أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عائد زقوت - فلسطين والقلم وما يَسْطُرُون














المزيد.....

فلسطين والقلم وما يَسْطُرُون


عائد زقوت

الحوار المتمدن-العدد: 8771 - 2026 / 7 / 19 - 15:14
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ليس الاستبداد وحده ما يهدد الشعوب، ولا الهزائم العسكرية أو المعنوية فحسب؛ بل من أخطر ما تواجهه الأمم أنْ يتحوّل أصحاب القلم والمنابر الوعظية والإعلامية، ورواد الفضاء الرقمي إلى أدوات تبرير وتسويغ، لا أدوات وعي وبصيرة، فيتجندوا للدفاع عن اجتهادات وقرارات القيادات القائمة ورؤاها، وعن مصالحهم الخاصة، بدل الدفاع عن الحقائق والثوابت والقِيم، خدمةً للمصلحة الحزبية أو الفئوية مهما بلغت الكلفة السياسية والأخلاقية لذلك.

لم تدرك هذه الفئة أنّ القلم الذي أقسم الله به ليس قيمة في ذاته، وإنما بما يخطه من معانٍ، وبما يحرره من وعي، وبما يصوغه من إدراك تتوارثه الأجيال جيلًا بعد جيل.
فالأوطان لا تُبنى بالقوة العسكرية، ولا بالمؤسسات العمرانية وحدهما، بل بمن يراجع أخطاءها، ويصون ذاكرتها، ويحفظ كرامتها، ويمنح الأجيال القدرة على فهم تاريخها والتفكير في حاضرها واستشراف مستقبلها.

ولم يكن القلم يومًا أداةً للتأريخ أو التعبير المجرد، ولا وسيلةً لتزييف الوعي أو تسويغه من أجل البقاء؛ بل كان فعلًا نقديًا ينهض على المساءلة، وحماية الحقيقة، وصون الوعي العام من الانزلاق نحو التبرير.

وفي الحالة الفلسطينية التي تعيش ترديًا متدحرجًا في ظل الحرب المستمرة في غزة، تتجلى هذه الإشكالية في صورتها الأكثر تعقيدًا وحِدّة، حيث تتقاطع المأساة الممتدة مع انسداد سياسي شبه مُؤسَّس، وتختلط الحقيقة بالاصطفاف، وتتحوّل الحرب إلى كاشف لانكشافات أعمق في بنية الفعل السياسي وآليات إنتاج الخطاب. فبين تعثر مسارات التسوية، وانسداد أفق السلطة القائمة في الضفة، ومنطق المقاومة المسلحة المجردة من المنطق في غزة، وتعدد مراكز القرار الفعلية، وتضارب متزايد بين الحسابات الفصائلية والمصلحة الوطنية الجامعة، يتآكل مفهوم "المصلحة الوطنية" ذاته لصالح منطق تنافسي تُدار فيه السياسة بوصفها إدارة للبقاء لا صناعة للمستقبل.

وتظهر في هذا السياق أربع مسلمات سياسية تراكمت عبر الزمن وأسهم الخطاب العام في تثبيتها: الأولى، تحوّل الخطاب السياسي من "بناء دولة" إلى "إدارة الصمود"، مع تحويل الإنجاز السياسي إلى سردية نصر رمزي بعد كل جولة صراع. والثانية، ترسخ خطاب النصر بما أفرزه من دورات صراع متكررة دون استراتيجية خروج واضحة أو أفق تراكمي. والثالثة، إدارة الانقسام بوصفه واقعًا قابلًا للتعايش بدل اعتباره خللًا بنيويًا في النظام السياسي الفلسطيني. والرابعة، تأجيل الحسم في قضايا التمثيل والشرعية عبر تعطيل الاستحقاقات السياسية الدورية، والاستمرار في السير في الساقية الدائرية.

وفي ظل هذه المسلمات، لا يعود القلم عنصرًا محايدًا في توصيف الواقع، بل يدخل في قلب الصراع على تشكيل الوعي: إمّا أنْ يظل وفيًّا للحقيقة بوصفها كلفة سياسية عالية، أو ينزلق ــ بدرجات متفاوتة من الوعي أو التبرير ــ إلى إعادة إنتاج خطاب وفق نظرية التكيّف المتعاظم؛ حيث يُكيّف الأزمة بدل أن يُفككها، ويعيد ترتيبها لغويًا بدل مواجهتها بنيويًا.

الكتابة الحقيقية في هذه اللحظة تتطلب الاعتراف بأنّ بعض الخيارات الاستراتيجية أسهمت في تعميق المأساة، وأنّ استمرار تبريرها ليس وفاءً للشهداء، بل تحميلٌ للأجيال القادمة كلفة استمرار الانسداد. غير أنّ هذا التشخيص الداخلي لا يُلغي طبيعة الصراع البنيوي والوجودي الذي تمثله إسرائيل، بل يضعه في سياقه المركّب، حيث يتداخل الخارجي بالداخلي في إنتاج المأزق الفلسطيني المستمر، وتتشابك حدود الفعل الوطني مع حدود الانقسام الداخلي في لحظة استنزاف تاريخية مفتوحة.

الخطر الحقيقي لا يبدأ عندما تُكمَّم الأفواه بالسَّجن أو بالاغتيال المادي والمعنوي، ولا عندما تُوصد أبواب التفكير والتعبير، بل عندما يصبح الصمت أكثر راحة من السؤال، والطاعة فضيلة أعلى من قول الحقيقة، ويتحوّل الخوف إلى ثقافة عامة تحكم العقول والضمائر؛ عندئذٍ لا تكون المأساة في غياب القلم، بل في تحوله إلى أداة طمأنة كاذبة للواقع بدل أنْ يكون أداة مساءلة له.

هنا لا يعود الصراع بين الحقيقة والبقاء صراعًا ظرفيًا، بل يتحوّل إلى سؤال سياسيّ وجودي: هل تُدار الكتابة بوصفها أداة كشف للواقع، أم بوصفها آلية لإدامة التوازنات القائمة؟ وهل البقاء، حين ينفصل عن الحقيقة، يظل شكلًا من أشكال الحياة، أم يتحوّل إلى مجرد استمرار فارغ يعيد إنتاج الانهيار بصيغة قابلة للتعايش؟، يُنظر فيها إلى الشعوب ككائنات ناجية لا كذواتٍ حرة.

إنّ ما تكشفه اللحظة الفلسطينية الراهنة ليس فقط أزمة سياسة، بل أزمة معنى: معنى القلم، ومعنى الحقيقة، ومعنى أنْ يُكتَب تاريخ شعب يعيش تحت ضغط الفقد والانقسام والحرب. وفي مثل هذه اللحظة، لا يعود السؤال: من يكتب عن فلسطين؟ بل: بأي منطق تُكتب فلسطين أصلًا؟

إنّ أخطر ما تواجهه هذه اللحظة ليس أنْ تُهزم الرواية، بل أنْ تتحول الرواية نفسها إلى أداة إدارة للهزيمة؛ تُعاد صياغتها بما يكفل بقاء الفاعلين لا بقاء الحقيقة، ويُعاد تدويرها بما يضمن استمرار المواقع لا تصحيح المسار. وحينها لا يعود القلم شاهدًا على الواقع، بل شريكًا في تثبيته كما هو، حتى لو كان هذا الواقع في جوهره شكلًا ممتدًا من الانكشاف.

في مثل هذا السياق، لا تكون الخيانة فعلًا صاخبًا يمكن رصده، بل انزياحًا هادئًا في وظيفة الكلمة: من مساءلة الفاعلين السياسيين إلى تبريرها، ومن تفكيك الأزمة إلى تأبيدها، ومن الدفاع عن الحقيقة إلى التعايش مع انحرافها. وهنا تحديدًا لا تُقاس خطورة القلم بما يكتبه، بل بما يتواطأ على عدم قوله.
وحين تتداخل الحقيقة مع البقاء، لا يخسر الإنسان أدواته فحسب، بل يخسر قدرته على التمييز بين ما يُبقيه حيًا وما يجعله مجرد شاهد على حياة تُدور في الفراغ.



#عائد_زقوت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تناطُح عنزان على حدِّ السكين
- الأوكتاجون.. لحظة مصرية
- 30 يونيو: ثورة الشعب وإحياء الدولة
- مِن الغباء أنْ تستمر غبيًّا
- الانتخابات وسؤال المرجعية
- حين تفشل الهزيمة في صناعة النصر
- منقار البط... كائنات خارج التصنيف
- مُفاعِل الوكلاء
- نحو لحظة عربية فاصلة (5)
- نحو لحظة عربية فاصلة (4)
- نحو لحظة عربية فاصلة (3)
- الأبائية وإعادة إنتاج الشرعية: قراءة في النموذج الفصائلي الف ...
- نحو لحظة عربية فاصلة (2)
- نحو لحظة عربية فاصلة (1)
- في زمن الهشاشة: العصبية وإعادة تشكيل الولاء السياسي
- الزيدي: توازنات هشة وولاءات متضاربة
- الزمن كسلاح: الهدنة المفتوحة وتآكل الردع الاستراتيجي
- الشرق الأوسط: بين استعصاء الهيمنة والردع المتبادل
- في مستعمرة الخريف
- أوهام النفوذ: مَن يَحكم مَن؟


المزيد.....




- حصد ملايين المشاهدات.. -جيموثي- الراكون الغامض يشعل تفاعلًا ...
- مصر.. -صائد الأفاعي- يعود إلى الواجهة بعد ظهوره في الفيوم
- مقتل جندي أمريكي في شمال العراق مع استمرار الحرب مع إيران
- رئيس مولدوفا السابق يرفض الوحدة مع رومانيا
- إصابة 9 أشخاص في إطلاق نار في ولاية أريزونا
- حين أصبح الرقم أقوى حجة وبرهانا من الكلمة الجزء 2 من الحوار ...
- صحيفة ألمانية: فون دير لاين تجاهلت الجدل بشأن إقالة وزير الد ...
- روبيو يبحث مع الرئيس اللبناني تنفيذ الاتفاق الثلاثي
- روايتان وسجال متجدد.. جدل جديد حول مصير أموال المواطنين في ع ...
- السلطات الإيرانية تحذر المواطنين من نشر محتوى يضر بالأمن الق ...


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عائد زقوت - فلسطين والقلم وما يَسْطُرُون