أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عائد زقوت - منقار البط... كائنات خارج التصنيف














المزيد.....

منقار البط... كائنات خارج التصنيف


عائد زقوت

الحوار المتمدن-العدد: 8729 - 2026 / 6 / 7 - 13:19
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ليس من باب الترف البلاغي أنْ نستهل هذه الافتتاحية بعالم الحيوان، بل لأجل كشف تشابه يتجاوز الظاهر؛ فثمة كائنات تتجاوز حدود التصنيف، لا لأنها أكثر تعقيدًا فحسب، بل لأنها تكسر وَهْم القوالب الجاهزة التي اعتادت العقول الركون إليها. منقار البط، أو خَلد الماء، أو ما يُعرف في بعض البيئات بـ"الدنبوع"، واحد من تلك الكائنات التي تبدو كأنها خُلِقت لفضح هشاشة التصنيف ذاته.
فهو يحمل منقارًا يشبه منقار البط، ويضع البيض كما تفعل الزواحف والطيور، ثم يُرضع صغاره بالحليب كالثدييات. وله ذيل يشبه ذيل القُندس، وأقدام مُكففة كأقدام الطيور المائية، بينما يمتلك الذكر شوكة سامة في قدمه الخلفية، وهي سِمة نادرة بين الثدييات.

هذا الكائن لا "يجمع صفات" بقدر ما يُربك فكرة التصنيف ذاتها، ويكشف حدود العقل حين يحاول اختزال الحياة في صناديق مغلقة. إنه ليس حالة تنوع، بل حالة تمرد على القالب.
تكمن المفارقة في أنَّ ما هو استثناء في الطبيعة، يبدو في الواقع الاجتماعي والسياسي نمطًا متكررًا لا عارضًا. فثمة فاعلون لا ينتمون إلى فكرة بقدر ما ينتمون إلى موقع؛ ولا إلى مبدأ بقدر ما ينتمون إلى فرصة؛ ولا إلى وضوح بقدر ما ينتمون إلى قدرة دائمة على إعادة تشكيل أنفسهم وفق ميزان المصلحة، لا ميزان الحقيقة.

هنا لا يعود التعدد ثراءً، بل يصبح قِناعًا. ولا يعود التحوّل مرونة، بل يُصبح سلوكًا دائمًا للتنصل من أي التزام. تتبدل الخطابات كما يتبدل الطقس، وتتغير المواقف كما تُبدّل الملابس، ويُعاد تصنيع القناعة في كل محطة وفق الحاجة، لا وفق الإيمان.

والأخطر أنّ هذا النمط لم يعد استثناءً عابرًا، بل تحوّل إلى بُنية كاملة تُنتِج نفسها وتعيد إنتاج شرعيتها من داخل الفوضى ذاتها؛ بُنية لا تعيش إلا على الهشاشة، ولا تزدهر إلا في مناطق الالتباس، ولا تتغذى إلا على الغموض المتعمد.
ولذا فإنّ السؤال لم يعد: ما الموقف؟ بل: ما الذي يُربِح الآن؟ وأي رواية هي الأكثر قابلية للتسويق في لحظة معينة؟

غير أنّ ما يحدث في الواقع الفصائلي الفلسطيني، لا يمكن اختزاله في خانة واحدة صلبة؛ فهو في كثير من الأحيان مزيجٌ معقّد بين الضرورة التي تفرضها شروط الواقع، وبين مساحات من الانتهازية التي تتسلل إلى الفعل السياسي وتعيد تشكيله. بيد أنّ هذا التداخل، حين يُترك دون معيار ضابط أو أُفق جامع، ينعكس سلبًا على مسار القضية الفلسطينية سياسيًا وإنسانيًا، ويزيد من هشاشة القدرة على إنتاج فعل سياسي متماسك ومستقر، بما ينعكس بصورة مباشرة على بنية الحالة السياسية الفلسطينية ذاتها.

إلا أنّ هذا الأثر لا يتوقف عند حدود المسار السياسي، بل يمتد إلى بُنية أعمق، إذ يتجسد هذا النمط في الواقع الفلسطيني، فهو لا يظهر كحالة منفصلة أو استثناء محلي، بل كتكثيف شديد لذات المنطق: تختلط المصلحة بالانتهازية، والمبدأ بالتموضع، والتمثيل بالادعاء، حتى يغدو التعدد نفسه غطاءً لإعادة إنتاج البُنى ذاتها بدل مساءلتها.
فيغدو الاختلاف اختلافًا في التموضع داخل نظام واحد من الالتباس أكثر منه اختلافًا حقيقيًا في الرؤية، الأمر الذي جعل الأناركية السياسية، بمعنى غياب المركز الناظم وتآكل المعايير الحاكمة للفعل العام، تنتقل من هامش المشهد إلى قلبه، حتى بدت اللاسياسة وكأنها أحد أشكال إدارة السياسة الفلسطينية ذاتها.
لكنّ هذا التراكم في الالتباس لا يُنتِج حالة واحدة متجانسة بقدر ما يفتح الباب لتداخل غير مضبوط بين ما هو مرونةٌ مشروعة وما هو انزلاقٌ في إدارة الفعل السياسي،
سيّما في سياق المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار في غزة، وما تحمله من إعادة تشكّل لموازين الفعل السياسي حيث لا يُدار بوصفه سياسة، بل بوصفه شكلاً من إدارة اللاسياسة داخل فراغ تتسع فيه مناطق الالتباس أكثر من مناطق القرار.

بيد أنّ الإشكال لا يكمن في وجود قدر من المرونة بحد ذاته، بل في غياب الثوابت المشتركة والمؤسسات القادرة على ضبط هذه المرونة وتحويلها إلى قوة إنتاج سياسي، بدل أنْ تنزلق إلى حالة من الفوضى وإعادة إنتاج الالتباس.

وهكذا لا تكون المشكلة في الحدث وحده، بل في المنظومة التي تتقنه، وتعيد تدويره، وتحوله إلى مورد دائم. وهنا تحديدًا يغدو الخطر بنيويًا لا طارئًا؛ ويصبح الفساد طريقة عمل لا مجرد عرضٍ عابر؛ ويصير الانتهاز قاعدة تُدار بها المرحلة بأكملها لا استثناءً عليها.

إنّنا أمام واقع لا يكتفي بخلط الصفات، بل يصنع من الخلط ذاته هوية، ومن الالتباس نظامًا، ومن التلون عقل إدارة كامل. وهو أخطر ما يمكن أنْ يصل إليه أي سياق سياسي أو اجتماعي: حين يصبح عدم الثبات هو القاعدة، لا الانحراف عنها.

الهويات الجامدة تَقتُل، لكنها ليست وحدها ما يهدد الحياة العامة؛ فالهويات السائلة حين تفقد أيّ مركز أخلاقي أو مرجعي قد تتحوّل بدورها إلى شكل آخر من القتل الصامت، لأنها تجعل من المُساءلة أمرًا مستحيلًا، ومن الحقيقة مسألةَ تأويل دائم لا نهاية له.
كأنّ الالتباس نفسه صار فضيلة، وكأنّ "خَلد الماء البشري" لم يعد استثناءً متحوّلًا، بل نمطًا أصيلًا يطلب الاعتراف لا التفسير.



#عائد_زقوت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مُفاعِل الوكلاء
- نحو لحظة عربية فاصلة (5)
- نحو لحظة عربية فاصلة (4)
- نحو لحظة عربية فاصلة (3)
- الأبائية وإعادة إنتاج الشرعية: قراءة في النموذج الفصائلي الف ...
- نحو لحظة عربية فاصلة (2)
- نحو لحظة عربية فاصلة (1)
- في زمن الهشاشة: العصبية وإعادة تشكيل الولاء السياسي
- الزيدي: توازنات هشة وولاءات متضاربة
- الزمن كسلاح: الهدنة المفتوحة وتآكل الردع الاستراتيجي
- الشرق الأوسط: بين استعصاء الهيمنة والردع المتبادل
- في مستعمرة الخريف
- أوهام النفوذ: مَن يَحكم مَن؟
- هدنة فوق الرماد
- لماذا لم تُسَقط طهران؟
- أهمية الخطاب: بين الصدمة والمسؤولية
- من ركام الحرب إلى إدارة الجهل
- البدائية الشعبوية والشكلانية المعاصرة: تعطيل الوعي وتعليق ال ...
- من أوهام السلطة إلى قيادة حقيقية: معركة استعادة المشروع الوط ...
- من قضية تحرّر إلى إدارة أزمة


المزيد.....




- سيارة ذاتية القيادة تعيق المرور قرب موقع انفجار مميت في تكسا ...
- إيران.. الوسيط الباكستاني يلتقي عباس عراقجي.. ماذا نعلم؟
- الهجوم الإسرائيلي منح حزب الله جرأةً أكبر زاعما أنه المدافع ...
- -الإبادة لم تتوقف-: رئيسة سلوفينيا ترفع العلم الفلسطيني بالق ...
- فشل ترامب في الحفاظ على وقف إطلاق النار يعد جزءاً من الفوضى ...
- رهان جيوسياسي بين روسيا وأوروبا في الانتخابات البرلمانية في ...
- هجوم بإطلاق نار يسفر عن قتيل و5 مصابين بوسط إسرائيل
- شقيقة كيم: برنامج كوريا الشمالية النووي -غير قابل للتفاوض-
- ملف جديد يلاحق إسرائيل في لاهاي بعد استهداف -أسطول الصمود-
- كيف تحول ملف الأموال المجمدة إلى مفتاح لتقدم المفاوضات الأمر ...


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عائد زقوت - منقار البط... كائنات خارج التصنيف