أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - مهند كاظم محمد - سلسلة أشياء لم ننتبه إليها ... الحلقة التاسعة














المزيد.....

سلسلة أشياء لم ننتبه إليها ... الحلقة التاسعة


مهند كاظم محمد

الحوار المتمدن-العدد: 8824 - 2026 / 9 / 10 - 13:28
المحور: قضايا ثقافية
    


السلم... لماذا يكون النجاح دائماً إلى الأعلى؟

منذ أن عرف الإنسان السلم، وهو يصعده وينزله دون أن يسأل نفسه سؤالاً بسيطاً: لماذا أصبح الصعود في حياتنا رمزاً للنجاح، بينما أصبح النزول رمزاً للتراجع والفشل؟ لماذا نقول عن شخص إنه "صعد سلم النجاح"، ونقول عن آخر إنه "هبط" أو "تراجع"، وكأن كل ما هو في الأعلى يستحق الإعجاب، وكل ما هو في الأسفل يستحق الشفقة؟
ربما لأننا اعتدنا أن نرى الأشياء من الأعلى أفضل. المكان المرتفع يكشف مساحة أكبر، والصعود يحتاج إلى جهد، والوصول إلى القمة يمنح الإنسان شعوراً بأنه قطع مسافة طويلة. ولهذا أصبحنا نستخدم السلم في حديثنا عن الحياة دون أن نشعر، درجة بعد درجة، مرحلة بعد مرحلة، حتى يصل الإنسان إلى ما نسميه القمة. لكننا نسينا أن السلم نفسه لا يعرف شيئاً عن النجاح والفشل. هو لا يفرح عندما نصعد، ولا يحزن عندما ننزل. كل ما يفعله أنه يمنح أقدامنا درجات متتابعة، ونحن الذين حمّلناه معاني لم يطلبها.
تأمل الطفل عندما يصعد السلم. لا يفكر في القمة، ولا يحسب عدد الدرجات التي بقيت أمامه. يصعد لأنه يريد أن يصل إلى مكان آخر. أما نحن، فعندما نكبر، نبدأ بحساب كل شيء: كم أصبح راتبي؟ كم ارتفع منصبي؟ كم تقدمت في عملي؟ كم أصبحت أبعد من الآخرين؟ وكأن الحياة تحولت إلى سلم كبير، وكل درجة فيه يجب أن تثبت أننا أصبحنا أعلى من الأمس، وأحياناً أعلى من غيرنا.
لكن ماذا لو لم يكن الارتفاع دائماً نجاحاً؟
قد يصعد الإنسان في وظيفته، ثم يكتشف أنه خسر راحته. وقد يصل إلى منصب كان يحلم به سنوات، ثم يكتشف أنه أصبح بعيداً عن عائلته. وقد يجمع المال، ويشتري بيتاً أكبر، ويملك أشياء أكثر، لكنه يجد نفسه في نهاية اليوم أكثر وحدة من السابق. هل نسمي ذلك نجاحاً لمجرد أنه صعد؟
وفي المقابل، قد ينزل إنسان من منصب لأنه لم يعد يحتمل ضغوطه، أو يترك عملاً كان يدر عليه مالاً كثيراً لأنه اكتشف أنه لا يشبهه، أو يتراجع عن قرار اتخذه لأنه أدرك أنه كان مخطئاً. في نظر البعض هو يتراجع، لكنه في الحقيقة ربما يكون قد اتخذ أصعب قرار في حياته أن ينزل درجة في نظر الناس كي يصعد درجات في احترامه لنفسه.
وهنا يصبح السلم أكثر صدقاً معنا مما نتوقع. فالدرجة التي تقف عليها اليوم لم تكن دائماً أمامك، وستصبح غداً خلفك. والدرجة التي كنت تراها بعيدة ستصبح تحت قدميك، ثم تنساها وأنت تنظر إلى الدرجة التالية. هكذا نمضي في الحياة، نصل إلى أشياء كنا نظن أنها النهاية، ثم نكتشف أنها مجرد درجة أخرى.
والغريب أننا عندما نصعد السلم لا ننظر عادة إلى الدرجات التي قطعناها، بل إلى الدرجات التي ما زالت أمامنا. نصل إلى مرحلة كنا نحلم بها، فنعتادها بسرعة، ثم نبدأ بالحلم بالمرحلة التالية. كأن الإنسان لا يعيش في الدرجة التي يقف عليها، وإنما يعيش دائماً في الدرجة التي يريد الوصول إليها.
وربما لهذا السبب يتعب الكثير منا، ليس لأن الطريق طويل، بل لأننا لا نسمح لأنفسنا بالتوقف لحظة والنظر إلى المسافة التي قطعناها. نريد دائماً درجة أعلى، وراتباً أعلى، ومنصباً أعلى، وبيتاً أكبر، ومكانةً أكبر، حتى يصبح الصعود نفسه هدفاً، وننسى أن السؤال الأهم ليس: إلى أي درجة وصلت؟ بل: ماذا حدث لك وأنت تصعد؟
ثم هناك شيء آخر لا نتحدث عنه كثيراً. السلم لا يُستخدم للصعود فقط. أحياناً يكون النزول هو الطريق الصحيح. ننزل لنفتح باباً، ننزل لنعود إلى بيتنا، ننزل لنساعد شخصاً تعثر، وننزل أحياناً لأننا اكتشفنا أننا صعدنا في الاتجاه الخطأ. ولا أحد يستطيع أن يعيش على القمة دائماً؛ فحتى من يصل إلى أعلى درجة يحتاج في وقت ما إلى أن يعود وينزل.
لذلك ربما ظلمنا السلم عندما جعلنا منه صورة للنجاح وحده. السلم في حقيقته لا يقول لنا إن الأعلى أفضل من الأسفل، وإنما يقول شيئاً أبسط: هناك طريق، هناك درجات، وأنت تتحرك بينها كما تتحرك الحياة بك.
قد تكون درجتك اليوم منخفضة في عين شخص آخر، لكنها المكان الذي تحتاج أن تكون فيه الآن. وقد تكون في أعلى درجة بالنسبة لمن حولك، لكنك تشعر في داخلك أنك لم تصل إلى المكان الذي تريده. لهذا لا يمكن لارتفاع الكرسي، ارتفاع الراتب، و ارتفاع المنصب أن يكون مقياساً وحيداً لارتفاع الإنسان.
ربما النجاح الحقيقي ليس أن تصل دائماً إلى أعلى السلم، إنما أن تعرف لماذا تصعد، متى تتوقف، ومتى يكون النزول أكثر شجاعة من الصعود.
وفي النهاية، يبقى السلم واقفاً في مكانه، لا يهتم بمن سبق ومن تأخر، ولا يسأل من كان في الأعلى ومن كان في الأسفل. تتغير عليه الأقدام، وتتبدل الوجوه، ويبقى هو كما هو. ونحن الذين نصعده اليوم قد يأتي يوم نتركه لغيرنا، فيصعد شخص آخر الدرجات نفسها، لكن بحكاية مختلفة تماماً.
لذلك، عندما ترى سلماً في المرة القادمة، لا تنظر فقط إلى قمته. انظر إلى درجاته.
وتذكر أن الإنسان لا يصل إلى الأعلى بقفزة واحدة، وأن بعض الدرجات التي نظنها صغيرة كانت في يوم من الأيام حلماً كبيراً.
وربما الأهم من ذلك كله...
لا تجعل حياتك سباقاً نحو الأعلى فقط، فليس كل ما هو فوق يستحق أن نصل إليه، وليس كل ما هو تحت يستحق أن نهرب منه.
فأحياناً لا يكون النجاح في أن تصعد درجة أخرى... بل أن تعرف لماذا تقف على هذه الدرجة بالذات.



#مهند_كاظم_محمد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سلسلة أشياء لم ننتبه إليها ... الحلقة الثامنة
- سلسلة أشياء لم ننتبه إليها ...الحلقة السابعة
- سلسلة أشياء لم ننتبه إليها ... الحلقة السادسة
- سلسلة أشياء لم ننتبه إليها ... الحلقة الخامسة
- سلسلة أشياء لم ننتبه إليها.... الحلقة الرابعة
- سلسلة أشياء لم ننتبه إليها / الحلقة الثالثة
- سلسلة اشياء لم ننتبه اليها
- سلسلة أشياء لم ننتبه إليها
- التحول الرقمي وأثره في تحسين كفاءة الخدمات الحكومية دراسة تح ...
- الخسارات التي لا تعزى
- النوم والدماغ والسهر
- عقل الصف وذكاء التقنية
- أبطال بلا تصفيق
- حين يصبح المريض رقما!!!
- تقنية النانو تكنولوجي
- التقاعد الوظيفي
- ثقافة الانجاز الوهمي
- لماذا يحن الناس الى الماضي رغم صعوبته
- هل ما زال للكتاب مكان في حياتنا؟
- الامتحانات العامة مسؤولية مشتركة


المزيد.....




- موسم السفر السري ينكشف.. هل انتهى عصر السفر الرخيص في الخريف ...
- حصري: هذه الجزيرة الصغيرة قبالة اليمن أصبحت الآن جائزة استرا ...
- ترامب يتوقّع موعد نهاية حرب إيران.. ويَعِد بـ5 آلاف دولار لك ...
- انهيار أرضي ضخم أمام منزل نيكولاس كيج في ماليبو
- حادث خطير في قاعدة للجيش الإسرائيلي.. جندي يسرق 3 بنادق تعود ...
- هل تبحث عن طائرة خاصة؟.. طائرة ميركل الرئاسية معروضة للبيع
- اليمن.. أنباء عن سيطرة الحوثيين على المخا والاقتراب من المند ...
- التوتر في العمل يهدد الرجال بضعف الانتصاب
- لأول مرة.. علماء يفكون شيفرة جينوم سكان فاناغوريا الخزرية ال ...
- تحت أنقاض الكولوسيوم.. الكشف عن أكبر فسيفساء جدارية رومانية ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - مهند كاظم محمد - سلسلة أشياء لم ننتبه إليها ... الحلقة التاسعة