أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عائد زقوت - مؤدِّب الكاذبين... -هلووووو... مين بتكلَم-.














المزيد.....

مؤدِّب الكاذبين... -هلووووو... مين بتكلَم-.


عائد زقوت

الحوار المتمدن-العدد: 8837 - 2026 / 9 / 23 - 03:01
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


كان أبي، عندما يردّ على الهاتف، يقول، على غير عادة الناس: "هلووووو"، ثم يرفع صوته: "مين بتكلَم؟"، ويكمل حديثه، وفي كل ردّ يرفع صوته أكثر، وكأنّ مَن على الجانب الآخر يقف بجواره، ويريد أنْ يُسمِعه بصوته لا عبر الهاتف.

كان هذا السلوك الأبوي العفوي قد تعلّمه في مدرسة الحياة، منذ زمن المندوب السامي البريطاني. وللأسف، لم يُسعفه العمر حتى يسعد بالمندوب السامي الجديد الذي أفضت إليه اتفاقية وقف القتال في غزة.

لم يكن سلوكه جزافًا، ولا تعبيرًا عن أُميّته، بل كان تعبيرًا ساخرًا، بلغة الإنجليز، عن السلوك القيادي الفلسطيني آنذاك؛ وكأنه يقول إنهم لا يفهمون سوى لغة المحتل.

لست من الذين يؤمنون بأنّ التاريخ يعيد نفسه؛ إنما هو قصور الإنسان في فهم تجارب الآخرين، واستخلاص العبر والدروس منها، علاوة على النزوة الذاتية التي تدفع الإنسان إلى خوض التجربة من جديد، ولكن بغباء؛ إذ إنّ خوض التجربة بالمعطيات ذاتها، وانتظار نتائج مغايرة، هو عين الغباء.

وفي هذا السياق، استوقفتني حكاية ذات دلالة. فحكى الحاكي أنّ أربعةً من الطلاب اختلقوا كذبة للتخلّص من امتحان الرياضيات؛ فقالوا لمعلمهم إنهم كانوا في سيارة، وفي طريق مجيئهم انفجر أحد إطاراتها في مكان خالٍ، فتأخروا عن الامتحان.

صدّقهم المعلم، وأجّل الامتحان إلى يوم آخر.
وفي الموعد الجديد، أدخلهم قاعة الامتحان، وفرّق بينهم، وأجلس كل واحد منهم في مقعد بعيد عن الآخر؛ فتفاجأ الطلاب بالأسئلة؛ فهي على غير ما توقعوه، وكان أولها:

أيّ إطار من إطارات السيارة الأربعة الذي انفجر؟
وتتابعت الأسئلة: في أي ساعة وقع ذلك؟، مَن كان يقود السيارة؟، كيف كان ترتيب جلوسكم داخلها؟
ثم ختم بسؤال أخير: هل تتوقعون أن يعطي أصدقاؤكم الإجابات نفسها؟
وقال لهم: إذا كانت الإجابات متطابقة، فلكم العلامة كاملة؛ وإن اختلفت، فلكم الرسوب.

لم يكن المعلم، في الحقيقة، يبحث عن الإطار الذي انفجر، ولا عن الساعة، ولا عن مقعد السائق. كان يبحث عن شيء آخر؛ هل تستطيع الكذبة أن تصمد حين يجلس أصحابها منفردين؟.

وحين فرَغْت من قراءة الحكاية، استدعت ذاكرتي أبي من قبره، ورأيته صوتًا وصورةً في مشهده الدائم:
"هلووووو... مين بتكلَم؟".

لهذا بدت لي الحكاية أبعد من أربعة طلاب حاولوا الإفلات من امتحان. بدت لي صورة تتكرر كلما جلس أصحاب الرواية الواحدة متجاورين، ثم تفرّقت بهم المقاعد، وطُرحت عليهم الأسئلة نفسها؛ فإذا بالرواية الواحدة تصير روايات، وإذا بما قيل مُجتمِعًا لا يصمد فرديًا؛ وهؤلاء الطلاب ليسوا إلا صورة تتكرر لمن يتكلمون بغير لغة شعبهم.

ولعلّ ما نمرّ به، ويمرّ بنا في المنطقة، وما يتسرّب من هنا وهناك عن تحذيرات سبقت أحداث السابع من أكتوبر، ليس إلا فصلًا آخر من الحكاية؛ حكاية طويلة، تتبدّل فيها الوجوه، وتتكرر فيها الأماكن، بينما يظل السؤال نفسه معلَّقًا: ماذا يحدث حين تتفرّق الرواية بأصحابها؟

وتستمر الحكاية بفصولها المفتوحة، وتقصّ علينا أقاصيص تعيد ترتيب المواقع، وتفرّق أصحاب الرواية الواحدة، ثم تترك لكلٍّ منهم إجابته؛ فيعود الخداع في ثوبٍ جديد، وتنساب الحكاية كالنهر المتدفق، ولا تجد صخرًا يواجهها ليوقف انسيابها.

وفي كل مرة، يُستدعى الشعب إلى موقع الشاهد؛ مرةً ليكون شاهدًا على الرواية، ومرةً غطاءً لها، ومرةً ذريعةً لتمريرها. لكنه، في نهاية المطاف، يجد نفسه هو السؤال الذي يتجنّب الجميع الإجابة عنه.

شعبٌ يُستعار اسمه حين يحتاجون إليه، وتُغسل به الأيدي، وتُبرَّر باسمه الصلات والعلاقات، ثم يُترك وحده في مواجهة ما لا يد له فيه. وهكذا، كلٌّ على طريقته، يتحول الشعب من صاحب الحكاية إلى جزء من ثمنها.

ثم لا يجد الكاذبُ المؤدِّبُ حرجًا في أن يقول، باسم الشعب: الموتُ للشعب؛ وعند فراغ الرواية من أصحابها، لا يبقى إلا السؤال الذي يتردّد بين الفجاج والأزقة، وصدى أطياف شعب بات مَكبًّا لنفاياتهم السياسية.
ومن ثنايا هذا المشهد الشائك المريب، يعود إليّ صوت أبي من قبره، كما كان دائمًا، مرتفعًا، مباشرًا، لا يعرف التردد... "هلووووو... مين بتكلَم؟"
كأنّه يسألهم جميعًا، كلٌّ على حدة، بعد أن تفرّقت بهم المقاعد.



#عائد_زقوت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اليسار الفلسطيني: من إرث التحرر إلى مظلّة الانقسام
- طيف الأمان
- بين الشراكة والإصلاح… المساءلة أولًا
- مَن صنع الكارثة؟ الحلقة الثانية: مَن يصنع ما بعد الكارثة؟
- مَن صنع الكارثة؟ الحلقة الأولى: المعرفة التي سبقت الانفجار
- التفاوض استراتيجية وجود
- هُويّة الأزمة
- نظام التفاهة: لماذا لا يكفي الإصلاح؟ الجزء الثاني
- نظام التفاهة: لماذا لا يكفي الإصلاح؟ - الجزء الأول
- مكر التضحية: من شرعية المقاومة إلى احتكار البطولة ومأزق السل ...
- الواحِديّة: من السياسة إلى احتكار الحقيقة
- الممكن السياسي: استعمار المعنى وأدْلَنَة الصراع
- فلسطين والقلم وما يَسْطُرُون
- تناطُح عنزان على حدِّ السكين
- الأوكتاجون.. لحظة مصرية
- 30 يونيو: ثورة الشعب وإحياء الدولة
- مِن الغباء أنْ تستمر غبيًّا
- الانتخابات وسؤال المرجعية
- حين تفشل الهزيمة في صناعة النصر
- منقار البط... كائنات خارج التصنيف


المزيد.....




- نائب لبناني يكشف لـRT سبب تأجيل المفاوضات اللبنانية-الإسرائي ...
- القوات السورية تدخل مدينة الحسكة وتفتتح مقرا لإدارة الشرطة ا ...
- اعتباراً من منتصف الليل.. مطارا بغداد ومسقط يوقفان استقبال ا ...
- روبوتات ترقص في نهائي برنامج مواهب أميركا مع شريك بشري
- في تحدّ للنتائج الرسمية.. المغتربون الروس يصوتون ضد حزب بوتي ...
- اليونان تستعيد عقولها من ألمانيا.. هل تبدأ معركة أوروبية جدي ...
- تزييف الحقائق.. حرب بلا نيران
- عراقجي يبلغ ويتكوف بشروط طهران لإعادة فتح مضيق هرمز
- هل تضم مقبرة توت عنخ آمون رفات الملكة نفرتيتي؟.. دراسة تفتح ...
- سوريا.. سقوط 5 قتلى باشتباكات بين عائلتين بريف حلب


المزيد.....

- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عائد زقوت - مؤدِّب الكاذبين... -هلووووو... مين بتكلَم-.