أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حمزة الكرعاوي - لا سيادة بلا دولة















المزيد.....

لا سيادة بلا دولة


حمزة الكرعاوي

الحوار المتمدن-العدد: 8847 - 2026 / 10 / 3 - 20:47
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


العراق بين الاحتلال المركب وغياب الدولة واستقلال القرار



عندما نتحدث عن العراق بعد عام 2003، فإنني لا أرى المشهد بوصفه مجرد انتقال من نظام سياسي إلى نظام سياسي آخر، ولا أتعامل مع ما جرى باعتباره ولادة طبيعية لدولة ديمقراطية جديدة. إن نقطة البداية، في قراءتي السياسية، هي الغزو والاحتلال وما ترتب عليهما من انهيار مؤسسات الدولة وإعادة تشكيل العراق سياسيًا وأمنيًا واجتماعيًا.

لقد دخلت القوات الأمريكية والبريطانية العراق عام 2003، وأصبح العراق تحت سلطة الاحتلال. وقد أشار قرار مجلس الأمن رقم 1483 الصادر في 22 مايو/أيار 2003 إلى الولايات المتحدة وبريطانيا بوصفهما «القوتين القائمتين بالاحتلال»، مع التأكيد على سيادة العراق وحق شعبه في تقرير مستقبله.

ومن هنا تبدأ الأسئلة التي ما زالت مطروحة حتى اليوم:

هل انتهى الاحتلال بانتهاء الوجود العسكري المباشر؟ وهل خروج بعض القوات الأجنبية يعني بالضرورة أن العراق أصبح صاحب قرار مستقل؟

في تقديري، لا يمكن الإجابة عن هذه الأسئلة بالنظر إلى حركة القوات وحدها، بل يجب النظر إلى طبيعة القرار السياسي والأمني والاقتصادي داخل العراق.

احتلالات مركبة

العراق، في هذه القراءة، لم يواجه شكلًا واحدًا من الاحتلال أو النفوذ، وإنما دخل في مرحلة يمكن وصفها بـ الاحتلالات المركبة.

هناك الاحتلال الغربي الذي بدأ بالغزو العسكري وإسقاط النظام القائم عام 2003.

وهناك النفوذ الإقليمي الذي توسع داخل العراق عبر الأحزاب والقوى السياسية والجماعات المسلحة والشبكات الاقتصادية والاجتماعية.

وهناك ما أراه أكثر خطورة: الاحتلال أو النفوذ المحلي من الداخل، عندما تصبح قوى عراقية أو جماعات تعمل داخل العراق مرتبطة بمشاريع وولاءات تتجاوز الدولة العراقية، فيصبح التدخل الخارجي ممكنًا من خلال أدوات محلية.

وهنا لا أتحدث عن العراقيين على أساس طائفي أو مذهبي، ولا أحمّل مذهبًا دينيًا بعينه مسؤولية ما جرى. إنما أتحدث عن تحويل الطائفة إلى مشروع سياسي، وتحويل الدين إلى سلطة، وتحويل الولاء السياسي إلى ولاء يتجاوز حدود الدولة الوطنية.

فالعراق ليس ملكًا لطائفة، ولا لحزب، ولا لمرجعية، ولا لدولة إقليمية.

العراق للعراقيين.

الدولة العراقية الغائبة

المشكلة الأساسية اليوم، في رأيي، ليست فقط وجود نفوذ خارجي، وإنما غياب الدولة العراقية بوصفها صاحبة القرار الأول والأخير.

فعندما تتقدم الخيارات الطائفية والمليشياوية على مؤسسات الدولة، وعندما يصبح السلاح خارج إطار القرار الوطني، وعندما تتعدد مراكز القوة والولاء، فإن الدولة تتحول من صاحب قرار إلى طرف بين أطراف متعددة.

وهنا يصبح السؤال أكثر خطورة:

أين الدولة العراقية؟

الدولة ليست مجرد وزارة أو برلمان أو انتخابات أو علم يرفع فوق المؤسسات.

الدولة هي احتكار القرار العام، واحتكار السلاح الشرعي، وتطبيق القانون على الجميع، وإدارة العلاقات الخارجية وفق المصلحة الوطنية.

أما إذا أصبح لكل جماعة مشروعها السياسي والأمني، ولكل جهة مرجعيتها، ولكل فصيل حساباته الخارجية، فإن وجود مؤسسات الدولة على الورق لا يعني بالضرورة أن الدولة تملك القرار الحقيقي.

الدين والحرب بالوكالة

من أخطر أدوات الحروب بالوكالة توظيف الدين في الصراعات السياسية.

ففي بعض الحالات يُستدعى مفهوم «الجهاد» لحشد البسطاء ودفعهم إلى القتال، ويُقدم الصراع باعتباره معركة عقائدية أو دفاعًا عن المقدسات، بينما تكون خلفه حسابات سياسية واستراتيجية أكثر تعقيدًا.

وهنا يجب أن نفرق بين الدفاع الحقيقي عن الوطن وبين استخدام الإنسان في حرب لا يعرف أهدافها النهائية.

العراقي الذي يدافع عن مدينته وأرضه وأسرته عندما تتعرض للخطر يخوض قضية وطنية واضحة.

أما عندما يُطلب من العراقي أن يقاتل خارج إطار المصلحة الوطنية العراقية، أو أن يدخل العراق في مواجهة مع دولة أخرى لخدمة حسابات محور إقليمي، فإن السؤال المشروع يصبح:

من قرر الحرب؟ ومن يملك قرار إنهائها؟ ومن يدفع ثمنها؟ ومن المستفيد منها؟

داعش والأسئلة التي لم تُجب بعد

قضية داعش تحتاج إلى قراءة تاريخية وسياسية بعيدة عن التبسيط.

فالمصادر التاريخية المعروفة تربط نشوء تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام بتطور تنظيم القاعدة في العراق، ثم انتقاله إلى مراحل أخرى حتى ظهوره بالشكل الذي عرفه العالم بعد عام 2013 وتمدده الكبير في العراق عام 2014.

لكن وجود هذه الرواية التاريخية لا يمنع الباحث من طرح أسئلة أخرى:

كيف نشأت البيئة التي سمحت للتنظيم بالتمدد؟ من استفاد من وجوده؟ كيف استُخدم الإرهاب في إعادة تشكيل موازين القوى داخل العراق والمنطقة؟ ومن وظف الخوف منه سياسيًا وأمنيًا؟

وهناك أطروحات سياسية تتهم قاسم سليماني أو أطرافًا إقليمية باستثمار ظاهرة داعش أو توظيفها، لكن مثل هذه الاتهامات تحتاج إلى وثائق وأدلة مستقلة حتى تتحول من موقف سياسي إلى حقيقة تاريخية مثبتة.

وهنا تأتي مسؤولية الباحث: ألا يكتفي بالسؤال عن منفذ الجريمة، بل يسأل أيضًا عن البيئة، والتمويل، والتسليح، والمستفيد، والنتائج السياسية التي ترتبت على الجريمة.

كذبة الانسحاب أم استمرار النفوذ؟

يقال إن الولايات المتحدة انسحبت من العراق، وهذا صحيح من حيث خروج القوات القتالية الأمريكية في نهاية عام 2011 وفق الاتفاق الأمني، ثم عودتها عام 2014 ضمن التحالف الدولي لمحاربة داعش.

لكنني أطرح السؤال بصورة مختلفة:

هل انسحاب القوات يعني انتهاء التأثير؟

فالاحتلال والنفوذ ليسا دائمًا دبابة وقاعدة عسكرية.

قد يكون النفوذ سياسيًا، أو اقتصاديًا، أو أمنيًا، أو استخباراتيًا، أو عبر تحالفات محلية.

ولهذا فإن الحديث عن «الانسحاب الأمريكي» لا ينبغي أن يتحول إلى ستار يمنعنا من البحث في طبيعة الوجود والتأثير الأمريكي المستمر، كما ينبغي في الوقت نفسه ألا يمنعنا من البحث في النفوذ الإيراني والإقليمي داخل العراق.

فإذا كنا نرفض التدخل الأمريكي، فعلينا أن نرفض كذلك أي تدخل إقليمي آخر.

السيادة لا تتجزأ.

إيران والمشروع الإقليمي

ليس من المنطقي، في رأيي، أن نرفض الوصاية الأمريكية على العراق ثم نقبل بوصاية إقليمية أخرى.

العراق يستطيع أن يقيم علاقات جيدة مع إيران، كما يستطيع أن يقيم علاقات جيدة مع الولايات المتحدة وبريطانيا وتركيا والدول العربية وأوروبا.

لكن العلاقة بين الدول شيء، والتبعية شيء آخر.

التعاون ليس تبعية، والتحالف ليس وصاية، والعلاقة الدبلوماسية ليست تفويضًا لإدارة الدولة.

المشكلة تبدأ عندما يصبح القرار العراقي مرتبطًا بمصلحة دولة أخرى، أو عندما تمتلك جماعات مسلحة داخل العراق ارتباطات تجعل حساباتها الإقليمية تتقدم على القرار الوطني.

الاحتلال المحلي

وهنا أصل إلى أكثر النقاط حساسية في رؤيتي.

إن أخطر أشكال السيطرة على العراق هو أن تأتي السيطرة من الداخل، بواسطة قوى تستخدم الدين أو الطائفة أو السلاح لتثبيت نفوذها.

ولا أقصد بذلك أبناء العراق من أي طائفة أو قومية، ولا أضع العراقيين في مواجهة بعضهم.

إنما أقصد القوى التي تجعل الانتماء الطائفي أو الديني أو الولاء العابر للحدود أعلى من الانتماء الوطني العراقي، سواء كانت هذه القوى عراقية أو مرتبطة بمراكز قوة خارج العراق.

العراق دولة ذات تاريخ وحضارة وهوية وطنية أقدم من الأحزاب والمليشيات والمرجعيات السياسية الحديثة.

ولا يمكن أن تكون الدولة العراقية رهينة لأي سلطة دينية أو حزبية أو مسلحة.

استقلال القرار العراقي

من هنا تصبح قضية استقلال القرار العراقي هي القضية المركزية.

استقلال العراق لا يعني العزلة عن العالم، ولا يعني قطع العلاقات مع الدول الأخرى.

بل يعني ببساطة أن يكون قرار الحرب والسلم، والسلاح، والعلاقات الخارجية، والثروة، والسياسة الداخلية، قرارًا عراقيًا.

إذا أراد العراق التحالف مع دولة، فليتحالف.

إذا أراد التعاون مع دولة أخرى، فليتعاون.

إذا أراد اتخاذ موقف سياسي من قضية دولية، فليتخذه.

لكن القرار يجب أن يصدر عن الدولة العراقية ومؤسساتها الدستورية، لا عن جماعة مسلحة، ولا عن محور إقليمي، ولا عن مرجعية دينية، ولا عن سفارة أجنبية.

لا سيادة بلا دولة

لا يمكن أن نتحدث عن سيادة حقيقية في ظل تعدد مراكز القوة.

ولا يمكن أن نتحدث عن دولة حقيقية إذا كان السلاح موزعًا بين الدولة وجماعات أخرى.

ولا يمكن أن نتحدث عن مواطنة متساوية إذا كان الانتماء الطائفي أو الحزبي يحدد حقوق الإنسان وفرصه ومكانته.

ولا يمكن أن نتحدث عن استقلال القرار العراقي إذا كان العراق يتحول إلى ساحة لتبادل الرسائل العسكرية بين القوى الإقليمية والدولية.

لذلك فإن معركة العراق الحقيقية ليست مع شعب آخر ولا مع مذهب آخر.

المعركة الحقيقية هي من أجل استعادة الدولة.

دولة لا يحكمها رجل الدين، ولا المليشيا، ولا الحزب، ولا السفارة الأجنبية.

دولة يكون فيها القانون فوق الجميع.

جيش واحد.

سلاح واحد.

قضاء مستقل.

مواطنة متساوية.

وعلاقات خارجية تقوم على المصلحة العراقية.

العراق للعراقيين

أنا لا أطرح هذه الأفكار من أجل صناعة عدو جديد للعراقيين، ولا من أجل الانتقام من مرحلة تاريخية.

بل أطرحها لأنني أعتقد أن العراق لن يخرج من أزمته ما لم نمتلك الشجاعة لطرح السؤال الأساسي:

من يحكم العراق فعلًا؟ ومن يملك القرار؟

إذا كان القرار عراقيًا، فهذه هي السيادة.

وإذا كان القرار موزعًا بين الخارج والمليشيا والطائفة والحزب والمرجعية، فإن الدولة ستبقى غائبة، مهما تعددت الانتخابات والحكومات والبرلمانات.

العراق لا يحتاج إلى وصاية جديدة، ولا إلى احتلال جديد، ولا إلى محور جديد.

العراق يحتاج إلى دولة عراقية حقيقية.

دولة يكون ولاؤها الأول والأخير للعراق.

فالعراق ليس ساحة للحرب بين واشنطن وطهران، وليس ورقة في يد أي محور، وليس ملكًا لحزب أو طائفة أو مرجعية.

العراق للعراقيين، وقرار العراق يجب أن يصنعه العراقيون.



#حمزة_الكرعاوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تشرين... يوم قال العراقيون: نريد السلام ونريد الوطن
- السلاح خارج سيطرة الدولة العراقية
- انسحاب أم هزيمة
- إنتخابات المكونات برعاية نجمة داود
- بدعة الفتوى
- حوار في مطار بغداد بين عراقية ومستوطن فارسي
- الطائفية وأمراضها
- نهاية إحتكار الخطاب الديني والثقافي
- الدور الإيراني في العراق
- سياسة الركض خلف السراب
- تقليد مراجع الشيعة وعد بلفور الأول
- العتبات واجهات الحرس الثوري الإيراني في العراق
- فرق الموت الإيرانية في العراق
- ما بين اللمبجي والتمثال المقدس
- زيارة مصطفى كازمي للبيت الابيض
- المشروع الوطني العراقي
- نسألكم الدعاء مولاي ودعاؤكم أحوج
- التدخلات الامريكية في الشأن العراقي
- للعراقيين فقط : سري للغاية
- من هم مراجع الدين ؟


المزيد.....




- العراق.. مطار النجف الدولي يعلن استئناف الرحلات الجوية الإير ...
- احتجاجات واسعة في ألمانيا مع تصاعد الجدل حول التسلح وعودة ال ...
- سوريا.. مظاهرة في الدرباسية تأكيدا على الوحدة الوطنية ورفض ا ...
- عشية قمة العلمين.. خبراء يكشفون لـRT هل تتشكل خريطة إقليمية ...
- احتجاجات في فرنسا ضد تمويل الحرب
- بريطانيا تتوقع شتاء قاسيا
- الدعاية السياسية.. كيف تكتشف التضليل خلف الأخبار؟
- من إثيوبيا لإيران.. تحديات الأمن المصري
- الجيش السوداني: نفذنا عملية نوعية ضد الدعم السريع في منطقتي ...
- طاقم تحقيق إسرائيلي يصل أبو ظبي للمشاركة في استجواب مساعد طي ...


المزيد.....

- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حمزة الكرعاوي - لا سيادة بلا دولة