أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسن مدن - مفاتيح الذاكرة وأقفالها














المزيد.....

مفاتيح الذاكرة وأقفالها


حسن مدن

الحوار المتمدن-العدد: 8848 - 2026 / 10 / 4 - 23:48
المحور: الادب والفن
    


يستعيد الراوي في رواية مارسيل بروست "البحث عن الزمن المفقود" عالماً من طفولته، حين يتذوق قطعة من حلوى المادلين مغموسة في الشاي. لم يكن يسعى إلى استحضار الماضي، ولم يكن يتصفّح ذاكرته بحثاً عن واقعة بعينها، وإنما كان مذاقٌ عابر كافياً لكي تنبعث ذكريات ظنّ أنها بعيدة، وتعود معها الأمكنة والوجوه والتفاصيل التي بدت غائبة عن وعيه.

لم يحتج الماضي عند بروست إلى مفتاح يبحث عنه طويلاً، بل كان المفتاح كامناً في إحساس بسيط، لم يكن يتوقع أن يفتح له باباً واسعاً على عالم مضى. ولعلّ قوة هذا المشهد تكمن في أنه يكشف أنّ استعادة الذاكرة ليست دائماً فعلاً إرادياً، وأنّ ما نعتقد أننا نتحكم فيه قد يعود إلينا من طريق لم يخطر لنا على بال. فالذاكرة لا تستجيب لرغبتنا وحدها، ولا تفتح أبوابها بالضرورة حين نريد، ولا تغلقها حين نقرر ذلك.

نحن جميعاً، بدرجات متفاوتة، نعرف شيئاً من هذه التجربة. فقد توقظ الذاكرة رائحة عطر ارتبطت بشخص غاب، أو أغنية سمعناها في زمنٍ بعيد، أو شارعاً لم نمر به منذ سنوات، أو صورة قديمة تقع عليها أعيننا مصادفة. وقد يكون مجرد صوت يشبه صوتاً ألفناه، أو عبارة قيلت في مناسبة عابرة. وفجأة، نجد أنفسنا أمام ذكرى لم نستدعها، لكنّها استدعتنا، وأعادتنا إلى زمن حسبنا أنه أصبح بعيداً بما يكفي.

إننا لا ننسى، على الأقل بالمعنى الذي نتصوّره حين نتحدث عن النسيان. على سبيل المثال صحيحٌ أنّ الألم الناجم عن الفقد والخسارة يتناقص تدريجياً، وتخفت حدّته بمرور الوقت، لكنّ الشخص الذي فقدناه لا يُمحى من ذاكرتنا، والواقعة التي هزّتنا لا تختفي لمجرد أننا لم نعد نستحضرها كل يوم. ما يحدث أنّ هذه الأشياء تتوارى إلى منطقة خلفية من الذاكرة، وتنسحب من واجهة وعينا اليومي، أو تتدثر برداء يحجبها عن أنظارنا، من دون أن تغادرنا نهائياً.

ما نفعله أننا نضع الذكرى في خانةٍ صغيرة من خانات الذاكرة، ونغلق عليها الباب، محاولين حصر نطاق حركتها والحدّ مما قد تثيره في نفوسنا من ألم، غير أنّ هذه الخانات لا تظلّ مغلقة دائماً، وبعض أبوابها ينفتح من تلقاء نفسه، من دون أن نملك قرار فتحه أو إغلاقه، بل قد نبذل جهداً كبيراً كي نعيد إغلاقه، ونقنع أنفسنا بأننا استعدنا السيطرة على ما وراءه، قبل أن نكتشف، في وقت آخر، أنّ الذكرى ما زالت قادرة على العودة.

هذا ما يجعل النسيان، في جانبٍ منه، وجهاً آخر من وجوه الذاكرة، لا نقيضاً لها. فنحن نلجأ إلى النسيان هرباً من سطوة الذاكرة وحضورها الطاغي، لكنّه لا يضمن لنا التخلص منها. بل إنّ الذاكرة، في مكرها، تجعل النسيان يتقمص صورتها، ولكن في هيئة مواربة؛ فنحسب أننا تجاوزنا الماضي، بينما يكون قد انتقل إلى منطقة أخرى من وعينا، لا نراه فيها، لكنّه يظلّ قادراً على التأثير فينا، وعلى استعادة حضوره متى وجد ما يستدعيه.

ومهما اشتدّت صلابة الأقفال التي نضعها على خانات الذاكرة، تظلّ قابلة للفتح أو الخلع. فالذي نغلق عليه الباب لا يفقد وجوده، وما نحاول إبعاده عن وعينا لا يفقد بالضرورة قدرته على العودة. وربما كان هذا أحد وجوه عجزنا عن التحكم الكامل في ذاكرتنا؛ فنحن نستطيع أن نتعمد استعادة بعض الوقائع، وأن نحاول تجنّب استعادة بعضها الآخر، لكننا لا نستطيع دائماً أن نختار ما يبقى حاضراً وما يتوارى، ولا أن نحدّد متى تعود إلينا ذكرى بعينها، أو ما الذي سيوقظها.

علاقتنا بالذاكرة شبيهة بعلاقتنا ببيت قديم نسكنه منذ سنوات. نعرف الغرف التي نحبها، وتلك التي نتحاشى دخولها، ونحتفظ بمفاتيح بعضها قريباً منا، بينما نترك مفاتيح أخرى في أماكن لا نعود إليها كثيراً. لكن البيت يظل بيتنا، بكل ما يحتويه من أشياء ووجوه وأصوات وذكريات. وقد نبتعد عن غرفةٍ زمناً طويلاً، ثم نفتح بابها مصادفة، فنكتشف أنّ ما حسبناه غائباً لم يكن سوى شيء تركناه هناك.



#حسن_مدن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نوتردام بين هوغو والبابا
- الذكاء الاصطناعي .. أهلاً أم وداعاً
- كتاب قرأناه ونسينا
- نسرين مالك وسؤال الفصل المستحيل
- لؤلؤة شتاينبك
- الوطن الحديقة
- من سقراط إلى الذكاء الاصطناعي
- ما قالته هدى الشعراوي
- الجامع بين هشام شرابي وإدوارد سعيد
- رسائل نتنياهو من جبل الشيخ
- ذراع تولستوي
- مفكرة الكاتب
- في ذكرى المناضل البحريني علي دويغر
- ما لم يفهمه العميد
- أنعتذر من كتابٍ لم نقرأه؟
- احجار بورخيس
- لماذا يمقت ترامب عبدول؟
- كيف بدا المستقبل العربي؟
- (برواز شوق) بين عكّا وغزّة
- انتهاء عصر النخيل


المزيد.....




- السفارة الروسية لدى عمان تكرم الفائزين في المسابقة الأردنية ...
- RT في معرض عمّان الدولي للكتاب
- تركي آل الشيخ يلمح لعودة فضل شاكر إلى المسرح من بوابة الرياض ...
- الموسيقى ودقات القلب.. تأثيرات تتجاوز تحسين المزاج وتصل إلى ...
- الرياض محطته الأولى.. فضل شاكر يعود إلى المسرح بعد غياب طويل ...
- -غاليريتا-.. القطار في السينما المصرية من حلم الوصول إلى كاب ...
- -مليون كتاب للبنان-.. مبادرة تعيد الحياة إلى المكتبات التي د ...
- انتخابات الكنيست: صراع التمثيل العربي في مواجهة قرارات الشطب ...
- سيئول تدخل الإرشاد الصوتي الكوري إلى -الهرم الثقافي-: المتحف ...
- بيت المدى والجمعية العراقية العلمية للفنون يفتحان ملف غياب ا ...


المزيد.....

- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسن مدن - مفاتيح الذاكرة وأقفالها