريم الوائلي
-
أزمة التعليم في العرا ق
/ كريم الوائلي
-
منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث
/ كريم الوائلي
-
حرير فراشة الحكايات
/ ميرفت الخزاعي
المزيد.....
|