أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عائد زقوت - حين لا تصمت الحرب... صوت خلف العاصفة















المزيد.....

حين لا تصمت الحرب... صوت خلف العاصفة


عائد زقوت

الحوار المتمدن-العدد: 8848 - 2026 / 10 / 4 - 02:49
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


مما لا شك فيه أنّ الحروب والنزاعات تخلّف وراءها نكبات وكوارث تعجز اللغات الدبلوماسية المختلفة عن وصفها. لكن أخطر ما تخلّفه النزاعات والحروب ليس الخراب المادي وحده، بل بقاء بعض الخطابات التي وُلدت في زمن الصراع، واستمرار توظيفها أثناء الحرب وبعد انتهائها.

فيبقى بعض المتصدرين للمشهد أسرى للمعادلات القديمة وإن حاولوا تغليفها، يستدعون من الماضي ما يخدم مواقعهم، ويكيّفون الحاضر وفق أجنداتهم، ويعملون على تجييش المجتمع وعسكرته، ويجعلونه وقودًا لنار الحرب والانقسام، غير آبهين بكرامة الإنسان وأمنه واستقراره. ويطرحون الشعارات بما يوافق مصالحهم، ثم يقدّمونها للناس وكأنها قدرٌ لا مناص منه.

الخروج من هذه المخلفات لا يكون باستنساخ تجارب الماضي، ولا بإنتاج صراع جديد، ولا باستبدال خطاب إقصائي بخطاب إقصائي آخر، وإنما بتحرير الإنسان من أسر الاصطفافات التي جعلت الوطن ساحات متقابلة، وإعادة الاعتبار إلى المصلحة العامة باعتبارها المعيار الذي تتراجع أمامه المصالح الشخصية والحزبية والفئوية.

وهذه المصلحة لا يحددها فرد أو فصيل، ولا تُختزل في شعار ترفعه جماعة في مواجهة أخرى، وإنما تُبنى عبر مؤسسات تمثيلية وقواعد قانونية وتوافقات وطنية تتيح للمجتمع أن يشارك في تعريف أولوياته ومساءلة من يتحدث باسمه.

وفي مقدمة ذلك التخلص من عسكرة المجتمع، بما تخلّفه من تداعيات سياسية واجتماعية ونفسية تتجاوز مجرد وجود السلاح. فالعسكرة لا تعني انتشار السلاح وحده، وإنما أن تصبح لغة القوة والعنف والتهديد جزءًا من الثقافة اليومية، ومن طريقة التفكير في الخلافات وحلها. وحين تستمر هذه الحالة، تبقى الحرب حاضرة في الوعي حتى بعد توقف البنادق، ويتحول أثرها إلى جزء من السلوك السياسي والاجتماعي.

وتعمد بعض الأحزاب والجماعات والتجمعات إلى ترسيخ هذه الثقافة للحفاظ على مكتسباتها الاقتصادية والسياسية، بوصفها فاعلًا رئيسًا في السلم والحرب. وهنا قد يتحول السلاح من وسيلة دفاع أو مقاومة إلى أداة نفوذ، وإلى وسيلة لإعادة إنتاج المكانة والسلطة، وعنصرًا في تشكيل علاقة الفرد بجماعته وبالآخرين.

وهنا ينبغي التمييز بين المقاومة والعسكرة؛ فليس كل سلاح في مجتمع واقع تحت الاحتلال تعبيرًا عن عسكرة المجتمع، كما أنّ مقاومة الاحتلال لا تمنح السلاح حق التحول إلى سلطة فوق المجتمع. والفارق يبدأ من الغاية والمرجعية والوظيفة؛ حين يكون السلاح جزءًا من مشروع وطني لمواجهة الاحتلال، يختلف جوهريًا عن تحوله إلى أداة لفرض الإرادة السياسية أو إخضاع المجتمع أو احتكار القرار.

ومع استمرار العسكرة، يتعمق الاستقطاب النفسي والاجتماعي، ويتراجع الانتماء إلى الصالح العام؛ فالآخر الذي كان شريكًا في الوطن يمكن أن يتحول تدريجيًا إلى منافس، ثم إلى خصم، وربما إلى تهديد وجودي. ويتولد من ذلك منطق دائريّ مرآويّ: إذا كان الآخر مسلحًا، فيجب أن أكون مسلحًا أيضًا؛ فيغدو السلاح مبررًا للخوف، ويغدو الخوف مبررًا لاستمرار السلاح.

ومن هنا تتآكل الثقة بمؤسسات الدولة، أو بالسلطة القائمة حين تُرى طرفًا في الصراع. فعندما توجد قوى مسلحة خارج الإطار المؤسسي للدولة، قد يبحث الفرد عن الحماية في الجماعة أو الحزب أو العشيرة أو الفصيل، فتتحول القوة تدريجيًا إلى مصدر للهوية والمكانة والنفوذ، بدل أن تبقى وسيلة للدفاع.

ولا يمكن تجاهل الدور المحوري للاحتلال والتدخلات العسكرية في تشكيل ظاهرة العسكرة، خصوصًا في المجتمعات الواقعة تحت الاحتلال أو في البيئات التي تتعرض لصراعات ممتدة.

ومن الإنصاف القول إنّ الاحتلال يفسر جانبًا من أسباب نشوء السلاح وتنامي ثقافة المواجهة، لكن تفسير نشوء هذه الظاهرة لا يعني تبرير استمرارها، ولا يعفي القوى المحلية من مسؤولية حماية المجتمع من أن تصبح لغة القوة قاعدة دائمة لإدارة الاختلاف. وهنا الفارق الجوهري؛ فمواجهة الاحتلال شيء، وتحويل السلاح إلى بنية سياسية واجتماعية تحكم علاقة المجتمع بأبنائه شيء آخر.

ولهذا فإنّ نزع العسكرة لا يعني فقط نزع السلاح من الشوارع، وإنما نزع الحرب من الوعي؛ تحرير السياسة من منطق القوة، والمجتمع من الخوف، والاختلاف من لغة التخوين، وإعادة الاعتبار إلى المؤسسات والقانون والمواطنة باعتبارها الإطار الذي تُدار داخله الخلافات.

نحن بحاجة إلى أن نلتقي على ما يجمعنا، لا على ما يفرقنا؛ على وطننا، وتاريخه، وأرضه، ومصالح أبنائه، وكرامة الإنسان فيه، وعلى الروابط الاجتماعية والثقافية والإنسانية التي تمثل مخزونًا استراتيجيًا شكّل على امتداد التاريخ دافعًا حيويًا للاستمرار في طريق الحرية وتقرير المصير.

فالأوطان، ولا سيما الخاضعة للاحتلال، لا تُبنى بعقلية الغالب والمغلوب، ولا بمنطق الثأر السياسي. ولا تُبنى باستدعاء جراح الماضي كلما احتاج أحدهم إلى جمهور أو نفوذ، ولا بطموحات الشخصيات السلطوية، ولا بإخضاعها للمفاهيم الأيديولوجية. بل تُبنى حين يصبح اختلافنا وسيلة للتكامل، لا ذريعة للاقتتال، وحين يكون الولاء للصالح العام سابقًا على الولاء للأشخاص والفصائل والمحاور السياسية والأفكار المؤدلجة.

ولهذا فإنّ نقطة البدء ليست البحث عن طرف ينتصر على طرف، وإنما استعادة المرجعية الوطنية التي يتساوى أمامها الجميع، والعودة إلى المؤسسات بوصفها الإطار الذي تُدار داخله الخلافات ويُحتكم فيه إلى القانون.
ولا تعني استعادة المرجعية الوطنية إلغاءً لحق المقاومة، لكنها تضعه في إطاره الوطني، وتُخضعه للقانون والمساءلة، وتحول دون تحوله إلى سلطة موازية للمجتمع والدولة.

ومن هنا، إذا كانت منظمة التحرير الفلسطينية هي المرجعية الوطنية الجامعة، وليست محل اختلاف أو تشكيك، فإنّ السؤال يتجه بالضرورة إلى طبيعة التحالفات السياسية القائمة، وما يتشكل من تحالفات جديدة، ومدى التزام أطرافها بهذه المرجعية، خصوصًا حين تضم قوى تقع خارج إطار منظمة التحرير، أو تيارات تطرح تصورات سياسية وإدارية تتجاوز إطارها التاريخي.

إذ تجمع بعض القوائم الانتخابية تيارات دينية بتيارات يسارية أو قومية، أو بقوى ذات رؤى مختلفة لطبيعة النظام السياسي وإدارة الحكم، رغم التباين العميق في مرجعياتها الأيديولوجية والسياسية، وفي رؤيتها لطبيعة الدولة وحدود المشروع الوطني.

ومثل هذه التحالفات قد تكون، من حيث المبدأ، تعبيرًا عن التعددية السياسية والسعي إلى تشكيل أغلبية انتخابية، لكن ذلك لا يلغي السؤال عن القواسم التي تجمع أطرافها، والإطار المرجعي الذي تنتظم فيه، والمشروع الذي يمكن أن تنتجه مثل هذه المظلة.

ولا ينفصل هذا السؤال عن السياق الإقليمي والدولي الأوسع، وما طُرح خلال السنوات الماضية من مشروعات لإعادة صياغة مستقبل قطاع غزة وموقعه السياسي؛ بدءًا من رؤية غيورا إيلاند، الرئيس الأسبق لمجلس الأمن القومي الإسرائيلي، بشأن غزة وشبه جزيرة سيناء، مرورًا بصفقة القرن وما حملته من رؤى بشأن التسوية ومستقبل الأراضي الفلسطينية، وصولًا إلى الترتيبات الراهنة المرتبطة بـ"مجلس السلام" وفق قرار مجلس الأمن 2803، وما تضمنه من خطط إدارة غزة وإعادة إعمارها.

وبين هذه الطروحات، على اختلاف سياقاتها وأصحابها وأهدافها، تبرز أسئلة تتعلق بمستقبل القرار الوطني الفلسطيني، وبطبيعة النظام السياسي والتحالفات قيد الإنشاء، وبمدى انسجام أي ترتيبات جديدة مع المرجعيات والمقررات الدولية ذات الصلة، ولا سيما في ظل التحولات الإقليمية والدولية التي ترسم ملامح النظام العالمي الجديد.

وليس المقصود هنا افتراض تطابق بين هذه التصورات، ولا الزعم بأنّ التحالفات الفلسطينية تتبنى أيًا منها، وإنما طرح سؤال أكثر جوهرية: هل نحن أمام تحالف انتخابي عابر تحكمه قواسم سياسية محددة، أم أمام تقاطع أوسع يمكن أن يوفر، بقصد أو بغير قصد، مظلة سياسية لمشروعات استراتيجية تتجاوز ما تعلنه القوائم الانتخابية؟

وبصرف النظر عن مآلات هذه التحالفات، فإنّ جوهر المسألة يبقى في حماية القرار الوطني من أن يصبح رهينة للاصطفافات والصراعات، أو أن يجد نفسه جزءًا من هندسة أوسع للشرق الأوسط، وهو ما قد يعيد إنتاج الانقسام بأشكال جديدة.

العلاج الحقيقي لمخلفات الانقسام والحروب المتعاقبة يبدأ يوم نكف عن النظر إلى المواطن بوصفه تابعًا لهذا الفصيل أو ذاك، أو لهذا الزعيم أو القائد، ونراه أولًا إنسانًا له كرامته، ومواطنًا له حقوقه، وشريكًا في وطنه؛ ويتحقق بتجاوز التبعية للأشخاص والفصائل، واستعادة ثقة المواطن بمؤسساته، وبناء خطاب وطني لا يحتاج إلى صناعة عدو دائم كي يحافظ على نفوذه؛ وحين تصبح المصلحة الجامعة فوق مصلحة الزعيم والجماعة، ومصلحة الأجيال القادمة فوق المكاسب الآنية.

فالذي يريد بناء وطن لا يزرع فيه الخوف من أخيه، ولا يوقظ فيه أحقاد الأمس، ولا يحوّل الدِّين إلى أداة تعبئة أو شرعنة للسلطة؛ فالدِّين المُنقّى من شوائب الأفراد والجماعات هو في جوهره مصدر قيَم وأخلاق، وليس أيديولوجيا؛ لكن توظيف خطابه في التعبئة والصراع قد يحوّله إلى أيديولوجيا وغطاء للسلطة. وكذلك لا يجعل العشيرة حصنًا لمصلحة شخصية أو فئوية، وإنما يجمع الناس على القواسم المشتركة، ويحترم خصوصياتهم، ويصون تنوعهم، ويجعل اختلافهم داخل إطار الوطن لا خارجه.

حينئذٍ يمكن أن نختلف دون معاداة، وأن نتحاور دون قتال، وأن نتمسك بأهدافنا الوطنية دون أن نجعلها أداةً للصراع، وأن نحفظ قيمنا وبرامجنا السياسية دون أن نحولها إلى متاريس شائكة، ليبقى الوطن صدرًا رحبًا يتسع للجميع.
فالحرب لا تنتهي بانتهاء القتال وحده؛ تنتهي حين يفقد الانقسام قدرته على إعادة إنتاج نفسه، وحين يصبح الاختلاف طريقًا للتكامل لا سببًا لصراع جديد. عندها فقط يصمت الصوت خلف العاصفة.



#عائد_زقوت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين تسقط الأوراق... لا تموت
- بين طوفانين... الغائب الحاضر
- مؤدِّب الكاذبين... -هلووووو... مين بتكلَم-.
- اليسار الفلسطيني: من إرث التحرر إلى مظلّة الانقسام
- طيف الأمان
- بين الشراكة والإصلاح… المساءلة أولًا
- مَن صنع الكارثة؟ الحلقة الثانية: مَن يصنع ما بعد الكارثة؟
- مَن صنع الكارثة؟ الحلقة الأولى: المعرفة التي سبقت الانفجار
- التفاوض استراتيجية وجود
- هُويّة الأزمة
- نظام التفاهة: لماذا لا يكفي الإصلاح؟ الجزء الثاني
- نظام التفاهة: لماذا لا يكفي الإصلاح؟ - الجزء الأول
- مكر التضحية: من شرعية المقاومة إلى احتكار البطولة ومأزق السل ...
- الواحِديّة: من السياسة إلى احتكار الحقيقة
- الممكن السياسي: استعمار المعنى وأدْلَنَة الصراع
- فلسطين والقلم وما يَسْطُرُون
- تناطُح عنزان على حدِّ السكين
- الأوكتاجون.. لحظة مصرية
- 30 يونيو: ثورة الشعب وإحياء الدولة
- مِن الغباء أنْ تستمر غبيًّا


المزيد.....




- بيان أمريكي يحذر من تأثير توترات إريتريا وإثيوبيا على المنطق ...
- سلوتسكي يتهم المفوضية الأوروبية بالتغطية على منع سلطات كييف ...
- هجوم لاذع من علاء مبارك بعد تصريحات وزير إثيوبي عن السد العا ...
- ولايةٌ رابعة أم عودة اليمين؟ سباق محتدم بين لولا وبولسونارو ...
- الصومال يفتح الباب أمام منفذ بحري لإثيوبيا.. ماذا وراء التحو ...
- موسكو: نرد بقوة على هجمات كييف الإرهابية
- إسرائيل تحقق في احتمال تخطيط مساعد طيار -فلاي دبي- لمحاكاة - ...
- ترامب يدعو إيران لحل الصراع بـ-التي هي أحسن- أو -مواجهة الأس ...
- اليمن مباشر.. وزارة الدفاع تطلق النفير العام والحوثيون يستهد ...
- إيران مباشر.. مشروع قرار فرنسي بشأن مضيق هرمز وبريطانيا تحذر ...


المزيد.....

- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عائد زقوت - حين لا تصمت الحرب... صوت خلف العاصفة