أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - مهند كاظم محمد - سلسلة أشياء لم ننتبه إليها ... الحلقة الثامنة














المزيد.....

سلسلة أشياء لم ننتبه إليها ... الحلقة الثامنة


مهند كاظم محمد

الحوار المتمدن-العدد: 8821 - 2026 / 9 / 7 - 12:42
المحور: قضايا ثقافية
    


الكرسي... من يجلس عليه؟

نمرّ بجانب الكرسي كل يوم دون أن نمنحه أكثر من نظرة عابرة. نراه في البيت، وفي المكتب، وفي المدرسة، وفي المستشفى، وفي صالون الحلاقة، وفي قاعات الانتظار، وربما لا يخطر ببالنا أن هذا الشيء البسيط الذي صُمم لكي نجلس عليه، يحمل في تفاصيله حكايات كثيرة عنّا أكثر مما نتوقع.
فالكرسي نفسه لا يتغير كثيراً، لكن معناه يتبدل كلما تغير من يجلس عليه. هناك كرسي يجلس عليه صاحب القرار، فيصبح في أعين الناس كرسي حكم وسلطة، وكرسي آخر يجلس عليه المدير، فيصبح مرتبطاً بالمسؤولية والقرارات والعمل. وهناك كرسي الطبيب الذي يمنح من يجلس عليه لحظات من الثقة، يقابله كرسي المريض الذي يجلس عليه الإنسان وهو يحمل قلقاً وانتظاراً وأملاً بأن يسمع كلمة تطمئنه. وفي مكان آخر، قد يكون هناك كرسي لموظف يقضي ساعات طويلة في إنجاز أعماله، وبالقرب منه كرسي آخر لمواطن ينتظر دوره، لا يملك خلال تلك الدقائق سوى أن ينتظر أن يُنادى اسمه.
والغريب أن الكرسي لا يعرف الفرق بين هؤلاء جميعاً. لا يغيّر شكله عندما يجلس عليه صاحب سلطة، ولا يصبح أقل احتراماً عندما يجلس عليه شخص ينتظر دوره. لا ينحني لهذا ولا يبتعد عن ذاك. يستقبل الجميع بالارتفاع نفسه، ويمنح الجميع المساحة نفسها، ثم يبقى في مكانه بعد أن يغادر الجميع.
حتى كرسي الحلاقة له حكايته الخاصة. يجلس عليه الإنسان أمام المرآة، يترك نفسه لدقائق بين يدي الحلاق، ثم ينهض بصورة مختلفة. يدخل بشعر طويل، ويخرج بقصة جديدة، وقد يبدو التغيير بسيطاً، لكنه أحياناً يكفي ليمنح الإنسان شعوراً بأنه بدأ يومه من جديد. وكأن بعض التعب قد سقط مع خصلات الشعر على أرض الصالون.
وهناك كرسي المدرسة، الذي ربما لا نتذكره بعد سنوات، لكن أجسادنا تتذكره جيداً. عليه جلسنا صغاراً، وتحركنا بملل، وانتظرنا جرس الانصراف، وربما كتبنا عليه أشياء لم يكن ينبغي أن نكتبها. ثم كبرنا، وغادرنا المدرسة، وبقيت الكراسي مكاننا، تستقبل أجيالاً جديدة لا تعرف شيئاً عن الذين سبقوها.
وهذا هو الشيء الذي يثير التأمل في الكرسي أكثر من غيره؛ أنه يبقى بينما تتغير الوجوه. يجلس عليه شخص اليوم، ثم ينهض ويأتي غيره، وقد يكون الثاني مختلفاً تماماً عن الأول في عمره ومهنته ومكانته وحكايته، لكن الكرسي لا يسأل عن شيء. لا يحتفظ بمقعد لأحد، ولا يرفض آخر، ولا يعتقد أن صاحبه الأول كان أهم من الذي جاء بعده.
وربما لهذا فإن الكرسي يعلّمنا شيئاً عن الأماكن التي نعتقد أحياناً أنها ملك لنا. نحن نجلس على الكرسي ونقول في داخلنا: هذا مكاني، وهذا مقعدي، وهذا مكتبي، وهذه سلطتي. ثم نغادر، فيأتي شخص آخر ويجلس في المكان نفسه، وتستمر الحياة وكأنها لم تتوقف لحظة واحدة.
كم من كرسي ظن صاحبه أنه سيبقى عليه إلى الأبد، ثم غادره يوماً، وجاء بعده شخص آخر. وكم من كرسي كان يبدو عظيماً عندما جلس عليه صاحبه، ثم فقد بريقه بمجرد أن غادره. لأن الحقيقة ربما ليست في الكرسي أبداً، بل في الطريقة التي يجلس بها الإنسان عليه.
فالكرسي لا يمنح أحداً قيمة حقيقية، وإن كان يمنحه أحياناً سلطة مؤقتة. ولا يجعل الإنسان عظيماً لمجرد أنه جلس في مكان مرتفع، كما أن الكرسي المنخفض لا يجعل من يجلس عليه أقل شأناً. نحن من يعطي للأماكن معناها، ونحن الذين نكشف أخلاقنا عندما نجلس فيها.
ربما أجمل ما في الكرسي أنه لا يحتفظ بالمكان لنفسه. يعطيه لمن يأتي، ثم يتركه عندما يحين وقت الرحيل. لا يتمسك بأحد، لا يحزن عندما يغادره شخص، ولا يفرح عندما يأتي آخر. وكأنه يعرف شيئاً ننساه نحن كثيراً: أن الأماكن لا تدوم لأحد، وأن الأدوار تتبدل، وأن كل إنسان سيأتي يوم ينهض فيه من كرسيه، سواء بإرادته او دونها.
لذلك، حين نرى كرسياً فارغاً، ربما لا ينبغي أن نسأل فقط: من سيجلس عليه؟ بل ربما نسأل أنفسنا سؤالاً أعمق: ماذا سيفعل هذا الإنسان عندما يجلس؟
فالكرسي قد يكون مرتفعاً، لكن الإنسان هو الذي يقرر إن كان سيكبر فوقه... أم سيصغر في أعين الناس.
ويبقى السؤال...
لو جلست اليوم على كل الكراسي التي مررت بها في حياتك، فأيُّ كرسي منها كشف لك حقيقتك أكثر من غيره؟



#مهند_كاظم_محمد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سلسلة أشياء لم ننتبه إليها ...الحلقة السابعة
- سلسلة أشياء لم ننتبه إليها ... الحلقة السادسة
- سلسلة أشياء لم ننتبه إليها ... الحلقة الخامسة
- سلسلة أشياء لم ننتبه إليها.... الحلقة الرابعة
- سلسلة أشياء لم ننتبه إليها / الحلقة الثالثة
- سلسلة اشياء لم ننتبه اليها
- سلسلة أشياء لم ننتبه إليها
- التحول الرقمي وأثره في تحسين كفاءة الخدمات الحكومية دراسة تح ...
- الخسارات التي لا تعزى
- النوم والدماغ والسهر
- عقل الصف وذكاء التقنية
- أبطال بلا تصفيق
- حين يصبح المريض رقما!!!
- تقنية النانو تكنولوجي
- التقاعد الوظيفي
- ثقافة الانجاز الوهمي
- لماذا يحن الناس الى الماضي رغم صعوبته
- هل ما زال للكتاب مكان في حياتنا؟
- الامتحانات العامة مسؤولية مشتركة
- الأمن السيبراني: المفهوم والتطبيقات والتحديات والمستقبل


المزيد.....




- مصر.. منشور في صفحة مدرسة يثير جدلًا بشأن ارتداء الطالبات ال ...
- في لبنان والضفة وغزة.. نتنياهو يربك ترامب
- وسط غضب إسرائيلي.. بريطانيا تتجه غداً لحظر التجارة مع المستو ...
- واشنطن تتحدث عن -تقدم جوهري- نحو محادثات ثلاثية.. وزيلينسكي: ...
- النمسا تبدأ بتطبيق حظر -غطاء الرأس الإسلامي- بالمدارس وسط طع ...
- مطار صدام .. خيال ام سلاح غامض ؟
- الاستخبارات الإيرانية تعلن تفكيك خلية إرهابية تابعة للموساد ...
- علامة في الوجه قد تكشف خطرا يهدد القلب والدماغ
- أوروبا.. نوايا الحرب ورغبة بمقعد تفاوضي
- الدوحة تكشف عن وساطة لصياغة اتفاق بين طهران وواشنطن يرضي الط ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - مهند كاظم محمد - سلسلة أشياء لم ننتبه إليها ... الحلقة الثامنة