أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - مهند كاظم محمد - حين يصبح المريض رقما!!!














المزيد.....

حين يصبح المريض رقما!!!


مهند كاظم محمد

الحوار المتمدن-العدد: 8737 - 2026 / 6 / 15 - 14:41
المحور: قضايا ثقافية
    


من بين جميع المهن التي عرفتها البشرية، بقيت مهنة الطب الأقرب إلى الإنسان والأكثر التصاقاً بمعاناته وآماله. فالطبيب لا يتعامل مع أوراق أو أجهزة أو أرقام جامدة، بل يتعامل مع إنسان يحمل ألماً وخوفاً وقلقاً وأملاً بالشفاء. ولهذا ارتبطت هذه المهنة عبر التاريخ بمعاني الرحمة والإنسانية والتضحية، وأصبح الطبيب في نظر الناس أكثر من مجرد صاحب اختصاص، بل صاحب رسالة ومسؤولية أخلاقية وإنسانية.

فعندما يشتد المرض ويضيق الأمل، لا يبحث الإنسان عن طبيب ماهر فقط، بل يبحث أيضاً عن وجه مطمئن وكلمة تبعث الراحة في النفس قبل أن يصل الدواء إلى الجسد. فكم من مريض خفف عنه حديث طبيبه جزءاً من معاناته، وكم من عائلة استعادت شيئاً من الطمأنينة بسبب ابتسامة صادقة أو موقف إنساني نبيل.

لكن الواقع الذي نعيشه اليوم دفع الكثيرين إلى طرح تساؤلات مؤلمة حول العلاقة التي أصبحت تربط بعض المؤسسات الطبية وبعض العاملين فيها بالمريض. فهناك من يشعر أن الطب، في بعض جوانبه، بدأ يبتعد شيئاً فشيئاً عن رسالته الإنسانية ويتجه نحو الحسابات المادية البحتة. وأصبح المريض لدى البعض مجرد رقم في سجل المراجعين، أو حالة تضاف إلى قائمة طويلة من المواعيد اليومية.

ليس المقصود هنا التقليل من حق الطبيب في الحصول على أجره المستحق، فسنوات الدراسة الطويلة والجهد الكبير والمسؤولية الثقيلة تستحق كل تقدير واحترام. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الجانب المادي إلى الغاية الأولى، وعندما يشعر المريض أن قيمة ما يدفعه أصبحت أهم من حجم معاناته.

فالمريض الذي يجلس أمام الطبيب لا يحمل مرضه فقط، بل يحمل معه مخاوف أسرته وأحلام أطفاله وأوجاعه النفسية قبل الجسدية. وربما يكون قد اقترض المال أو باع شيئاً من ممتلكاته ليؤمن تكاليف العلاج. لذلك فإن أكثر ما يحتاجه في تلك اللحظات ليس الوصفة الطبية وحدها، بل الشعور بأنه أمام إنسان يفهم ألمه ويحترم ظروفه.

ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي القول إن الصورة ليست قاتمة كما يعتقد البعض. فما زالت المستشفيات والعيادات تضم نماذج مشرقة من الأطباء الذين يحافظون على جوهر المهنة ورسالتها الإنسانية. أولئك الذين يقضون ساعات طويلة بين المرضى دون كلل، ويتابعون حالاتهم حتى بعد انتهاء ساعات الدوام، ويعتبرون نجاح العلاج مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون واجباً مهنياً.

هناك أطباء يأتون إلى المستشفى قبل الجميع ويغادرونه بعد الجميع، لا لأن القانون يفرض عليهم ذلك، بل لأن ضمائرهم المهنية تدفعهم إلى البقاء حيث يحتاجهم المرضى. وهناك من يحمل هاتفه معه في كل وقت ليستجيب لاتصال مريض قلق أو أسرة تبحث عن معلومة تطمئنها.

والأجمل من ذلك، أن بين الأطباء من لا يزال يؤمن بأن الطب رسالة رحمة قبل أن يكون وسيلة للرزق. أطباء يعرفون محدودي الدخل من ملامح وجوههم قبل كلماتهم، فيخففون عنهم الأعباء أو يمتنعون عن أخذ أجور الكشف منهم. وبعضهم يرفض أن يحرج المتعفف الذي لا يستطيع دفع الأجر، فيتعامل معه بكرامة واحترام وكأن شيئاً لم يكن.

كم من طبيب دفع ثمن دواء لمريض من ماله الخاص دون أن يعلم أحد، وكم من طبيب بقي إلى جانب مريضه ساعات طويلة خارج وقت عمله، وكم من طبيب فتح باب عيادته لمن عجز عن دفع أجرة الكشف. هذه المواقف قد لا تُكتب في التقارير ولا تُنشر في وسائل الإعلام، لكنها تبقى محفورة في ذاكرة المرضى وعائلاتهم لسنوات طويلة.

إن المجتمع لا ينسى أصحاب المواقف الإنسانية. فقد ينسى اسم الدواء الذي تناوله، لكنه لا ينسى الطبيب الذي عامله باحترام عندما كان ضعيفاً، ولا ينسى اليد التي امتدت إليه عندما عجز عن تحمل تكاليف العلاج، ولا ينسى الكلمة الطيبة التي أعادت إليه الأمل في أصعب لحظات حياته.

ولهذا فإن الحديث عن بعض المظاهر السلبية في القطاع الصحي لا يعني أبداً الإساءة إلى مهنة الطب، بل هو دعوة للحفاظ على قيمتها الإنسانية العظيمة. فالطب كان وسيبقى من أنبل المهن، لكن نبل هذه المهنة لا يُقاس بحجم المباني الحديثة أو الأجهزة المتطورة أو الإيرادات المالية، بل يُقاس بمدى حفاظها على إنسانيتها.

إن أعظم الأطباء ليس بالضرورة من يملك أكبر عيادة أو أكثر شهرة، بل من يخرج المريض من عنده وهو يشعر بأنه لقي إنساناً قبل أن يلقَ طبيباً. فالعلم يصنع طبيباً ناجحاً، أما الرحمة فتصنع طبيباً لا ينساه الناس أبداً.

وفي زمن تتعاظم الحسابات المادية وتطغى فيه لغة الأرقام، تبقى الحاجة كبيرة إلى أولئك الأطباء الذين ما زالوا يرون في المريض إنساناً له ظروفه وآلامه وكرامته، لا مجرد رقم في ملف أو مبلغ في فاتورة. فهؤلاء هم الذين يحفظون للطب روحه، ويجعلون من المهنة رسالة نبيلة كما أرادها الله والإنسانية منذ البداية.



#مهند_كاظم_محمد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تقنية النانو تكنولوجي
- التقاعد الوظيفي
- ثقافة الانجاز الوهمي
- لماذا يحن الناس الى الماضي رغم صعوبته
- هل ما زال للكتاب مكان في حياتنا؟
- الامتحانات العامة مسؤولية مشتركة
- الأمن السيبراني: المفهوم والتطبيقات والتحديات والمستقبل
- قلة احترام الوقت في مجتمعاتنا
- الاعتذار أصعب من الخطأ نفسه
- التطور المتسارع في السيارات الهجينة دراسة مقارنة بين النماذج ...
- نعيش لنُرضي الآخرين… فمتى نعيش لأنفسنا؟
- الأبعاد الجيوسياسية للبث الإذاعي والقنوات العابرة للحدود تأث ...
- التدخين أمام الأطفال… عادة الكبار وثمن الصغار
- حين تتغير القيم… هل يتغير المجتمع أم نحن؟
- بين الحرية في منصات التواصل الاجتماعي ومسؤولية المحتوى كيف غ ...
- مفهوم الهندسة العكسية واستثمارها في الصناعة الحديثة


المزيد.....




- اتفاق إنهاء الحرب بين أمريكا وإيران.. إليكم أحدث التطورات وم ...
- صور تكشف عن قاعدة -بربرة- في صومالي لاند.. وتقرير: مصر تتأهب ...
- أوكرانيا: كييف تتعرض لقصف روسي جديد وسكان يلوذون بالملاجئ
- تقرير حصري من النبطية وبيروت: هل تضعف أثمان الحرب قبضة حزب ا ...
- -لن يؤدي اتفاق ترامب مع إيران إلى سلام دائم- – التلغراف
- غياب التفاصيل يعمّق الغموض.. هل حقق ترامب إنجازاً تاريخياً ب ...
- تصعيد استيطاني في الضفة الغربية.. إحراق مركبات ومحاولة استهد ...
- سيناريوهات ما بعد الاتفاق: ماذا ينتظر المنطقة عقب تفاهم واشن ...
- ترحيب دولي بالاتفاق الأمريكي-الإيراني وميرتس يصفه بـ -إنجاز ...
- تركيا.. أنباء عن ترتيبات لتأسيس حزب معارض جديد


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - مهند كاظم محمد - حين يصبح المريض رقما!!!