أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عائد زقوت - بين طوفانين... الغائب الحاضر















المزيد.....

بين طوفانين... الغائب الحاضر


عائد زقوت

الحوار المتمدن-العدد: 8841 - 2026 / 9 / 27 - 02:47
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في ضوء ما أكده الوسطاء الفلسطينيون وغيرهم بشأن ما نشرته "هآرتس" عن نقل رسائل تحذيرية إلى الجانب الإسرائيلي، عبر قنوات أمنية وسياسية، تتعلق بالتحضير لعملية واسعة النطاق من قطاع غزة وما قد تفضي إليه من تداعيات خطيرة، بات مشروعًا إعادة طرح السؤال الذي نشرته في مقال "مَن صنع الكارثة؟" عبر حلقتين متتاليتين.

فنحن أمام مشاهد أقرب إلى الأدب البارومالي؛ ونعني به الأدب الذي يتناول الظواهر الخارقة التي يتعذر تفسيرها.
وهي مشاهد توحي في غرابتها وتداخل أطرافها بأنّ الكارثة صُنعت في مختبرات بيولوجية، فأنتجت وباءً مركبًا سامًا متعدد الأطراف، لا ترياق له إلا باستعادة وحدة الموقف الفلسطيني، بعيدًا عن التجاذبات الفئوية، وقطع الصلة بالمحاور، ثم تحقيق توافق عربي.

وإلا ستبقى الطريق ممهدة أمام مشهد بارومالي ساخر، ينحرف فيه المشروع الوطني عن مساره التاريخي، ويُصفّى مشروع الدولة الفلسطينية كما أقرّته قرارات الشرعية الدولية وما تبعها من اتفاقيات، ليحل محله بديل تحت مسميات مختلفة.

وفي خضم هذا المشهد البارومالي، يقف المرء طويلًا مع نفسه، عاجزًا عن تفسير دور أولئك الباروماليين، ومأخوذًا بالألم والحسرة إزاء ما آلت إليه الحالة الفلسطينية من انهيار سياسي واقتصادي واجتماعي، جراء الطوفان الأكتوبري وجميع صانعيه من الطبقة البارومالية.
لكن في المشهد نفسه يتراءى للعقل الطوفان النُّوحيّ؛ فهو ليس قصة عابرة عن قوم عصوا نبيهم، ثم انتهت حكايتهم بالماء والطوفان.

ومن يقرأ طوفان نوح بهذه الطريقة يفوّت جانبًا بالغ العمق من دلالته الإنسانية؛ ففي ثنايا القصة مشهد كامل لانهيار الإنسان قبل انهيار العمران.
يبدأ المشهد برفض الحقيقة، ويمر بالاستكبار وعبادة المصالح واتباع أصحاب النفوذ، وينتهي بمجتمع لم يعد الفساد فيه مجرد انحراف فردي، بل أصبح بنية تحمي نفسها بنفسها. ولذلك لم يكن الطوفان، في معناه الأعمق، بداية النهاية، بل النهاية المرئية لمسار طويل من الانهيار الداخلي، وانتقامًا لأفكار خانت نفسها.

وفي المقابل، لم تكن نجاة نوح ومن معه مجرد نتيجة للطوفان الإلهي، بل كانت ثمرة الاستجابة للتكليف وتحويل المعرفة إلى فعل، إعدادًا وتخطيطًا وتنفيذًا، وحكمةً في تقدير الموقف تكتيكيًا واستراتيجيًا بمفهوم عصرنا. فصنع السفينة وأحكم صناعتها، وتحمّل سخرية الساخرين، واجتهد في إيصال المعرفة من دون تجهيل أو تضليل، وظل يعمل للمآلات لا للإنجازات المرحلية. وحين جاء الأمر، استوى هو ومن معه على الجودي، لتبدأ مرحلة جديدة من الحياة البشرية.

وهنا تكمن أهمية قراءة الطوفان النُّوحيّ بالنسبة إلى عصرنا. فهي لا تضعنا أمام سؤال، ماذا حدث لقوم نوح؟ بقدر ما تضعنا أمام أسئلة أكثر قسوة، ماذا يحدث للإنسان حين يصبح عاجزًا عن سماع الحقيقة؟ وماذا يحدث للمجتمع حين يختل ميزان القيم فيه؟ وماذا يحدث لمكوّنات المجتمع، سواء كانت دولة أم حركات سياسية أم أفرادًا، حين تتحول من مشروع لصناعة المستقبل إلى جهاز لإدارة اليوميات؟

ومن هنا تبرز أهمية أنْ نُرجع البصر كرَّتين، حين قراءة الطوفان الأكتوبري ضمن سياق الطوفان النُّوحيّ؛ لا لمقارنة الطوفانين فحسب، بل للتأمل في الفارق بين طوفان أُحسن الاستعداد له والاستجابة لتداعياته فأفضى إلى جودي، وطوفان لم يُحسن أصحابه بناء جوديّه.

ولا تعني المقارنة بينهما مساواة بين مستوييهما؛ فطوفان نوح جاء بتكليف إلهي، أمّا طوفان أكتوبر فهو فعل بشري، ولذلك لا يستمد صوابه من القداسة أو من عدالة القضية وحدها.
وهو ليس حدثًا عابرًا، بل جاء في سياق طويل من الاستعلاء؛ استعلاء لا يقوم فقط على ادعاء امتلاك الحقيقة، بل على ادعاء امتلاك "الماروية"، أي ما وراء الحقيقة، حيث لا يعود الأمر متعلقًا بمعرفة الحقيقة، بل بامتلاك السلطة التي تحدد ما هي الحقيقة أصلًا.

فإذا كان طوفان نوح قد جاء بتكليف إلهي، فإنّ نوحًا لم يتعامل معه بمنطق الاتكال على التكليف وحده، بل استجاب له بعقل معرفي يحوّل الأمر إلى إعداد وتخطيط وتنفيذ وحسن تقدير للمآلات، رغم ندرة الموارد واضطراب الظروف.

أمّا طوفان أكتوبر، بوصفه فعلًا بشريًا، فكان أحوج ما يكون إلى هذا العقل المعرفي؛ وهو ما لم تُؤخذ أسبابه ومآلاته وحساباته بالقدر الذي يتناسب مع حجم الفعل وتداعياته.

وهنا تصبح المقارنة بين الطوفانين أكثر من تشابه في الصورة؛ إنها مقارنة بين نمطين في التعامل مع الخطر، عقل يستعد للمآل قبل وقوعه، وعقل قد ينشغل بإدارة اللحظة حتى يفقد القدرة على قيادة الخيارات المصيرية.

غير أنّ رفض الحقيقة لا يمكن اختزاله دائمًا في إرادة واعية ومكتملة؛ فإلى جانب الاستكبار والمصلحة، ثمة عوامل نفسية، كالصدمة التي قد تشل قدرة الفرد على استيعاب الواقع، وخوف اجتماعي من العزلة يدفع إلى تبني الخطأ الجماعي، وفكر مؤدلج يعيد تعريف حدود المسموح به. وهذه العوامل، مجتمعة، قد تحوّل رفض المعرفة إلى منظومة دفاعية لا واعية، تحتاج إلى تفكيك نفسي ومجتمعي، لا إلى إدانة أخلاقية فقط.

تبدأ الكارثة الحقيقية عندما يتغير تعريف الأشياء داخل الوعي نفسه؛ حين يصبح الخطأ مألوفًا، ويتحول الباطل إلى ما يشبه الحقيقة. وليس ذلك لأنّ الحقيقة لم تصل، بل لأنها وصلت واضحة جلية، ثم اتُّخذ قرار بألا تُسمع.
فالجهل يمكن علاجه بالمعرفة، أمّا حين تتحول المعرفة نفسها إلى تهديد للمصلحة أو المكانة أو الصورة الذاتية، يصبح رفضها وسيلة لحماية الوهم، ويغلق الإنسان بذلك الباب الذي يمكن أن يدخل منه الإصلاح.

ولا يعني ذلك أنّ الانهيار الداخلي جرى في فراغ؛ فالصراع الفلسطيني محكوم أيضًا بقوة خارجية احتلالية تمتلك فائضًا هائلًا من القوة العسكرية والسياسية والدولية، وتعمل على تعميق آثار الضعف والانقسام. لكن الاعتراف بقوة الخارج لا يلغي مسؤولية الداخل؛ فالعقل السياسي يبدأ من التمييز بين ما لا نملك تغييره وما نملك القدرة على تغييره.

ولا تقع المسؤولية على السلطة أو الحركات السياسية وحدهما؛ فالنخب الثقافية والأكاديمية والإعلامية تتحمل نصيبها حين تصمت أمام تكوين وهم الحقيقة، أو تعجز عن مقاومته، أو تتحول من إنتاج المعرفة إلى تبرير الواقع.

حينئذٍ لا يفقد المجتمع بوصلته السياسية وحدها؛ فقد يفقد أيضًا بوصلته المعرفية حين تتراجع النخب عن دورها في مساءلة السلطة، وكشف التناقض، وحماية المجال العام من تشكيل الماروية وبنائها.

لم يكن الجودي مجرد جبل استوت عليه السفينة، بل كان اللحظة التي تحولت فيها النجاة من حدث عابر إلى مشروع حياة جديدة.
فالسفينة التي صنعها نوح لم تنتهِ مهمتها حين توقف المطر؛ فقد حملت معها بذرة النظام والعقل والضمير، ثم أنزلتها على أرض تبدأ عليها حياة مختلفة، ليبدأ منها تاريخ جديد.

وهذا هو المعنى الذي نحتاج إليه اليوم؛ فالسفن الصغيرة التي ينبغي بناؤها في المجتمع الفلسطيني، سواء كانت مبادرات سياسية أم تعليمية أم اقتصادية، يجب ألا تخضع لمنطق اللصوصية الناعمة أو الشعارات الحزبية.
فهي ليست مجرد أدوات للبقاء تحت الحصار أو في مواجهة الانهيار؛ إنها محاولات لصنع "جودي" مصغّر داخل الفوضى القائمة، وسفن صغيرة تحفظ إمكان المستقبل.

ومن هنا يبدأ الجودي الفلسطيني بأنّ تتخلى جميع القوى والفصائل الفلسطينية عن الأقوميّة التي تدّعيها على الشعب، وعن الارتهان لمحاور عنكبوتية متشابكة المصالح، وأن تُجري مراجعة نقدية لمسيرتها السياسية، تصحح بها المسار أو تنكفئ بها إلى صحراء التاريخ.

ثم الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلًا شرعيًا ووحيدًا للشعب الفلسطيني، من دون قيود أو شروط، والانتقال إلى إصلاحها وإعادة بنائها عبر مراجعة نقدية لهياكلها وآليات عملها، بما يجعلها إطارًا وطنيًا جامعًا وقادرًا على حمل مشروع المستقبل، لا مجرد عنوان تاريخي، على قاعدة المرجعية الواحدة، والسلطة الواحدة، والقانون الواحد، والسلاح الواحد.

فالضمير وحده لا يصنع سياسة، ثم إنّ السياسة التي تفقد عقلها وضميرها لا تصنع مستقبلًا.
والنجاة لا تكتمل بالنجاة نفسها، ولا بالتأرجح بين شبح المبادئ وجثة البقاء، بل بالاستواء على نقطة نستطيع فيها أن نبدأ من جديد، لا من الصفر المطلق، بل من تراكم واعٍ لما حفظناه من عقل وضمير وقدرة على العمل.
وعندها فقط يتحول الطوفان من كارثة مدمرة إلى محطة فاصلة، ويتحول الجودي من رمز تاريخي إلى أفق ممكن.



#عائد_زقوت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مؤدِّب الكاذبين... -هلووووو... مين بتكلَم-.
- اليسار الفلسطيني: من إرث التحرر إلى مظلّة الانقسام
- طيف الأمان
- بين الشراكة والإصلاح… المساءلة أولًا
- مَن صنع الكارثة؟ الحلقة الثانية: مَن يصنع ما بعد الكارثة؟
- مَن صنع الكارثة؟ الحلقة الأولى: المعرفة التي سبقت الانفجار
- التفاوض استراتيجية وجود
- هُويّة الأزمة
- نظام التفاهة: لماذا لا يكفي الإصلاح؟ الجزء الثاني
- نظام التفاهة: لماذا لا يكفي الإصلاح؟ - الجزء الأول
- مكر التضحية: من شرعية المقاومة إلى احتكار البطولة ومأزق السل ...
- الواحِديّة: من السياسة إلى احتكار الحقيقة
- الممكن السياسي: استعمار المعنى وأدْلَنَة الصراع
- فلسطين والقلم وما يَسْطُرُون
- تناطُح عنزان على حدِّ السكين
- الأوكتاجون.. لحظة مصرية
- 30 يونيو: ثورة الشعب وإحياء الدولة
- مِن الغباء أنْ تستمر غبيًّا
- الانتخابات وسؤال المرجعية
- حين تفشل الهزيمة في صناعة النصر


المزيد.....




- أول تعليق من خارجية إيران بعد رفض ترامب مقترح فتح مضيق هرمز ...
- بعد تصويت اللاعبين، أيرلندا تخوض مباراتها أمام إسرائيل
- عشر سنوات سجن لسعد لمجرد ـ هل تصمد نجوميته أمام الحكم الجديد ...
- العميد شكارجي يتوعد: حتى بعد انتهاء الحرب.. قتلة خامنئي والش ...
- مشتبه بإلقائه مملحتين على طاولة نفتالي بينيت يسب خلال التحقي ...
- ترامب: أعمل على حل النزاع في أوكرانيا.. وهو الأصعب على الإطل ...
- لفتة غريبة لترامب بعد مصافحة زيلينسكي تثير أسئلة
- -جيش داخل الجيش- ذراع إسرائيل الرمادية لترسيخ مشروع ضم الضفة ...
- البابا يتحدث في باريس عن -العطش إلى المعنى- و-التعلق بالأصنا ...
- عاصفة -نورإيستر- تضرب أمريكا.. إلغاء رحلات و100 ألف منزل بلا ...


المزيد.....

- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عائد زقوت - بين طوفانين... الغائب الحاضر