أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عائد زقوت - الأبائية وإعادة إنتاج الشرعية: قراءة في النموذج الفصائلي الفلسطيني















المزيد.....

الأبائية وإعادة إنتاج الشرعية: قراءة في النموذج الفصائلي الفلسطيني


عائد زقوت

الحوار المتمدن-العدد: 8705 - 2026 / 5 / 14 - 13:47
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


يمكن فهم الأبائية هنا بوصفها بنية معرفية تُعيد تشكيل علاقة الإنسان بالزمن، بحيث لا يعود الماضي مجرد طبقةٍ من الخبرة التاريخية، بل يتحول إلى معيار متعال يسبق السؤال نفسه، ويربط الصواب في الامتداد الأبائي. إنها ليست مجرد وفاء للتاريخ، بل نظامٌ خفي لإعادة إنتاج الشرعية عبر الامتداد الرمزي، حيث يُستبدل البرهان بالانتماء، ويُستبدل الفهم بالتماهي مع سردية مكتفية بذاتها اكتست بالقداسة.
في هذا السياق، يتغير مركز السؤال ذاته: من سؤال باحث عن الحقيقة إلى سؤال خائف من فقدان المعنى. وهنا تكمن إحدى أخطر عِلل العقل الجمعي؛ إذ لا يعود معيار الصواب قائمًا على قوة البرهان، بل على مقدار الاقتراب من "الأصل المؤسِس"، سواء تجسد هذا الأصل في القبيلة، أو التاريخ النضالي، أو العقيدة التنظيمية، أو الرمزية الثورية.
يتحول الموروث، في هذا الأفق، من خبرةٍ تُفهم إلى سلطة تُعبد، تُقيم حصنًا نفسيًا ضد السؤال، وسورًا اجتماعيًا يمنع تسرب الحقيقة إلى العقول، فيهيمن "السؤال الخائف" المتردد..
ومع هذا التحول، لا يُقمع السؤال النقدي دائمًا بالقوة المباشرة، بل يُحاصر نفسيًا وأخلاقيًا، بحيث تبدو المراجعة خيانة رمزية، لأنّ نقد السردية لا يُفهم بوصفه نقدًا للتنظيم فقط، بل بوصفه تصدعًا في الهوية التي تماهى معها الفرد نفسيًا ووجوديًا. وهكذا يتشكل "السؤال الخائف": سؤالٌ لا يبحث عن الحقيقة بقدر ما يبحث عن صيغة آمنة لا تصطدم بالسردية المهيمنة.
ومن هنا تتجلى مفارقة الوعي السياسي في كثير من البُنى العربية: أنْ يتحول التاريخ من مجال للفهم إلى آلية لإغلاق الفهم، وأنْ تتحول الذاكرة من طاقة نقدية إلى سور يحمي اليقين المغلق. فالماضي لا يبقى حدثًا منتهيًا، بل يصبح بنية حاضرة تُعيد تعريف الحاضر وتفرض عليه حدود التفكير الممكن.
في اللحظة العربية الراهنة، تتخذ الأبائية شكلًا بنيويًا في إنتاج الشرعية السياسية والاجتماعية، حيث تُستبدل معايير الكفاءة والبرهان بمعايير الامتداد والتماثل مع الأصل المؤسِس. وبهذا المعنى، لا تُقاس الشرعية بقدرة البنية السياسية على التجدد، بل بقدرتها على إثبات اتصالها الرمزي بالمصدر الأول، حتى لو أصبح هذا الاتصال ذاته عائقًا أمام التكيف مع الواقع.
وعندما تنتقل هذه البنية من مستوى الوعي إلى مستوى التنظيم السياسي، فإنها تعيد تشكيل مفهوم القوة نفسه. فالتنظيم لا يعود مجرد أداة تمثيل سياسي، بل يتحول إلى حامل لهوية كلية تُشتق منها الشرعية وتُستمد منها الطاعة. وهنا تتشكل "القوة المغلقة"، حيث يصبح النقد الداخلي تهديدًا للهوية لا جزءًا من تطويرها، ويغدو الحفاظ على التماسك النفسي للتنظيم مقدمًا على مراجعة فاعليته السياسية.
وهذه البنية المغلقة لا تنشأ من الداخل وحده، بل تتغذى أيضًا على بيئة صراعية تُكافئ قابلية التوقع وتُعاقب التحولات غير المنضبطة. ففي الحالة الفلسطينية، تستفيد إسرائيل استراتيجيًا من بقاء البُنى الفصائلية داخل أنماط شرعية مألوفة، حيث تصبح القيادات التاريخية معروفة المسارات وقابلة للاحتواء أو الاستهداف أو التفاوض ضمن خرائط إدراك مستقرة. أما التحولات الجيلية العميقة وإنتاج قيادات غير متوقعة، فتمثل حالة إرباك لبنية السيطرة ذاتها، لأنها تُدخل فاعلين لا يعملون ضمن القواعد الإدراكية المعتادة للصراع. ومن هنا، لا تبدو الأبائية مجرد أزمة داخلية، بل أيضًا نتيجة ضغط خارجي يدفع التنظيمات إلى التشبث بالتماسك والهويات الصلبة خوفًا من التفكك أو الاختراق.
في السياق الفلسطيني، تظهر هذه الديناميكية بوضوح داخل البُنى الفصائلية التاريخية. ففي حركة فتح، يتجلى الأمر في مستويين متداخلين: أولهما تحويل الرصيد التاريخي للحركة من مصدر إلهام إلى معيار يحدد حدود الممكن السياسي، ومصدر شبه حصري للشرعية، بحيث يُنظر إلى القيادة بوصفها امتدادًا للتأسيس أكثر من كونها تعبيرًا متجددًا عن الإرادة السياسية. وثانيهما ميل البنية التنظيمية إلى إعادة إنتاج النخب ذاتها، بما يجعل المراجعة الجيلية تبدو أحيانًا كأنها مساسٌ بالرمزية التاريخية للحركة نفسها. ومن هنا يكتسب المؤتمر الثامن دلالته الأعمق: ليس باعتباره حدثًا تنظيميًا فقط، بل بوصفه اختبارًا لقدرة الحركة على تحويل تاريخها من مصدر حصانة إلى مصدر قابلية للتجدد.
أمّا في حركة حماس، فتظهر الإشكالية في توتر مختلف بين بنية عقائدية تمنح التنظيم تماسكه الصلب، وبين ضرورات الواقع السياسي والعسكري التي تفرض أشكالًا من إعادة التنظيم وإعادة إنتاج الشرعية الداخلية. وهنا لا يكون السؤال متعلقًا فقط بآليات القيادة أو الانتخابات، بل بطبيعة العلاقة بين "الثبات: الذي يحفظ الهوية، و"الحركة" التي تضمن الاستمرار. غير أنّ هذه المرونة لا تُفهم بوصفها قطيعة مع الأصل، بل بوصفها إعادة تأويل له. فكل تجديد داخل البنية التنظيمية يظل مضطرًا للمرور عبر السردية المؤسِسة لا القطيعة معها، بما يجعل التغيير نفسه محكومًا بسقف الامتداد الرمزي حتى وهي تتغير شكليًا.
في الحالتين، تتكشف الإشكالية المركزية: كلما تعمق اعتماد التنظيمات السياسية على السردية المؤسِسة بوصفها مصدرًا نهائيًا للشرعية، تقلصت المسافة بين الذاكرة والسلطة، وأصبح التاريخ ليس ما حدث فعلًا، بل ما يجب أنْ يستمر في تعريف الحاضر. وهنا تتقاطع الأبائية بوصفها نمطًا ذهنيًا مع منطق القوة غير الدولتية بوصفه نمطًا تنظيميًا، حيث يُعاد إنتاج الشرعية خارج إطار الدولة، ولكن أيضًا خارج آليات المراجعة المستمرة.
ومن هنا، تتخذ "اللحظة العربية الفاصلة" معناها الأعمق: إنها ليست مجرد لحظة صراع سياسي، بل لحظة اختبار لعلاقة المجتمعات العربية بالزمن ذاته. فإمّا أنْ يبقى الماضي دائرة مغلقة يُعاد فيها إنتاج المعنى نفسه بأشكال مختلفة، أو يتحول إلى مادة مفتوحة للنقد وإعادة التأسيس. وفي هذا التوتر لا يُختبر الماضي بقدر ما تُختبر قدرة الحاضر على التحرر من هيمنته دون السقوط في إنكاره.
وهكذا لا يعود السؤال الحقيقي: كيف تُنتَج الشرعية؟ بل: هل تستطيع البُنى السياسية العربية سيّما الفلسطينية أنْ تؤسس لشرعية تستمد بقاءها من القدرة على المراجعة، لا من وهم الاستمرارية المقدسة؟



#عائد_زقوت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نحو لحظة عربية فاصلة (2)
- نحو لحظة عربية فاصلة (1)
- في زمن الهشاشة: العصبية وإعادة تشكيل الولاء السياسي
- الزيدي: توازنات هشة وولاءات متضاربة
- الزمن كسلاح: الهدنة المفتوحة وتآكل الردع الاستراتيجي
- الشرق الأوسط: بين استعصاء الهيمنة والردع المتبادل
- في مستعمرة الخريف
- أوهام النفوذ: مَن يَحكم مَن؟
- هدنة فوق الرماد
- لماذا لم تُسَقط طهران؟
- أهمية الخطاب: بين الصدمة والمسؤولية
- من ركام الحرب إلى إدارة الجهل
- البدائية الشعبوية والشكلانية المعاصرة: تعطيل الوعي وتعليق ال ...
- من أوهام السلطة إلى قيادة حقيقية: معركة استعادة المشروع الوط ...
- من قضية تحرّر إلى إدارة أزمة
- مجلس ترامب للسلام: تدوير الهيمنة بأدوات جديدة
- التحوّل السياسي لوظيفة الدولار وإعادة هندسة الهيمنة النقدية ...
- الثورة -مرآة بوجهين-
- بين الاصطفاف والقضية: الانهيار الخفي للمشروع الوطني
- هزيمة العقل داخل الجماعة: سوسيولوجيا التفكير الجمعي


المزيد.....




- -صفعة ماكرون- سببها علاقة مزعومة بينه وممثلة إيرانية؟
- المغرب-نيجيريا: مشروع أنابيب غاز -يعيد رسم خارطة الطاقة- في ...
- مباشر: حزب الله يقول إنه استهدف جنودا شمالي إسرائيل بواسطة ط ...
- حكومة علي الزيدي تنال ثقة البرلمان العراقي.. وتعهدٌ بحصر الس ...
- بين طوابير المساعدات وتجاهل ترمب.. حرب إيران تفاقم أزمات الأ ...
- ترمب جاء إلينا في الصين فرارا من فخ -ثوسيديديس-
- مدير -سي آي إيه- في كوبا وحكومتها تدرس مقترح مساعدات أمريكية ...
- سجون روسيا أُفرغت بـ40%.. فهل ذهب السجناء إلى الحرب؟
- استقالة وزير الصحة تزيد الضغوط على ستارمر وتفتح الباب لمنافس ...
- مسؤول أميركي بارز: محادثات إسرائيل ولبنان مثمرة وإيجابية


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عائد زقوت - الأبائية وإعادة إنتاج الشرعية: قراءة في النموذج الفصائلي الفلسطيني