أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عائد زقوت - حين تفشل الهزيمة في صناعة النصر














المزيد.....

حين تفشل الهزيمة في صناعة النصر


عائد زقوت

الحوار المتمدن-العدد: 8736 - 2026 / 6 / 14 - 13:35
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


أخطر ما يمكن أنْ يفعله المهزوم، فردًا كان أم جماعة أم دولة، ليس خسارة المعركة ذاتها، بل العجز عن تشخيص أسباب الهزيمة والجرأة على مواجهتها. فالمُقامر والمُغامر ينتظران دائمًا ضربة حظ تُعوّض الخسائر، ويُبددان الوقت والقدرات في محاولة تزيين الهزيمة أو تحسين شروطها في أفضل الأحوال.
أمّا الأفراد والجماعات والكيانات الحيّة القادرة على النهوض، فهي لا تتوقف عن طرح الأسئلة الصعبة: أين أخطأنا؟ ولماذا أخطأنا؟ وما السنن والثوابت التي خالفناها؟ وما الذي ينبغي فعله كي نحصد نتائج مختلفة في المستقبل؟

الشك واليقين في هذا السياق ليسا نقيضين مطلقين، بل يتداخلان في مسار التجربة الإنسانية، فالشك لم يكن يومًا عدوًا للحقيقة إذا كان شكًا صادقًا يسعى إلى المعرفة، بل هو مدخلها الأول ومختبرها الدائم. كما أنّ اليقين ليس فضيلة في ذاته إذا كان يقينًا موروثًا جامدًا يدعو إلى التسليم الميكانيكي دون أنْ يمرّ بميزان العقل والضمير والوجدان، فيتحوّل عندها من يقين مُنتِج إلى يقين مُعطِّل.

فالتاريخ لا يعرف المفاجآت بقدر ما يعرف التراكمات؛ وهو لا يكافئ المُقامرات بقدر ما يكافئ الإعداد، ولا يجزي الأوهام بقدر ما يجزي الاعتراف بالخطأ واستخلاص العبر من الهزيمة.
فالتحرير ليس أمنيات، والنهضة ليست صدفة، والنصر لا يُولد عشوائيًا، ولا ينشأ من تناقضات تحمل أسباب فشلها منذ لحظة ولادتها.

وفي هذا السياق، تُظهر التجارب التاريخية أنّ الهزيمة ليست نهاية المسار بالضرورة، بل قد تتحوّل إلى نقطة انطلاق جديدة حين تُواجه بوعي نقدي صارم. فقد تمكنت فيتنام من تحويل هزائمها المتكررة إلى نصر تاريخي، ليس بالقوة العسكرية وحدها، بل عبر مراجعة داخلية عميقة وإعادة صياغة أدواتها واستراتيجياتها بما يتلاءم مع الواقع. وكذلك فعلت ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية، حين تحولتا من أنقاض هزيمة ساحقة إلى قوى اقتصادية كبرى، نتيجة مراجعة جذرية لبنياتهما السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

وفي المقابل، تُظهر بعض التجارب في المنطقة العربية، سيّما الفلسطينية، أنّ غياب المراجعة النقدية العميقة قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الهزيمة بأشكال مختلفة، حيث تتكرر أنماط الصراع ذاتها دون إعادة تعريف للأدوات أو الأهداف أو العلاقة بين الفعل السياسي والمجتمع؛ فيتحوّل الاستمرار في النهج نفسه، رغم تغير السياقات، إلى إعادة تدوير للأزمة بدل تجاوزها، بما يُضعِف القدرة على تحويل التضحيات إلى نتائج استراتيجية مستدامة.

النجاح الحقيقي في الحياة عمومًا، وفي العمل السياسي على وجه الخصوص، يبدأ من إدراك قيمة "الآن" بوصفها مساحة لاتخاذ القرار، لا لحظة التأمل المجرد؛ فالأُمم لا تُدار بالانتظار ولا تُبنى بالمراهنة على المستقبل، بل بالقدرة على تحويل اللحظة الراهنة إلى فعل واعٍ يعيد تشكيل المسار؛ فكل تأجيل للقرار هو شكل من أشكال صناعة الفراغ، وكل تردد في لحظة التحوّل يعيد إنتاج الأزمة بدل تجاوزها.

والمستقبل ليس محطة تصلها الشعوب تلقائيًا، بل مسار يُصنع من تراكم الخيارات الصحيحة في الحاضر. ومن هنا فإنّ "الآن" ليست شعارًا تحفيزيًا، بل نقطة التقاء بين الإرادة السياسية والوعي الجمعي، بين تشخيص الواقع واتخاذ القرار، وبين إدراك الأخطاء والشروع في تصحيحها.
وعلى هذا المستوى، فإنّ ما يبدو قرارًا فرديًا في وعي القائد أو صانع القرار يتحوّل إلى بنية جماعية تحدد مصير شعب كامل، ما يجعل من إدارة "الآن" معيارًا للفشل أو النجاح، لا في الحياة الفردية فحسب، بل في التاريخ أيضًا.

وإنْ لم تصل التجارب السياسية في المختبر الغزي إلى
مستوى إدراك قوانين التاريخ، فإنّ ما يجري اليوم لن يكون استثناءً في مسار الصراع، بل صورة متكررة للوقوف على حافة الهاوية والصراخ خوفًا من السقوط، فيما تغيب الأسئلة المتعلقة بكيفية الوصول إليها، وسبل الفكاك والخروج منها، فتُعاد إنتاج الهزيمة بأدوات جديدة مهما تبدلت الشعارات والوجوه.

فالتاريخ لا يمنح استثناءات دائمة، بل يمنح فرصًا مشروطة بالوعي والفعل، ومن لا يُراجع مساره في ضوء التجربة يتحوّل من صاحب قضية إلى أسير لها، ومن مشروع تحرر إلى حالة استنزاف ممتد.
وهكذا، فإنّ من لا يتعلم من الهزيمة لا يخرج منها، بل يعيد إنتاجها بصيغ مختلفة، حتى تتحوّل من حدث عابر إلى مسار تاريخي متكرر، ومن تجربة سياسية إلى بنية فشل مستمرة.
وعندها تمضي السنن كما مضت في تجارب سابقة، إلى حيث لا تُكافأ المُقامرة ولا تُغتفر الأخطاء المتكررة، فالتاريخ في النهاية لا ينتظر أحدًا، ولا يمنح شرعية لمن يعيد تدوير العجز.

و في السياق ذاته، وعلى الرغم من أنّ إسرائيل تنظر إلى الصراع بوصفه صراعًا وجوديًا، وما يفرضه ذلك من سياق جيوسياسي بالغ التعقيد، واختلال كبير في موازين القوى، وتوازنات دولية غير متكافئة، فإنّ هذه المعطيات، على أهميتها، لا تُلغي ضرورة الاحتكام إلى منطق الفعل السياسي وقوانين التاريخ؛ وإنْ لم يرتقِ أصحاب القرار في المشهد الفلسطيني، وخصوصًا في غزة، إلى مستوى المسؤولية الوطنية والتاريخية، فإنّ سنن التاريخ وقوانين الاجتماع البشري ستمضي بهم إلى صحاري السياسة ومنافي التاريخ، حيث لا مكان لمن يكرر الأخطاء ذاتها وينتظر نتائج مختلفة، ولا لمن يفتقر إلى الشجاعة التاريخية في مراجعة خياراته أو يلوذ بالتذاكي السياسي المُسِفّ هربًا من مواجهة الحقائق.



#عائد_زقوت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- منقار البط... كائنات خارج التصنيف
- مُفاعِل الوكلاء
- نحو لحظة عربية فاصلة (5)
- نحو لحظة عربية فاصلة (4)
- نحو لحظة عربية فاصلة (3)
- الأبائية وإعادة إنتاج الشرعية: قراءة في النموذج الفصائلي الف ...
- نحو لحظة عربية فاصلة (2)
- نحو لحظة عربية فاصلة (1)
- في زمن الهشاشة: العصبية وإعادة تشكيل الولاء السياسي
- الزيدي: توازنات هشة وولاءات متضاربة
- الزمن كسلاح: الهدنة المفتوحة وتآكل الردع الاستراتيجي
- الشرق الأوسط: بين استعصاء الهيمنة والردع المتبادل
- في مستعمرة الخريف
- أوهام النفوذ: مَن يَحكم مَن؟
- هدنة فوق الرماد
- لماذا لم تُسَقط طهران؟
- أهمية الخطاب: بين الصدمة والمسؤولية
- من ركام الحرب إلى إدارة الجهل
- البدائية الشعبوية والشكلانية المعاصرة: تعطيل الوعي وتعليق ال ...
- من أوهام السلطة إلى قيادة حقيقية: معركة استعادة المشروع الوط ...


المزيد.....




- -300 مليار دولار-.. كيف تحولتُ لمشكلة أمام ترامب في الاتفاق ...
- -البحث عن مخرج-.. كيف تغلبت إدارة ترامب على شكوك إيران للتوص ...
- غوتيريس يطلب الصفح من ضحايا العصابات في هايتي ويأسف لعجزه عن ...
- مجلس الشيوخ يحبط المحاولة التاسعة لكبح صلاحيات ترمب الحربية ...
- فانس في كتابه الجديد: الفجوة بين أوكرانيا وروسيا في القدرات ...
- رشوان: الرفض المصري لتهجير الفلسطينيين أسس لموقف عربي وإقليم ...
- موظف مسلح يطلق النار داخل مستشفى أمريكي ويصيب شخصين
- مكوّنة من 14 نقطة.. وكالة -بلومبيرغ- تنشر مسودة مذكرة التفاه ...
- صحيفة -يونغه فيلت-: المشاركون في قمة مجموعة السبع مستعدون لت ...
- ترامب يكشف ملامح اتفاق مع إيران يمنعها من امتلاك سلاح نووي و ...


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عائد زقوت - حين تفشل الهزيمة في صناعة النصر