أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - مهند كاظم محمد - سلسلة أشياء لم ننتبه إليها














المزيد.....

سلسلة أشياء لم ننتبه إليها


مهند كاظم محمد

الحوار المتمدن-العدد: 8796 - 2026 / 8 / 13 - 12:32
المحور: قضايا ثقافية
    


الحلقة الأولى :الوسادة... الشاهد الذي لا يُستدعى إلى المحكمة

"لا يوجد شاهدٌ يعرف حقيقتك أكثر من شيءٍ لا يستطيع الكلام."
هنالك أشياء ترافقنا كل يوم حتى نفقد القدرة على رؤيتها. نستعملها، نعتمد عليها، نمر بها مئات المرات، مع ذلك فإنها تبقى خارج دائرة التأمل، كأنها خُلقت لتكون جزءاً من حياتنا لا موضوعاً للتفكير.
الوسادة واحدة من تلك الأشياء.
لا نلتفت إليها إلا عندما تصبح غير مريحة، أو حين نضطر لاستبدالها. أما في الأيام العادية، فإنها تؤدي دورها بصمت، كأن وجودها أمر لا يستحق التوقف عنده. مع ذلك، قد تكون أكثر الأشياء معرفةً بالإنسان.
اذن هي ليست مجرد مكان نضع عليه رؤوسنا في نهاية اليوم، بل هي المكان الذي ينتهي عنده صخب الحياة، ويبدأ الحوار الذي لا يسمعه أحد.
طوال النهار، نرتدي وجوهاً كثيرة. في العمل، نؤدي مسؤولياتنا، بين الناس نختار كلماتنا بعناية، كما نخفي من مشاعرنا أكثر مما نظهر. اذ نبدو أقوى مما نحن عليه في كثير من الأحيان، وأكثر اطمئناناً مما نشعر به في داخلنا.
لكنه الليل لا يهتم بكل ذلك.
فما إن يستقر الرأس على الوسادة، حتى تبدأ أكثر لحظات الإنسان صدقاً. هنالك اذ لا حاجة إلى التظاهر، ولا فائدة من الأقنعة، ولا مبرر للهروب من الأسئلة التي أجلناها طوال النهار.
هنالك، لا يبقى سوى الإنسان... كما هو.
الوسادة لا تسمع الكلمات، لكنها تشهد الصمت. وكم من صمتٍ قال ما عجزت عنه الخطب الطويلة؟
وكم فكرة وُلدت فوقها ثم غيّرت حياة صاحبها؟ وكم قرار تأجل إلى الصباح لأن القلب لم يحسم أمره بعد؟ وكم من دمعة اختارت الليل موعداً لها لأنها لم تجد في النهار مكاناً آمناً؟
إن كثيراً من المنعطفات كبرى كانت ام صغرى في حياة الإنسان لا تبدأ في قاعات الاجتماعات، ولا تحت أضواء الشهرة، بل في غرفة هادئة، عندما يجد نفسه للمرة الأولى في ذلك اليوم وجهاً لوجه أمام ذاته.
من المفارقات أن الغرفة قد تبقى كما هي، والسرير كما هو، والوسادة كما هي، ومع ذلك تختلف الليالي اختلافاً كبيراً.
ليلة يغمض فيها الإنسان عينيه مطمئناً، فيمر الوقت كنسمة هادئة.
وأخرى يقلب الوسادة مرة بعدها، لا لأنها فقدت راحتها، بل لأن شيئاً في داخله فقد سكينته.
فالوسادة لا تمنح الطمأنينة، لكنها تكشف وجودها. لا تصنع القلق، لكنها تعجز عن إخفائه.
لهذا تبقى شاهداً أميناً على ما نعجز أحياناً عن الاعتراف به حتى لأنفسنا.
وربما يشعر المسافر براحة لا يستطيع تفسيرها عندما يعود إلى وسادته بعد غياب طويل. ليست الراحة في القماش أو في الحشو، بل في ذلك الإحساس الغامض بأن هذا المكان احتفظ بشيء من تفاصيله، وكأن الإنسان يعود إلى جزء من نفسه تركه هناك.
ومن أغرب مفارقات الحياة أن الإنسان قد ينجح في إقناع العالم كله بأنه بخير، بينما يعرف، في اللحظة التي يضع فيها رأسه على وسادته، إن كان مطمئناً حقاً أم أنه كان يؤجل مواجهة نفسه.
هنالك لا قيمة لمنصب، ولا لشهرة، ولا لمال، ولا لأي صورة صنعها الإنسان أمام الآخرين.
هنالك تسقط الألقاب، ويبقى الإنسان وحده.
لهذا، ربما لم تكن الوسادة مجرد قطعة من الأثاث كما اعتدنا أن نراها، لكنها الرفيق الذي لا يسأل، لا يعاتب، لا يحكم، لا يشي بالأسرار. تحمل رأس الإنسان كل ليلة، بينما يحمل هو فوقها أفكاره، أحلامه، خوفه، ندمه، وآماله التي لم تتحقق بعد.
لعل الأشياء التي تصنع حياتنا لا التي تتصدر المشهد، بل تلك التي تؤدي دورها بصمت، حتى نعتاد وجودها وننسى أثرها.
هكذا هي الوسادة...
قطعة صغيرة تبدو عادية، كانت شاهدة على الإنسان في أكثر لحظاته صدقاً وضعفاً
شجاعةً وأملاً.
لذلك، ربما لم تكن شاهدة على نومنا...
بل شاهدة على حياتنا كلها.
ويبقى السؤال...
لو استطاعت وسادتك أن تتحدث لدقيقة واحدة فقط... فما هي أول حقيقة ستقولها عنك، ولا يعرفها أحد سواك؟



#مهند_كاظم_محمد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التحول الرقمي وأثره في تحسين كفاءة الخدمات الحكومية دراسة تح ...
- الخسارات التي لا تعزى
- النوم والدماغ والسهر
- عقل الصف وذكاء التقنية
- أبطال بلا تصفيق
- حين يصبح المريض رقما!!!
- تقنية النانو تكنولوجي
- التقاعد الوظيفي
- ثقافة الانجاز الوهمي
- لماذا يحن الناس الى الماضي رغم صعوبته
- هل ما زال للكتاب مكان في حياتنا؟
- الامتحانات العامة مسؤولية مشتركة
- الأمن السيبراني: المفهوم والتطبيقات والتحديات والمستقبل
- قلة احترام الوقت في مجتمعاتنا
- الاعتذار أصعب من الخطأ نفسه
- التطور المتسارع في السيارات الهجينة دراسة مقارنة بين النماذج ...
- نعيش لنُرضي الآخرين… فمتى نعيش لأنفسنا؟
- الأبعاد الجيوسياسية للبث الإذاعي والقنوات العابرة للحدود تأث ...
- التدخين أمام الأطفال… عادة الكبار وثمن الصغار
- حين تتغير القيم… هل يتغير المجتمع أم نحن؟


المزيد.....




- أحدهما اعترض اتصالات عسكرية.. القبض على عسكريين صينيين سابقي ...
- مصر توضح حقيقة استهداف الحوثيين سفينة تابعة لها قبالة سواحل ...
- أعضاء مجلس الشيوخ يطالبون ترامب بتوضيحات بشأن العقوبات ضد رو ...
- الولايات المتحدة توجه اتهامات لـ11 شخصا في قضية احتيال تتعلق ...
- إيران تتحدى رواية ترامب بشأن هرمز.. وإسرائيل ترفض الانسحاب م ...
- نحو 500 ألف زائر يتوافدون إلى مسار الكسوف الكلي في إسبانيا
- ترامب -تروث سوشيال- تتكبد خسائر .. فهل ينقذها الخيار النووي؟ ...
- منشورات ترامب المدفوعة أمام القضاء.. هل تُباع أسرار القرار ا ...
- سوريا.. اقتحام قوة إسرائيلية قرية الرفيد في ريف القنيطرة
- -أمبري- للأمن البحري تشارك في إنقاذ ناقلة نفط قبالة عُمان


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - مهند كاظم محمد - سلسلة أشياء لم ننتبه إليها