عائد زقوت
الحوار المتمدن-العدد: 8599 - 2026 / 1 / 26 - 09:36
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
الأموك السياسي كتحوّل بنيوي في المسار الفلسطيني.
مع الإعلان عن تدشين "مجلس السلام" في الشرق الأوسط، يتكشّف بوضوح أنّ الفلسطينيين لم يُكتفَ بمناقشتهم أو الإشارة إليهم رمزيًا، بل يُعاد تعريفهم في السياسات الدولية كقضية أمنية، أو مسؤولية إنسانية، أو ملف إداري، لا كفاعل سياسي يتمتع بالتمثيل الشرعي وحق تقرير المصير.
هذا الغياب ليس طارئًا، بل هو نتاج مسار سياسي تراكمي تكثّف على مدى سنوات، عبر فشل أوسلو في إقامة دولة فلسطينية، وتقادم السلطة، والتغوّل الاستيطاني. وقد أسهمت أحداث أكتوبر 2023 في بلورته وتسريعه. فبدل أنْ تفتح هذه الأحداث أفقًا سياسيًا جديدًا، أعادت تصنيف القضية الفلسطينية داخل النظام الدولي، وحوّلتها تدريجيًا إلى أداة ضبط، لا فاعلًا يُؤثّر ويُقرّر.
يمكن فهم هجوم أكتوبر 2023 – دون تبريره أو إطلاق حكم أخلاقي عليه – بوصفه حالة أموك سياسي–جمعي، وفق مقاربات علم النفس السياسي وعلم الاجتماع السياسي، حيث ينشأ الانفجار الجماعي من تراكم ضغط بنيوي طويل، وانسداد الأفق السياسي، وضغط أيديولوجي مكثّف.
الأموك من منظور علم النفس السياسي
وفق مقاربات علماء النفس السياسي، مثل فاميكي فولكان في تحليله للهوية الجماعية والصدمات المختارة، وإرفينغ جانيس في مفهوم التفكير الجمعي، لا يُفسَّر السلوك السياسي المتطرّف بالجنون أو العشوائية، بل بمنطق مشوَّه يتشكّل تحت ضغط نفسي وجماعي مزمن.
فـ"الأموك"، في أصله النفسي، هو انفجار عنيف مفاجئ يعقب فترة طويلة من القمع والإذلال وانسداد الأفق. وعند إسقاطه على الجماعات السياسية، يتحوّل إلى سلوك جمعي تحت الضغط، يتميّز بتراكم الإحساس بالإهانة والتهديد الوجودي، واستدعاء سرديات أيديولوجية تمنح للانفجار قيمة رمزية تفوق المصلحة طويلة الأمد.
في هذه الحالة، قد يُفضِّل الفاعل السياسي الصدمة الرمزية على الاستدامة السياسية، رغم أنّ نتائجها غالبًا ما تكون كارثية على المجتمع نفسه.
غزة كحاضنة ضغط سياسي–اجتماعي
شكّلت غزة مركز الأحداث، سواء ما قبل أكتوبر 2023 وما بعده، مع تكريس الانقسام ومشروع حكم لتيار الإسلام السياسي. فأصبحت غزة نموذجًا مكتمل الأركان لبيئة ضغط بنيوي مرتفع: ممارسات إسرائيلية خشنة، حصار طويل أضعف البنى الاقتصادية والاجتماعية والمؤسسية، وغياب أي مسار سياسي جاد نحو الدولة أو السيادة، إلى جانب تغذية إسرائيل للانقسام، وتحولات إقليمية ودولية همّشت القضية الفلسطينية تدريجيًا.
ومن منظور علم الاجتماع السياسي، تُنتج هذه البيئة ما يمكن تسميته "انهيار الزمن السياسي"، حيث يفقد المستقبل صفته كأفق مُحفِّز، وتتحوّل السياسة من مشروع استراتيجي إلى سلسلة ردود أفعال آنية. وفي ظل هذا الانهيار، لا يُولد الانفجار من شعور بالقوة، بل من إحساس بأنّ الزمن نفسه بات عدوًا.
الأيديولوجيا وتضخيم الانفجار
لا يمكن فهم الأموك السياسي في أكتوبر بمعزل عن البُنية الأيديولوجية لحركة حماس، بوصفها امتدادًا تاريخيًا وتنظيميًا لجماعة الإخوان المسلمين ذات السردية المغلقة، التي تُقدِّس ذاتها وتُنكر ما سواها.
يُقدّم هذا الإطار الصراع باعتباره مسألة وجودية وخلاصية، لا ملفًا سياسيًا قابلًا للإدارة التدريجية، ويُعلي من قيمة الأفعال الرمزية على حساب المكاسب التراكمية، ويُعيد تعريف "النجاح" بمفاهيم أخلاقية وتاريخية، لا بمعايير حماية المجتمع واستدامة الحياة.
وفي لحظات الضغط القصوى، تتحوّل الأيديولوجيا إلى عامل تسريع للانفجار، حيث تُبَرَّر المخاطر الكارثية باسم التاريخ أو "المشروع"، ويتحوّل الأفراد إلى أدوات في خدمة السردية، لا محورًا للعملية السياسية.
التحوّل من الفاعل السياسي إلى آلية ضبط إنسانية
لم تكن التداعيات الأخطر لأحداث أكتوبر عسكرية بقدر ما كانت خطابية وبنيوية. فعلى المستوى الدولي، جرى تفريغ القضية الفلسطينية من بُعدها السياسي، وإعادة تعريفها بوصفها مسألة أمنية–إنسانية: من قضية احتلال إلى ملف استقرار، ومن صراع حقوق إلى إدارة مخاطر، ومن مشروع تسوية سياسية إلى أزمة إنسانية مضبوطة.
ويتجلّى هذا التحوّل اليوم في طريقة إدارة غزة، عبر منظومة وصاية دولية، وإشراف خارجي، وترتيبات أمنية وإدارية تُفضِّل احتواء الأزمة على معالجتها. وفي هذا السياق، لم يعد الفلسطيني فاعلًا سياسيًا يمتلك المبادرة، بل موضوعًا للتخطيط والإدارة والاستثمار.
النيوليبرالية الإنسانية: وصاية حداثية
لم تكن هذه الوصاية المتشكّلة بعد أكتوبر 2023 مجرّد ترتيبات أمنية أو إدارية عابرة، بل جاءت منسجمة مع منطق أوسع يمكن توصيفه بـ"النيوليبرالية الإنسانية"، حيث يُعاد تعريف الصراع السياسي بوصفه أزمة إنسانية قابلة للإدارة التقنية، لا قضية تحرّر وحقوق قابلة للتفاوض السياسي.
في هذا الإطار، يُنظر إلى الفلسطينيين كسكان يُدارون، أكثر من كونهم مواطنين فاعلين سياسيًا، ويُضبط بقاؤهم واحتياجاتهم الأساسية ضمن معايير الحدّ الأدنى، بما يضمن استقرار الوضع دون معالجة جذور الصراع. وهكذا، تُستبدل لغة الحقوق والسيادة بمؤشرات الاستقرار والمراقبة، وتتحوّل المساعدات الإنسانية من دعم مؤقت إلى أداة ضبط، تحكم الفعل السياسي وتعيد صياغة التمكين بوصفه قدرة على التكيّف مع الواقع، لا تغييره.
وبالتوازي، أسهمت هذه التحوّلات في ترسيخ فصل سياسي–وظيفي بين غزة والضفة الغربية؛ فغزة أُعيد تعريفها كحيّز أمني–إنساني خاضع للمراقبة، فيما استقرّت الضفة الغربية كفضاء إداري–أمني تحت نفوذ مباشر. هذا الفصل لا يُعمّق الانقسام الجغرافي فحسب، بل يضرب الهوية الوطنية الجامعة، ويُفكّك التمثيل السياسي، ويُقيِّد القدرة الفلسطينية على التأثير في مسار القضية.
السياق الإقليمي
لا يمكن فصل تهميش الفلسطيني بعد تداعيات أكتوبر 2023 عن التحوّلات الإقليمية التي أفرزت بيئة سياسية دفعت قوى الإقليم إلى تبنّي قرارات سيادية متوازنة، أعادت تعريف القضية الفلسطينية بوصفها مسألة استقرار وإدارة.
في الحالة المصرية، بلغت العلاقة مع إسرائيل حافة التوتر في ما يتصل بسيناء واتفاقية السلام وملحقاتها الأمنية، ما أعاد توجيه الدور المصري نحو منطق احتواء غزة أمنيًا، والعمل على وقف الحرب، وإدخال المساعدات، مع التأكيد على رفض التهجير، وحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة على حدود 1967. وهو تأكيد ظلّ محكومًا بسقف إدارة الأزمة، رغم محاولات فتح أفق سياسي محدود.
أما السعودية، فقد انتقل موقفها من دعم قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة وفق المبادرة العربية للسلام، إلى التعامل مع هذا الاستحقاق كبند تفاوضي مؤجَّل ضمن ترتيبات إقليمية أوسع.
وفي السياق ذاته، برز الدور الإيراني، إذ جرى توظيف القضية الفلسطينية ضمن الاستراتيجية الإقليمية لإدارة الصراع مع الولايات المتحدة وإسرائيل، لا كمسار وطني مستقل. ومع ما بعد أكتوبر 2023، تعمّق استخدام غزة في إطار "وحدة الساحات" كورقة ضغط قابلة للتفجير أو التهدئة، وفق حسابات إقليمية، إلى أنْ تراجع هذا الدور بعد حرب الأيام الاثني عشر.
وفي المقابل، رأت إسرائيل في هذه البيئة منضدة جاهزة، وفق مدونة يوسف كارو "الشولحان عاروخ"، فاستثمرت كل طاقتها لتكريس نفسها لاعبًا مركزيًا في إقليم المتوسط، وتعميق منطق إدارة "عدم الاستقرار"، والفصل الوظيفي بين غزة والضفة الغربية، بحيث يصبح غياب الفلسطيني كفاعل سياسي شرطًا لنجاح هندسة السلام، لا خللًا فيها.
من الانفجار إلى الوصاية: سلام بلا فلسطين
أسهمت أحداث أكتوبر 2023 في تسريع انتقال القضية الفلسطينية من موقع الفاعل السياسي إلى موضوع للإدارة والوصاية، حيث جرى اختزال السردية الفلسطينية في أبعاد الأمن والإغاثة الإنسانية، على حساب لغة الحقوق والقانون الدولي. وبهذا التحوّل، لم يعد "السلام" يُطرح بوصفه مسارًا سياسيًا قائمًا على إنهاء الاحتلال وتقرير المصير، بل كمنظومة لإدارة الأزمات وضبط عدم الاستقرار.
وفي هذا السياق، تبدو مبادرات مثل مجلس السلام الترامبي مهيّأة لإعادة إنتاج هذا المنطق، ما لم يُعاد بناء خطاب سياسي يعيد الاعتبار للتمثيل الفلسطيني الفاعل والقدرة على المبادرة.
ولم يتوقف هذا التحوّل عند إعادة تعريف القضية سياسيًا، بل طال عمقها الأخلاقي، مع توجيه منظمة العفو الدولية اتهامات لحركة حماس وفصائل فلسطينية أخرى بارتكاب أفعال قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية خلال هجوم أكتوبر، في لحظة كانت تستمد فيها الرواية الفلسطينية أحد أهم مصادر قوتها من تفوّقها الأخلاقي.
وعليه، لا تكمن مأساة أكتوبر في كلفتها الإنسانية وحدها، بل في نتيجتها السياسية الأخطر: تكريس إخراج الفلسطيني من المجال السياسي، وتحويل قضيته إلى ملف إنساني–أمني خاضع للوصاية الدولية.
ومن دون كسر حالة السبات الرسمي والفصائلي، ولا سيما حركة فتح بوصفها العمود الفقري للحركة الوطنية، وذلك باستنهاض بنيتها التنظيمية وخطابها السياسي، بما ينسجم مع مستجدات الحالة الفلسطينية الكأداء، واستعادة الهوية الجماعية والتمثيل الفاعل، وإنهاء الانقسام، وإعادة صياغة الخطاب السياسي والأيديولوجي عبر إعادة هيكلة منظمة التحرير، وانتخابات شاملة، وضغط إقليمي ودولي لاعتراف مجلس الأمن بدولة فلسطين، سيظل الفلسطيني حاضرًا كحالة إنسانية في الخطاب الدولي، وغائبًا كفاعل سياسي صاحب حق.
وعندها، سيصبح السلام مجرّد مصطلح ناعم لإدارة الأزمة، لا مشروعًا سياسيًا حقيقيًا.
#عائد_زقوت (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟