أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - مهند كاظم محمد - سلسلة أشياء لم ننتبه إليها... الحلقة الخامسة عشرة














المزيد.....

سلسلة أشياء لم ننتبه إليها... الحلقة الخامسة عشرة


مهند كاظم محمد

الحوار المتمدن-العدد: 8849 - 2026 / 10 / 5 - 12:04
المحور: قضايا ثقافية
    


الرغيف… لماذا لا نرميه؟

لماذا نشعر بالحرج عندما نرى رغيف خبز على الأرض؟ سؤال بسيط ربما لم نفكر فيه من قبل، لأننا تعودنا منذ طفولتنا أن للخبز مكانة مختلفة عن بقية الأشياء. قد نرمي ورقة أو علبة أو قطعة طعام أخرى إذا لم نعد بحاجة إليها، لكن عندما يتعلق الأمر برغيف الخبز تتغير يدنا قليلًا، فنحمله ونضعه في مكان يليق به، وكأن في داخلنا شيئًا يقول إن هذا الشيء لا ينبغي أن يُعامل كأي شيء آخر. لا نعرف متى بدأ هذا الشعور، لكنه كبر معنا حتى أصبح جزءًا من تصرفاتنا اليومية دون أن نسأل عن سببه. الرغيف شيء بسيط، دائرة من الخبز لا تتحدث ولا تحمل اسمًا، مع ذلك نراه على المائدة فلا نلتفت إليه، لكنه إذا غاب شعرنا أن شيئًا ناقصًا، حتى لو كانت المائدة مليئة بأصناف أخر. كأن بعض الأشياء لا نعرف قيمتها لأنها اعتادت أن تكون معنا.
لا يبقى الرغيف مكتملا لفترة طويلة . بمجرد أن يصل إلى المائدة تبدأ رحلته الحقيقية؛ قطعة تؤخذ هنا، وأخرى هناك، حتى لا يبقى منه إلا القليل. مع ذلك لا نقول إنه خسر لأنه نقص، بل نقول إنه أدى مهمته. كأن قيمته ليست في بقائه مكتملا، إنما في ما استطاع أن يمنحه قبل أن ينتهي. وربما نحن نخطئ أحيانًا عندما نقيس الأشياء بما بقي منها، بينما هناك أشياء تكون قيمتها الحقيقية في مقدار ما أعطته وهي تتناقص. والرغيف الواحد قد يُقسم بين أكثر من شخص، فيصبح القليل كافيًا، وتتحول قطعة بسيطة من الخبز إلى سبب في اجتماع الأيدي حول مائدة واحدة.
لعل هذا ما يجعلنا لا نشعر بالارتياح عندما نرى خبزًا كثيرًا يُرمى. ليس لأننا نحسب ثمنه، إنما لأن في داخلنا احترامًا قديمًا له؛ فهو مرتبط بالشبع، والشبع ليس أمرًا بسيطًا لمن عرف يومًا معنى الجوع. في زمن جعلتنا فيه الوفرة نشتري أكثر مما نحتاج، يبقى الرغيف قادرًا على إيقاظ ذلك الشعور القديم الذي يقول لنا إن النعمة لا ينبغي أن تتحول إلى عادة تفقدنا الإحساس بها.
ثم إن للرغيف ذاكرة لا نراها. قد تمر رائحته من مكان بعيد، فجأة تعود بنا إلى شارع قديم أو صباح بعيد أو بيت لم نعد نزوره. قد ننسى تفاصيل يوم كامل، لكن رائحة خبز قادم من فرن صغير قد تعيد إلينا لحظة ظننا أننا فقدناها منذ سنوات. كأن بعض الأشياء لا تحفظها الذاكرة بالكلمات، بل بالحواس.
الرغيف يصل إلينا جاهزًا، فنرى النتيجة ولا نرى الطريق الذي سبقها. لا نرى كل المراحل التي مر بها حتى أصبح أمامنا، تمامًا كما نفعل أحيانًا مع الناس؛ نرى نجاح الإنسان ولا نرى السنوات التي قادته إليه، ونرى هدوءه ولا نعرف ما الذي مر به. الأشياء التي تصل إلينا بسيطة في صورتها قد تكون خلفها حكايات طويلة لم نرها.
حتى عندما يتغير الرغيف ، يبرد أو قد يصبح قاسيًا، لا يعني ذلك أن حكايته انتهت؛ قد يجد له استخدامًا آخر، وكأنه يرفض أن تنتهي فائدته لمجرد أن صورته تغيرت. وربما في هذا درس صغير آخر: ليس كل ما تغير شكله فقد قيمته.
كم هو غريب هذا الرغيف؛ شيء صغير لا يلفت النظر، لكنه حاضر في تفاصيل حياتنا أكثر مما ننتبه. نأكله دون تفكير، نقسمه دون شعور، ونحترمه دون أن نعرف تمامًا لماذا. وربما لم ننتبه إليه لأنه كان قريبًا منا أكثر مما ينبغي. فالأشياء القريبة جدًا تصبح أحيانًا غير مرئية من كثرة اعتيادنا عليها، ولا نراها حقًا إلا عندما تغيب.
لهذا، في المرة القادمة التي تمسك فيها رغيف خبز، انظر إليه لحظة واحدة. انه مثال صغير على أشياء كثر في حياتنا اعتدنا وجودها حتى نسينا قيمتها. تذكر انك عندما تكسره بعد قليل لن يبقى كما هو، وأن قيمته الحقيقية لن تكون في الجزء الذي بقي منه، بل في الجزء الذي أعطاه.
وربما هنا تكمن الحكاية كلها...
الرغيف لا يطلب منا أن نحفظه، ولا أن نعرف قصته كاملة. كل ما يفعله أنه يصل إلينا، ثم يبدأ بالنقصان حتى يمنحنا ما جاء من أجله.
لهذا ربما لا نرميه بسهولة... لأن شيئًا في داخلنا يعرف أن بعض النعم، مهما بدت بسيطة، لا يليق بنا أن نعتادها إلى درجة ننسى قيمتها.



#مهند_كاظم_محمد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سلسلة أشياء لم ننتبه إليها... الحلقة الرابعة عشر
- سلسلة أشياء لم ننتبه إليها.... الحلقة الثالثة عشر
- سلسلة أشياء لم ننتبه إليها.... الحلقة الثانية عشر
- سلسلة أشياء لم ننتبه إليها……. الحلقة الحادية عشر
- سلسلة أشياء لم ننتبه إليها ... الحلقة العاشرة
- سلسلة أشياء لم ننتبه إليها ... الحلقة التاسعة
- سلسلة أشياء لم ننتبه إليها ... الحلقة الثامنة
- سلسلة أشياء لم ننتبه إليها ...الحلقة السابعة
- سلسلة أشياء لم ننتبه إليها ... الحلقة السادسة
- سلسلة أشياء لم ننتبه إليها ... الحلقة الخامسة
- سلسلة أشياء لم ننتبه إليها.... الحلقة الرابعة
- سلسلة أشياء لم ننتبه إليها / الحلقة الثالثة
- سلسلة اشياء لم ننتبه اليها
- سلسلة أشياء لم ننتبه إليها
- التحول الرقمي وأثره في تحسين كفاءة الخدمات الحكومية دراسة تح ...
- الخسارات التي لا تعزى
- النوم والدماغ والسهر
- عقل الصف وذكاء التقنية
- أبطال بلا تصفيق
- حين يصبح المريض رقما!!!


المزيد.....




- ترامب يحث الجمهوريين على التصويت عبر البريد.. شاهد التحول ال ...
- -لستِ وحدكِ-.. محتجون يساندون -جين دو- في مواجهة الاعتداء ال ...
- قائد أركان الجيش الإيراني يحذر: أي حرب جديدة ضد إيران ستطال ...
- فضيحة جديدة تهز إسرائيل.. مسؤول يشرف على أمن الرحلات يتلقى أ ...
- رفات القيصر صامويل تعود إلى بلغاريا بعد 60 عاما من الغياب
- إنهاء السلطة الفلسطينية وإسناد الإدارة المدنية للأردن.. ما ت ...
- بكلفة 5.5 ملايين دولار.. أفغانستان تدشن -طريق واخان- الاستر ...
- لافروف: نشر بنية تحتية للناتو في أفغانستان أمر مرفوض بشكل قا ...
- اتهام محاضر جامعي إسرائيلي بالتخطيط لهجمات ضد مئات العرب
- الكرملين: حذرنا البعثات الدبلوماسية الغربية مرارا وعلى كييف ...


المزيد.....

- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - مهند كاظم محمد - سلسلة أشياء لم ننتبه إليها... الحلقة الخامسة عشرة