أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عائد زقوت - الزيدي: توازنات هشة وولاءات متضاربة














المزيد.....

الزيدي: توازنات هشة وولاءات متضاربة


عائد زقوت

الحوار المتمدن-العدد: 8692 - 2026 / 4 / 29 - 08:23
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم يكن تكليف علي فالح الزيدي بتشكيل الحكومة العراقية حدثًا عابرًا، ولا نتاج اختيار فردي، بل تعبيرًا دقيقًا عن منطق النظام السياسي العراقي بعد 2003. ففي بنية تقوم على المحاصصة الطائفية–الإثنية، لا يُنتج القادة بقدر ما تُفرز شخصيات وظيفية.
وتخضع هذه العملية لمعادلة مزدوجة: مقبولة داخليًا بالحد الأدنى لتمرير الكتلة الأكبر، وغير مرفوضة خارجيًا بما يضمن استمرار التوازن الدولي.

يأتي الزيدي برصيده الاقتصادي والقانوني وخبرته السياسية المحدودة كحصيلة شبه حتمية لهذه المعادلة. فبعد استبعاد شخصيات ذات ثقل سياسي بفعل اعتراضات أميركية ودولية، اتجه الإطار التنسيقي إلى خيار أقل صدامية وأكثر قابلية للتكيّف. وهنا، ينزاح دور رئيس الوزراء من موقع القيادة إلى وظيفة إدارة الأزمة؛ لا بوصفه صانع دولة، بل كحارس مؤقت لتوازنات دقيقة.

غير أنّ المعضلة الأعمق ليست في الشخص، بل في البنية. فالمواطنة، باعتبارها رابطة قانونية وسياسية جامعة تهدف إلى ربط الفرد بالدولة على أساس الحقوق والواجبات المتساوية، لم تتبلور كإطار ناظم للعلاقة بين المواطن والدولة، بل تراجعت أمام منظومات ولاء أكثر رسوخًا: مذهبية، حزبية، ميليشياوية، وعشائرية. وهذه الولاءات المتضاربة لا تعمل كعوامل هامشية، بل كمرتكز فعلي للنظام السياسي وإعادة إنتاج السلطة.

وعندما تتقدّم هذه الانتماءات على رابطة المواطنة، تتحول الدولة من كيان جامع إلى ساحة تنازع مفتوح، وتغدو المؤسسات أدوات لتوزيع النفوذ لا لبناء قرار سيادي. هنا يتبدّى الخلل البنيوي: نظام لا يواجه الاختلال بل يديره، ويخشى كسر توازناته أكثر مما يسعى إلى إصلاحها.

ضمن هذا المنطق، لا يُعد غياب القيادة الحاسمة خللًا طارئًا، بل نتيجة طبيعية. فالنظام يُفضّل شخصيات مرنة قادرة على المناورة والتسوية، على حساب إنتاج قيادة قادرة على إعادة تعريف قواعد اللعبة. وهكذا يصبح: "التوافق" بديلًا عن القرار، و"إدارة الأزمة" بديلًا عن بناء الدولة.

غير أنّ استمرار هذا النمط يحمل مخاطر تراكمية. فإعادة إنتاج التوازنات نفسها تُضعف شرعية الدولة تدريجيًا، خاصة لدى جيل يرفض منطق المحاصصة، وتزيد من قابلية الانفجار الاجتماعي كما شهدت احتجاجات تشرين 2019. كما تُبقي العراق مفتوحًا أمام التأثيرات الخارجية، وعاجزًا عن معالجة أزماته البنيوية: من البطالة وتردي الخدمات، إلى شح المياه والتحديات المناخية. ومع أي صدمة كبرى مثل انخفاض حاد في أسعار النفط أو تصعيد إقليمي قد تنزلق الفوضى المُدارة إلى فوضى منفلتة.

في هذا السياق، يقف الزيدي داخل مفارقة حادة: يُكلّف بتشكيل حكومة في دولة يفترض أنها مركزية، فيما تتوزع السلطة الفعلية خارج مؤسساتها—بين قوى سياسية، وفصائل مسلحة، وتوازنات إقليمية. وعليه، فإنّ أي محاولة جادة لتعزيز المواطنة ستُقرأ كتهديد لهذه البنية، ما يدفع إلى احتوائها أو إجهاضها مبكرًا.

خلاصة الأمر، لا يمثل تكليف الزيدي نقطة تحوّل، بل إعادة تدوير لنمط الاستقرار عبر الفوضى: دولة لا تنهار بفعل مواردها وتوازناتها الخارجية، لكنها لا تُبنى لأنها محكومة ببنية تمنع الحسم وتُبقيها في توازن هش ومعطوب.

العراق، بهذا المعنى، ليس استثناءً بل نموذجًا وظيفيًا لاستراتيجية أوسع في إدارة الشرق الأوسط: ضبط الفوضى بدل إنهائها، وإبقاء الدول في حالة لا حرب ولا سلام، بما يحول دون تشكّل سيادة مكتملة أو قرار وطني مستقل. إنها معادلة تُنتج استقرارًا هشًا يكفي لمنع الانهيار، لكنه لا يسمح بالنهوض.

ولا يقتصر هذا النمط على العراق وحده، بل يتجاوز حدوده ليطال ساحات أخرى. ومن هذه الزاوية، لا يبدو ما يُطرح في غزة بعيدًا عن هذا المنطق، بل امتدادًا له: إدارة للصراع عبر إبقائه مفتوحًا ومجزّأً، واستنزافه زمنيًا بدل حسمه سياسيًا. الفوضى هنا ليست عرضًا جانبيًا، بل أداة.
وإذا كان العراق قد مثّل خلال العقدين الماضيين مختبرًا عمليًا لهذا النمط، فإنّ تعميمه على ساحات أخرى لا يعني سوى إعادة إنتاج الحلقة ذاتها بأدوات مختلفة.
لذلك، ما دام هذا النموذج قائمًا، سيظل العراق عالقًا في حلقة مفرغة، وستبقى شخصيات مثل الزيدي—مهما حسنت نواياها—مجرد واجهات لإدارة التوازن، لا لتغييره.



#عائد_زقوت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الزمن كسلاح: الهدنة المفتوحة وتآكل الردع الاستراتيجي
- الشرق الأوسط: بين استعصاء الهيمنة والردع المتبادل
- في مستعمرة الخريف
- أوهام النفوذ: مَن يَحكم مَن؟
- هدنة فوق الرماد
- لماذا لم تُسَقط طهران؟
- أهمية الخطاب: بين الصدمة والمسؤولية
- من ركام الحرب إلى إدارة الجهل
- البدائية الشعبوية والشكلانية المعاصرة: تعطيل الوعي وتعليق ال ...
- من أوهام السلطة إلى قيادة حقيقية: معركة استعادة المشروع الوط ...
- من قضية تحرّر إلى إدارة أزمة
- مجلس ترامب للسلام: تدوير الهيمنة بأدوات جديدة
- التحوّل السياسي لوظيفة الدولار وإعادة هندسة الهيمنة النقدية ...
- الثورة -مرآة بوجهين-
- بين الاصطفاف والقضية: الانهيار الخفي للمشروع الوطني
- هزيمة العقل داخل الجماعة: سوسيولوجيا التفكير الجمعي
- اللصوصية النّاعمة… حين يُصبح الجُوع مشروعًا سياسيًا
- بين التّطبيل والتّهبيل: إدارة المأساة بلا سياسة
- أُفول فرانس–إفريقيا... تحوّلات موازين القوى العالمية
- غزة بين الإعمار والهيمنة: كيف تُدار الطاقة بعد الحرب؟


المزيد.....




- ترامب بتدوينة -إيران أبلغتنا أنها في حالة انهيار- ويوضح ما ت ...
- إيران توضح ما تفعله في الخليج ومضيق هرمز أمام مجلس الأمن
- ترامب: الولايات المتحدة -هزمت إيران عسكريا-
- وزير التعليم العالي السوداني للجزيرة نت: إغلاق المراكز الخار ...
- هآرتس عن قائد إسرائيلي: مهمتنا الوحيدة تدمير كل شيء بجنوب لب ...
- انتقم لأوروبا.. الملك تشارلز يرد على ترامب بـ-دعابة لاذعة-
- إحراج ملكي في واشنطن.. تعليق مفاجئ من ترامب
- إرهاق الحروب.. لماذا تختفي نزاعات من الشاشات؟
- إلهان عمر وتصريح -الحرب العالمية الحادية عشر- ما حقيقته؟
- القضاء الأمريكي يلاحق جيمس كومي بتهمة تهديد حياة ترمب


المزيد.....

- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عائد زقوت - الزيدي: توازنات هشة وولاءات متضاربة