أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عائد زقوت - من ركام الحرب إلى إدارة الجهل














المزيد.....

من ركام الحرب إلى إدارة الجهل


عائد زقوت

الحوار المتمدن-العدد: 8615 - 2026 / 2 / 11 - 02:47
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


تفكيك المنظومة التعليمية في غزة

بين الدمار والفراغ المعرفي، يقف التعليم الفلسطيني في مواجهة حربٍ صامتة؛ ففي خضمّ العدوان وتداعياته الكارثية، يخوض التعليم في غزة اختبارًا وجوديًا لا يقلّ خطورة عن الدمار المادي الذي طال الحجر والبشر.
فالمعركة اليوم لم تعد محصورة في إعادة فتح المدارس أو تعويض الفاقد التعليمي، بل باتت معركة على معنى التعليم ذاته: هل هو حقّ عام ومشروع وطني، أم نشاط إسعافي هشّ يُدار بعقلية السوق، قابل للتسليع والاستثمار في لحظة الانهيار؟

بعد حرب الإبادة التي تعرّض لها القطاع، انهارت المنظومة التعليمية عمليًا. ووفق تقديرات اليونيسف مطلع عام 2026، تضرّر أو دُمّر أكثر من 90% من المدارس في قطاع غزة، فيما يُحرم نحو 60% من الطلبة من أي وصول منتظم إلى التعليم الحضوري. وفي ظل هذا الانهيار، لم يلتحق سوى نحو نصف الطلبة بأشكال تعليمية بديلة، كثير منها مُجزّأ ومُختلّ، مع تداخل في التسجيل، واختزال فادح في المحتوى والزمن التعليميين. هذه المعطيات لا تعبّر فقط عن خلل تقني أو ظرف طارئ، بل تكشف حجم الكارثة المعرفية التي تتشكّل ببطء تحت غبار الحرب، كما تشكّل مؤشرًا سياسيًا خطيرًا على تفكّك الدور العام، وعلى التعامل مع التعليم بوصفه ملفًا إغاثيًا لا أولوية وطنية.

في هذا الفراغ، تصدّرت المشهد عشرات، بل مئات، من الوحدات التعليمية التي سُمّيت "مبادرات"، بوصفها استجابة ضرورية لحاجة مُلحّة. ولا يمكن إنكار أنّ بعض هذه الجهود أدّى دورًا إسعافيًا محدودًا، غير أنّ الإشكال يبدأ حين يتحوّل الاستثناء إلى قاعدة، وحين يُستَخدم العمل التطوعي غطاءً لغياب التخطيط، وتُحوَّل المعاناة إلى مادة للتمويل، ويغدو التعليم مساحة استعراض للمانحين لا مسارًا منضبطًا لبناء الوعي. ففي الواقع الملموس، نجد طلبة يتداخل تسجيلهم ويدرسون المحتوى ذاته في أكثر من نقطة تعليمية، فيما تُهمَل مواد أساسية، أو تُختزل المعرفة في ملخّصات سريعة بلا تسلسل أو تقييم. ويُضاف إلى ذلك افتقار هذه النقاط إلى الحدّ الأدنى من المقومات اللوجستية التي تضمن بيئة تعليمية ملائمة. هنا لا نواجه خللًا طارئًا، بل نمطًا متكاملًا لإدارة الفراغ، تُدار فيه الفوضى باسم المبادرة، ويُعاد إنتاج الجهل تحت لافتة الإنقاذ.

الأشدّ خطورة أنّ هذا النمط لا يعالج الهشاشة والانهيار، بل يعيد إنتاجهما. فحين يُختزل التعليم ويُفكَّك في مبادرات متفرّقة بلا معايير وطنية ولا مساءلة، لا يُبنى وعيٌ معرفي، بل يُراكَم فاقدٌ معرفي، وتُعمَّق اللامساواة، وتُفرَّغ الأجيال من أدوات النقد والفهم. وهكذا لا يعود الجهل نتيجة جانبية للحرب، بل موردًا يُدار ويُستثمر سياسيًا واجتماعيًا في سياق الفوضى، وتحت شعارات الإغاثة والتدخّل العاجل.

إنّ التحدّي الحقيقي لا يكمن في عدد الصفوف المؤقتة أو نقاط التعليم الطارئة، بل في استعادة المعنى السياسي والأخلاقي للتعليم. فالتعليم، في سياق غزة، ليس قطاعًا خدميًا محايدًا، بل ساحة صراع على الذاكرة والمعنى والمستقبل، وفعل مقاومة بامتياز: مقاومة للنسيان، وللهيمنة، ولمحاولات إنتاج جيل معطّل الوعي والقيم ومعلّق التاريخ. وهذا يتطلّب شجاعة جماعية لمواجهة تجارة الجهل، والانتقال من منطق الإغاثة إلى منطق الاستراتيجية، ومن إدارة الكارثة إلى مساءلة أسبابها ومآلاتها.

من هنا، فإنّ استعادة التعليم ليست مسألة صفوف مؤقتة أو مناهج مختصرة، بل معركة سياسية وأخلاقية بامتياز؛ معركة تتطلّب كسر منطق السوق الإغاثي، ووقف العبث القائم باسم المبادرات، والانتقال من إدارة الكارثة إلى مواجهتها. وتشكل الخطوة الأولى في هذا المسار تشكيل هيئة تعليم طوارئ وطنية موحّدة، بمرجعية واضحة، ومعايير ملزمة، وقدرة فعلية على التنسيق والمساءلة، وربط أي جهد تعليمي بخطة شاملة لإعادة بناء النظام التعليمي.

من دون ذلك، سيبقى التعليم في غزة يدور في حلقة مفرغة: ينجو شكليًا، ويتآكل جوهريًا، فيما يُدار الخراب باسم إنقاذه، ويُنتَج جيل كامل معلّق بين الصدمة والفراغ.



#عائد_زقوت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- البدائية الشعبوية والشكلانية المعاصرة: تعطيل الوعي وتعليق ال ...
- من أوهام السلطة إلى قيادة حقيقية: معركة استعادة المشروع الوط ...
- من قضية تحرّر إلى إدارة أزمة
- مجلس ترامب للسلام: تدوير الهيمنة بأدوات جديدة
- التحوّل السياسي لوظيفة الدولار وإعادة هندسة الهيمنة النقدية ...
- الثورة -مرآة بوجهين-
- بين الاصطفاف والقضية: الانهيار الخفي للمشروع الوطني
- هزيمة العقل داخل الجماعة: سوسيولوجيا التفكير الجمعي
- اللصوصية النّاعمة… حين يُصبح الجُوع مشروعًا سياسيًا
- بين التّطبيل والتّهبيل: إدارة المأساة بلا سياسة
- أُفول فرانس–إفريقيا... تحوّلات موازين القوى العالمية
- غزة بين الإعمار والهيمنة: كيف تُدار الطاقة بعد الحرب؟
- في ذكرى رحيل أمي
- حين يُصبح الألم وقودًا... ويحيا نهج الشيطان
- تركيا أُنموذجًا لاختبار واشنطن نظامًا جيوسياسيًا شرق أوسطيًا ...
- حِينَ يَنهضُ القَلبُ من حُطامِهِ
- العلاقات المصرية الإسرائيلية.. بين الأمن والسيادة-- إدارة ما ...
- بين الصهيونيّة الدينيّة والصهيونيّة الليبراليّة: إسرائيل إلى ...
- من وعد بلفور إلى الاعتراف الأوروبي: قرن من التحوّلات بين الو ...
- حين يتكلم التاريخ بلسان مصر


المزيد.....




- مي زيادة في الذكرى 140 لولادتها: الرائدة التي رفضت دور -المل ...
- أب يطلق النار على ابنته بعد -جدال حول ترامب-، ما القصة؟
- قائد شرطة سابق يقول إن ترامب أخبره في 2006 أن -الجميع- كانوا ...
- العراق يقول إنه لن يكون -مستودعاً دائماً للإرهابيين الأجانب- ...
- إطلاق نار في مدرسة ثانوية بكندا: مسلح يقتل تسعة أشخاص قبل أن ...
- العليمي: أي سلام مع الحوثيين بلا ضمانات سيعيد العنف
- كارني يتعهد بتسوية أزمة ترامب حول جسر غوردي هاو بين كندا وال ...
- الديمقراطيون يضغطون على إدارة ترمب ويحددون مطالبهم بشأن قوان ...
- -صراع على النفوذ-.. استياء أوروبي متزايد من استفزازات ترمب
- تيليغرام في مرمى الرقابة الروسية مجدداً.. لماذا قيّدت موسكو ...


المزيد.....

- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عائد زقوت - من ركام الحرب إلى إدارة الجهل