|
|
ثقافة الصراع- من العقل الصفري إلى العقل التكاملي
كمال غبريال
كاتب سياسي وروائي
(Kamal Ghobrial)
الحوار المتمدن-العدد: 8849 - 2026 / 10 / 5 - 00:01
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
محاولة في تفسير التعثر الحضاري تمهيد: السؤال الذي يسبق كل الأسئلة - لماذا تتعثر بعض المجتمعات في بناء الحضارة، رغم امتلاكها موارد طبيعية هائلة، وتاريخًا عريقًا، وطاقات بشرية كبيرة، وموقعًا جغرافيًا استثنائيًا؟ - ولماذا تستمر أنماط الصراع والاستقطاب، حتى بعد تغير الأنظمة السياسية والأيديولوجيات والشعارات؟ - ولماذا يبدو أن سقوط أيديولوجيا لا يؤدي بالضرورة إلى سقوط العقلية التي أنتجتها، بحيث يخرج المجتمع من صراع ليدخل في صراع آخر، ومن عدو إلى عدو، ومن تفسير مؤامراتي إلى تفسير مؤامراتي جديد؟ ربما لأننا نبحث عن الخطأ في الأفكار، بينما ينبغي أن نبحث عنه قبل ذلك في النموذج الذهني الذي يستقبل الأفكار ويمنحها قدرتها على التأثير.
وهنا تظهر أطروحة هذه الدراسة: إن إحدى أعمق مشكلات التعثر الحضاري في الشرق الأوسط ليست مجرد انتشار أيديولوجيات إقصائية، وإنما استمرار بنية ذهنية يمكن تسميتها «ثقافة الصراع»: نموذج يرى العلاقات الإنسانية في جوهرها لعبة صفرية zero sum game، ويحول الاختلاف إلى تهديد، ومكسب الآخر إلى خسارة للذات، والتعاون إلى تنازل، والتفاوض إلى ضعف. ومن هذه التربة تستطيع الأيديولوجيات الإقصائية، والعقل المؤامراتي، وسياسة الهوية، والاقتصاد الريعي للصراع أن تنمو وتتجدد. وبناء على ذلك، فإن تجاوز الأزمة لا يتطلب تغيير الأيديولوجيات وحدها، وإنما يتطلب تغيير البنية الذهنية والحوافز والمؤسسات التي تجعل الصراع أكثر جاذبية من التعاون.
أولًا: ما هي «ثقافة الصراع»؟ ثقافة الصراع ليست مجرد كثرة الحروب. قد يعيش مجتمع في سلام ظاهري، ومع ذلك تكون ثقافته صراعية. فالصراع يمكن أن يكون في اللغة، والسياسة، والتعليم، والدين، والاقتصاد، والعلاقات الاجتماعية. إنها طريقة في رؤية العلاقة بين «الأنا» و«الآخر». يمكن اختزالها في مجموعة من الافتراضات: أنا أو هو. مكسبه خسارتي. قوته تهديد لي. اختلافه خطر على هويتي. تنازلي ضعف. التفاوض هزيمة. الثقة سذاجة. نجاح الآخر يحتاج إلى تفسير عدائي. وبذلك تصبح ثقافة الصراع أكثر من سلوك؛ تصبح أنطولوجيا اجتماعية، أي تصورًا لطبيعة الوجود الاجتماعي نفسه. العالم وفق هذا التصور، ليس مجالًا مفتوحاً لإنتاج القيمة، بل ساحة تتصارع فيها الجماعات على موارد ومكانة ونفوذ محدود.
ثانيًا: العقل الصفري يمكن تسمية البنية العقلية التي تقف خلف ثقافة الصراع بـ «العقل الصفري». وهو العقل الذي يفترض ضمنيًا أن حجم الكعكة ثابت. إذا حصل الآخر على قطعة أكبر، فلا بد أن تكون قطعتي قد صغرت. وهذا صحيح في بعض الحالات، لكنه ليس صحيحًا في الحياة الإنسانية كلها. فالثروة يمكن إنتاجها. والمعرفة يمكن مضاعفتها. والتكنولوجيا يمكن أن تخلق أسواقًا جديدة. والتخصص يمكن أن يجعل مجموع إنتاج البشر أكبر من مجموع ما يستطيع كل فرد إنتاجه منفردًا. وهنا يحدث الفرق بين مجتمعين: مجتمع يسأل: من يملك الحصة الأكبر؟ ومجتمع يسأل: كيف نزيد حجم الحصة التي يمكن للجميع الحصول عليها؟ الأول يعيش في اقتصاد الصراع. والثاني يدخل عالم إنتاج القيمة.
ثالثًا: من الإنسان البدائي إلى الإنسان الحضاري ليس المقصود بالعقل الصفري أنه عقل «بدائي» بمعنى احتقاري. إنه عقل له جذور عميقة في التاريخ التطوري للإنسان. فالإنسان القديم واجه عالمًا كانت فيه الموارد محدودة، والمخاطر حقيقية، والآخر قد يكون بالفعل منافسًا على الغذاء والمأوى. ومن الطبيعي أن تنتج هذه البيئة حساسية عالية تجاه التهديد. لكن الحضارة كانت في أحد وجوهها، عملية طويلة لتجاوز هذا المنطق. فحين اكتشف الإنسان الزراعة، لم يعد مضطرًا إلى الاعتماد على المصادفة وحدها. وحين ظهرت المدن، أصبح التخصص ممكنًا. وحين ظهرت التجارة، أصبح من الممكن تبادل الفائض. وحين ظهرت القوانين، أصبح من الممكن إدارة النزاع دون اللجوء المستمر إلى العنف. وحين نشأت المؤسسات، أصبح التعاون بين الغرباء ممكنًا على نطاق واسع. إذن يمكن النظر إلى التاريخ الحضاري باعتباره انتقالًا تدريجيًا: من الصراع المباشر ⬅ إلى التبادل ⬅ إلى التعاون المنظم ⬅ إلى إنتاج القيمة المشتركة. ولم يختف الصراع، لكنه أصبح محكومًا بقواعد تقلل كلفته.
رابعًا: العقل التكاملي في مقابل العقل الصفري يمكن طرح مفهوم «العقل التكاملي». العقل التكاملي لا ينكر المنافسة ولا الصراع ولا تضارب المصالح. لكنه يرفض افتراض أن هذه هي الصورة الوحيدة للعلاقة الإنسانية. إنه يسأل: ما الذي يستطيع الطرفان إنتاجه معًا ولا يستطيع أي منهما إنتاجه منفردًا؟ وهذا السؤال البسيط هو أحد أسرار الحضارة الحديثة. فالشركة والمستهلك يختلفان في المصالح، لكن الصفقة يمكن أن تكون مفيدة للطرفين. والعامل وصاحب العمل يختلفان في توزيع العائد، لكنهما يستطيعان إنتاج قيمة مشتركة. والدول قد تتنافس سياسيًا، لكنها تستطيع التجارة والتعاون علميًا وتقنيًا. إذن: العقل التكاملي لا يلغي الصراع؛ بل يمنعه من احتكار تعريف العلاقة الإنسانية.
خامسًا: الأيديولوجيا العدائية أو الإقصائية للآخر ليست دائمًا أصل المرض هنا نصل إلى واحدة من أهم نتائج هذه النظرية. لماذا تستطيع الأيديولوجيات الإقصائية أن تنتشر؟ لأنها لا تعمل في فراغ. إنها تحتاج إلى بيئة نفسية واجتماعية مناسبة. إذا كان الإنسان يعيش أصلًا داخل تصور يرى العالم باعتباره صراعًا بين جماعات، فإن الأيديولوجيا تأتي لتقدم له: اسمًا للعدو، وتفسيرًا للعداء، وشرعية أخلاقية للصراع. وهكذا يصبح العداء دينًا أحيانًا، أو قومية، أو ثورة، أو طائفة، أو نظرية سياسية. تتغير اللافتة، لكن البنية تبقى. ولهذا فإن إسقاط أيديولوجيا دون تغيير التربة قد يؤدي إلى ظهور أيديولوجيا أخرى. المشكلة إذن ليست فقط في «الفيروس»، بل في جهاز المناعة الذي سمح له بالانتشار.
سادسًا: «اقتصاد العداء» يمكن هنا إضافة مفهوم آخر: اقتصاد العداء المقصود أن الصراع لا يعيش فقط بسبب الأفكار؛ أحيانًا توجد مصالح مادية ومؤسساتية تستفيد منه. هناك من يربح من استمرار الاستقطاب. هناك سياسي يحتاج إلى عدو لكي يحشد أتباعه. هناك مؤسسة تحتاج إلى تهديد دائم لكي تبرر وجودها. هناك نخب تستفيد من اقتصاد مغلق لا من اقتصاد تنافسي. هناك جماعات تجعل الولاء الداخلي أكثر قيمة كلما ارتفع مستوى الخوف من الخارج. وهكذا لا يصبح الصراع مجرد موقف نفسي؛ يصبح نظامًا لتوزيع السلطة والموارد والمكانة. وهنا يمكن فهم لماذا يكون إصلاح ثقافة الصراع صعبًا. فأنت لا تواجه أفكارًا فقط، وإنما تواجه أحيانًا مصالح مرتبطة باستمرار تلك الأفكار.
سابعًا: العقل المؤامراتي بوصفه ابنًا للعقل الصفري العقل المؤامراتي هو أحد أكثر منتجات ثقافة الصراع وضوحًا. فعندما يرى الإنسان العالم باعتباره صراعًا بين قوى، يصبح من السهل عليه افتراض أن كل نتيجة لا تعجبه لا بد أن تكون نتيجة قصد عدائي. لكن المجتمعات الحديثة تعمل من خلال ملايين القرارات المستقلة. الأسواق تتغير. التكنولوجيا تتطور. الدول تتنافس وتتعاون. الأفراد يتخذون قراراتهم. المؤسسات تخطئ. الحوادث تقع. والنتائج غير المقصودة كثيرة. ولهذا فإن التفسير الأكثر نضجًا للعالم لا يبحث دائمًا عن «العقل المدبر». بل يستطيع التعامل مع: التعقيد، والمصادفة، والنتائج غير المقصودة، وتضارب المصالح، والتفاعلات العفوية. وهذا تحول معرفي بالغ الأهمية.
ثامنًا: المظلومية حين تصبح هوية لا شك أن التاريخ في احيان كثيرة يحمل ظلمًا حقيقيًا. لكن هناك فرقًا بين: ذاكرة وخبرة الظلم، وبين تشكل هوية المظلومية. الأولى تحفظ الدرس. أما الثانية فقد تجعل الضحية أسيرة للماضي. حين تتحول المظلومية إلى هوية، يصبح كل حدث جديد امتدادًا لمؤامرة قديمة. وبذلك يفقد المجتمع القدرة على مساءلة ذاته. كل فشل يحتاج إلى فاعل خارجي. كل تأخر يحتاج إلى مؤامرة. كل انقسام يحتاج إلى يد أجنبية. وكل أزمة تصبح دليلًا على أن «الآخر» لا يريد لنا الخير. وهكذا تتحول المظلومية إلى آلية تمنع التعلم.
تاسعًا: الدولة كغنيمة ثقافة الصراع تنتقل من العلاقات الدولية إلى داخل الدولة. إذا كان المجتمع يرى الحياة السياسية باعتبارها صراعًا وجوديًا، تصبح الدولة نفسها غنيمة. من يصل إلى السلطة لا يتصرف بالضرورة باعتباره أمينًا على مؤسسة مشتركة، بل بوصفه قائدًا لمعسكر منتصر. وهنا تصبح: المحسوبية امتدادًا للولاء، والفساد امتدادًا لتوزيع الغنائم، والطائفية امتدادًا للاستقطاب، وإقصاء الخصم امتدادًا لمنطق الحرب. أما الدولة الحديثة فتقوم على مبدأ مختلف: الدولة ليست ملك المنتصر. إنها ملك مؤسسي مشترك. وهنا تبدأ المواطنة.
عاشرًا: التعليم بوصفه جهاز المناعة الحضاري لا يمكن تغيير هذه البنية من خلال الشعارات وحدها. فالعقل الذي تعلم منذ طفولته أن: هناك إجابة واحدة، وهناك جماعة واحدة صحيحة، وهناك تاريخ واحد مقدس، وهناك عدو دائم، وهناك مؤامرة تفسر كل شيء، سيكون أكثر استعدادًا للعيش داخل ثقافة الصراع. أما التعليم الذي يعلم: السؤال، والشك المنهجي، والمقارنة، والدليل، وتعدد التفسيرات، والتاريخ النقدي،واحترام الاختلاف،فإنه ينتج عقلًا أكثر مقاومة للاستقطاب. لذلك فإن إصلاح التعليم ليس إصلاحًا تقنيًا. إنه إعادة بناء لجهاز المناعة الحضاري.
الحادي عشر: من سياسة الهوية إلى سياسة المصلحة ليس المطلوب القضاء على الهوية. فالإنسان يحتاج إلى الانتماء. لكن هناك فرقًا بين أن تكون الهوية مصدرًا للمعنى، وبين أن تصبح سلاحًا ضد الآخرين. الدولة الحديثة تحتاج إلى صيغة تجعل: الدين حقًا شخصيًا واجتماعيًا، والثقافة مصدرًا للثراء، والقومية إطارًا تاريخيًا، لكن المواطنة هي القاعدة السياسية المشتركة. وعندها يصبح السؤال: ليس «إلى أي جماعة تنتمي؟» بل: «ما الحقوق التي تتمتع بها؟ وما الواجبات التي تلتزم بها؟» وهذا أحد أهم التحولات من مجتمع الصراع إلى مجتمع المؤسسات.
الثاني عشر: من اقتصاد الغنيمة إلى اقتصاد القيمة ربما يكون هذا هو الجانب الذي يحتاج إلى مزيد من الاهتمام. المجتمع الصراعي يميل إلى التعامل مع الاقتصاد باعتباره توزيعًا للموارد الموجودة. أما المجتمع المنتج فيسأل: كيف نخلق موارد جديدة؟ الأول يتنافس على الريع. الثاني يتنافس على الابتكار. الأول يبحث عن موقع داخل النظام. الثاني يحاول تغيير النظام بإنتاج شيء جديد. ومن هنا تصبح التكنولوجيا والعلم وريادة الأعمال والتعليم أدوات لتحويل الثقافة نفسها. فكلما ارتفعت قيمة الإنتاج والابتكار، أصبح النجاح أقل اعتمادًا على إقصاء الآخر.
الثالث عشر: لماذا لا يكفي السلام؟ يمكن أن يعيش المجتمع بلا حرب، ومع ذلك لا يكون قد خرج من ثقافة الصراع. فالسلام مجرد غياب للعنف المباشر. أما الحضارة فتحتاج إلى شيء أكثر: مؤسسات تجعل التعاون أكثر عقلانية من الصراع. إذا توقفت الحرب بين جماعتين، لكن بقي كل طرف ينتظر فرصة للانتقام، فالصراع لم ينته. أما إذا أصبح لكل طرف مصلحة حقيقية في استمرار العلاقة، فإن السلام يتحول من هدنة إلى نظام اجتماعي مستقر. ولهذا فإن أفضل ضمان طويل الأمد للسلام ليس دائمًا الخطاب الأخلاقي، بل شبكة المصالح المشتركة والمؤسسات والقواعد.
الرابع عشر: المصالح المشتركة تصنع إنسانًا مختلفًا عندما يصبح ازدهاري مرتبطًا جزئيًا بازدهار الآخر، تتغير رؤيتي إليه. التاجر لا يستطيع أن يكره زبونه إلى درجة تمنعه من الشراء. والشركة لا تستطيع أن تدمر السوق الذي تعتمد عليه. والدولة التي ترتبط بجارتها بسلاسل توريد وطاقة واستثمارات مشتركة ستعيد حساب تكلفة الحرب. وهنا تحدث عملية ثقافية عميقة: المصلحة المشتركة تعيد تعريف الآخر. لم يعد «عدوي». أصبح: شريكي المحتمل. وهذه النقلة، في جوهرها، هي انتقال من العقل الصفري إلى العقل التكاملي.
الخامس عشر: الشرق الأوسط أمام مفترق حضاري هذه المنطقة ليست فقيرة بالموارد، ولا فقيرة بالتاريخ، ولا فقيرة بالعقول. لكن الموارد وحدها لا تصنع الحضارة. والتاريخ لا يعوض المؤسسات. والذكاء الفردي لا يكفي إذا كان النظام الاجتماعي يكافئ السلوك الخطأ. إن المشكلة الحقيقية ليست أن الإنسان الشرق أوسطي عاجز عن التعاون. المشكلة أن التعاون لم يتحول بصورة مستقرة إلى قاعدة مؤسسية تنظم الحياة السياسية والاجتماعية على نطاق واسع. وهنا يكمن التحدي. ليس المطلوب أن يصبح الشرق الأوسط نسخة من مجتمع آخر. المطلوب أن يكتشف طريقه الخاص للخروج من منطق: الغلبة ⬅ الغنيمة ⬅ المظلومية ⬅ العدو ⬅ الانتقام إلى منطق: المؤسسة ⬅ الإنتاج ⬅ المصلحة ⬅ التعاون ⬅ القيمة المشتركة.
السادس عشر: أطروحة «التحول الحضاري» إذا أردنا اختزال النظرية كلها في صيغة واحدة، يمكن القول: الحضارة هي القدرة المؤسسية والثقافية على تحويل التناقضات الإنسانية من صراعات صفرية إلى علاقات تسمح بإنتاج قيمة مشتركة. وبهذا التعريف يصبح التخلف الحضاري ليس مجرد نقص في التكنولوجيا أو الدخل. قد يكون التخلف، في أحد أبعاده العميقة: عجزًا عن إدارة الاختلاف دون تحويله إلى صراع وجودي. وهنا تصبح الحضارة قدرة على: إدارة الاختلاف، وترويض القوة، وتحويل المنافسة إلى إنتاج، وتحويل الموارد إلى قيمة، وتحويل الذاكرة إلى معرفة، وتحويل الهوية إلى تنوع، وتحويل المصلحة الفردية إلى مصلحة مشتركة.
الخاتمة: من سؤال «من عدوي؟» إلى سؤال «ماذا أستطيع أن أبني؟» ربما يكون أكبر تحول يحتاجه الشرق الأوسط ليس تغيير شعار سياسي، ولا إسقاط أيديولوجيا واستبدالها بأخرى، وإنما تغيير السؤال الذي يدور في رأس الإنسان. السؤال القديم هو: من عدوي؟ أما السؤال الحضاري فهو: ماذا أستطيع أن أبني؟ الأول يستهلك الطاقة في البحث عن الخصم. والثاني يحول الطاقة إلى إنتاج. الأول يحتاج إلى تاريخ من الجراح. والثاني يحتاج إلى مستقبل. الأول يقيس النجاح بعدد الأعداء الذين هزمهم. والثاني يقيسه بعدد الأشياء التي استطاع أن يخلقها. ومن هنا يمكن أن تكون المعركة الحضارية الحقيقية ليست بين دين ودين، أو قومية وقومية، أو شرق وغرب، أو محافظين وليبراليين، وإنما بين نموذجين للعقل الإنساني: العقل الصفري الذي يرى العالم كمساحة محدودة يتصارع البشر على اقتسامها. والعقل التكاملي الذي يدرك أن أعظم ما أنتجه الإنسان لم يكن موجودًا في الطبيعة أصلًا، وإنما نشأ من قدرته على التعاون والتخصص وتبادل المعرفة وإنتاج قيمة جديدة. الحضارة لم تبدأ عندما أصبح الإنسان أقوى من الآخر. بل عندما اكتشف أن بإمكانه أن يصبح أقوى مع الآخر. ومن هنا فإن الخروج من ثقافة الصراع لا يعني أن نتخلى عن المنافسة، ولا أن ننكر المصالح المتعارضة، ولا أن نتجاهل القوة أو التاريخ. إنه يعني شيئًا أكثر واقعية وعمقًا: أن نتعلم كيف نجعل التعاون أكثر ربحًا من الصراع، والمؤسسة أكثر قوة من القبيلة، والقانون أكثر فاعلية من الانتقام، والإنتاج أكثر قيمة من الغنيمة، والمستقبل أكثر أهمية من الثأر. وعندها فقط يمكن أن تبدأ المنطقة في استعادة دورها الحضاري. ليس باستعادة الماضي، وإنما بإنتاج مستقبل جديد. فالمشكلة في النهاية ليست أن الإنسان يختلف مع الإنسان. فالاختلاف قدر إنساني لا يمكن إلغاؤه. المشكلة هي أن نعتقد أن اختلافنا يقتضي إلغاء بعضنا بعضًا. إن هي إلا ثقافة الصراع.
#كمال_غبريال (هاشتاغ)
Kamal_Ghobrial#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
من وهم رأس الهرم إلى فاعلية القاعدة
-
الشرخ الأمريكي ومستقبل قاطرة الحضارة الإنسانية
-
الوعي العروبي- ماذا لو اغتسل في بحيرة حب الحياة
-
فرص السلام التي أهدرها الفلسطينيون
-
حرية الفكر وتكلفة الانتماء
-
ربع قرن من الكتابة
-
العلمانية تسبق الديمقراطية
-
هويتنا التي لم نكنها بعد
-
الفاعلية الإنسانية- مغادرة كهف المفعول به
-
أن تتحول للسباحة في المياه الجارية
-
من المصادفة إلى المعنى- فلسفة الفاعلية الإنسانية- في فكر كما
...
-
بين الانتظام والعشوائية: الإنسان وصيرورة الوجود
-
الثقة بالنفس: قاطرة الخروج على القضبان الأزلية
-
الشخصية المصرية — مقاربة موضوعية
-
من أسطورة الخلق إلى مأزق الإنسان
-
الذكاء الاصطناعي بين جسارة الابتكار وهدير الرفض
-
ذكرى 11 سبتمبر وحماقة الإنتليجنسيا الليبرالية
-
ثلاثية الإله والروح والخلود
-
الأسطورة بين ماضي وحاضر تساؤلات الإنسان الوجودية
-
شجرة الوعي- الإنسان وعائلته القردة العليا
المزيد.....
-
فيديو متداول لـ-ترحيب سكان مدينة التربة في اليمن بدخول قوات
...
-
لماذا قد يؤثر الجدل حول أيقونة للسيدة العذراء مريم على الانت
...
-
7,4 مليون زائر و6,7 ليتر بيرة.. أرقام قياسية جديدة في مهرجان
...
-
غزة.. مبادرة ترفيهية للتخفيف عن الأطفال
-
مناورة إسرائيلية -محكمة- لدعم إثيوبيا في -محور بربرة- وكبح ن
...
-
RT ترصد الأوضاع في جنوب لبنان
-
تبون: العلاقات الروسية الجزائرية لم تفتر
-
الكويت تصدر 6 مراسيم بسحب الجنسية من 415 شخصا
-
رباعي القرن الأفريقي في العلمين.. رسائل على وقع التصعيد الإث
...
-
موسم العسل في لبنان يتراجع.. النحّالون يواجهون المبيدات والأ
...
المزيد.....
-
الزمن المقلوب
/ رائد الجحافي
-
عيوب الذكاء الاصطناعي
/ رائد الجحافي
-
عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي
/ رائد الجحافي
-
عيون شاردة
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام
/ سامح سعيد عبد العزيز
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
المزيد.....
|