أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - سعد محمد عبدالله - طائرُ الجُهَيْمِ والقرنُ الأفريقيُّ: ماذا نحن فاعلون؟














المزيد.....

طائرُ الجُهَيْمِ والقرنُ الأفريقيُّ: ماذا نحن فاعلون؟


سعد محمد عبدالله
- شاعر وكاتب سياسي


الحوار المتمدن-العدد: 8846 - 2026 / 10 / 2 - 15:33
المحور: السياسة والعلاقات الدولية
    


عندما حلَّق طائرُ الجُهَيْمِ في سماءِ القرنِ الأفريقيِّ، بدا كأنَّ كثيرًا من النظريات الدبلوماسية قد سقطت من حسابات العقل السياسي في كابينة الحكم والإدارة، ولم يبقَ أمامنا سوى سؤالٍ واحد: ماذا نحن فاعلون؟ فالمشهد الإقليمي يتحرك فوق أرضٍ شديدة الهشاشة، تتداخل فيها الأزمات السياسية والأمنية والإقتصادية، وتتقاطع المصالح الوطنية مع الحسابات الإقليمية والدولية، وفي مثل هذه اللحظات الصعبة، تصبح القدرة على قراءة التحولات أهم من سرعة إطلاق المواقف؛ لأنَّ القرار المتخذ تحت ضغط الغضب قد يفتح أبوابًا يصعب إغلاقها لاحقًا على الإطلاق، ولا أظن أنَّ الأصدقاء السياسيين والإعلاميين الفاعلين في فضاء القرن الأفريقي الواسع يملكون، حتى الآن، إجابةً قاطعة يمكن الركون إليها لتفسير المشهد أو التنبؤ بمآلاته؛ لذلك، فإنَّ المطلوب ليس المزيد من التصريحات المتبادلة، وإنما توسيع مساحة التفكير الهادئ، وإستدعاء الخبرات الدبلوماسية، وفتح قنوات الإتصال، قبل أن تتحول الضبابية السياسية، التي تكاد أن تحجب الأبصار عن رؤية الأزمة بحجمها الحقيقي، إلى واقع أمني جديد يصعب إحتواؤه؛ كما ينبغي إدراك أنَّ إستقرار دولة واحدة في هذه الجغرافيا ينعكس مباشرةً على أمن جيرانها ومصالح شعوبها ومستقبلها المشترك، وأنَّ حماية الأمن الإقليمي مسؤولية جماعية اليوم.

بينما تتصاعد المواجهات السياسية والعسكرية في السودان ومحيطه الإقليمي، لا ينبغي أن يغيب البحر الأحمر وما وراءه عن الحسابات الإستراتيجية التي تفرض وجودها الآن، باعتباره مجالًا حيويًا تتقاطع عنده أمن المنطقة ومصالحها الإقتصادية وحركة التجارة الدولية، والسؤال الأهم هنا هو: هل تستطيع الحكومات والهيئات الإقليمية إدارة الخلافات وفق قواعد القانون الدولي والتبادل الدبلوماسي، وإحترام الإلتزامات التي تفرضها الإتفاقيات والمواثيق ذات الصلة؟ فمبادئ إتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية تقوم على تنظيم العلاقات بين الدول، وحماية الوظائف الدبلوماسية، وإحترام القوانين وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، بينما يؤكد الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب حق الشعوب في السلام والأمن والإستقرار والتنمية العادلة، وضرورة أن تحكم علاقات الدول مبادئ التضامن والصداقة والإحترام، ومن هنا، فإنَّ الإختبار الحقيقي للدبلوماسية الأفريقية وسط هذه الأزمات المتراكمة لا يكمن في البيانات وحدها، بل في قدرتها على منع التصعيد، وكبح الأصوات التي تؤجج النزاعات، والعمل على حماية قنوات الحوار، وتحويل الخلافات إلى مسارات تفاوضية قابلة للمعالجة، قبل أن تتسع دائرة المواجهة وتتجاوز حدودها الحالية، وإنَّ أي إخلال بهذه المبادئ يضاعف مخاطر سوء الفهم، ويقوض الثقة، ويجعل فرص التسوية السلمية أكثر تعقيدًا وكلفة على الجميع.

إنَّ أخطر ما يمكن أن يحدث اليوم هو أن تميل بعض الأطراف إلى تفجير المشهد سياسيًا وعسكريًا، تحت وهم دعم الحروب في المنطقة، «كما حدث في السودان»، وخطة تقسيم الدول للسيطرة على موانئها ومواردها الإستراتيجية، أو إعادة رسم خريطة القرن الأفريقي بمنطق البقاء للأقوى؛ فذلك قد يقود إلى حروب واسعة لا يستطيع أحد تحديد حدودها أو توقع نتائجها، ومن السهل تبادل الإتهامات، أو إهانة الدبلوماسيين وطردهم، أو إعلان مواقف حادة، ثم جمع المصفقين حولها، لكن الصعب هو توقُّع المصير الذي قد يأتي من وراء قرارات تُتخذ في لحظة غضب أو تهور، وقد حذرنا مرارًا وتكرارًا من هشاشة الأوضاع في دول المنطقة، ومن الحاجة إلى إستشعار الخطر قبل وقوعه، وإجراء حوار شامل يعيد بناء الثقة ويمنح صوت السلام فرصة حقيقية، وفي هذا السياق، فإنَّ الحديث عن دبلوماسية أفريقية أكثر تأثيرًا، كما طرحه مركز كافراد في أجندته المتعلقة ببناء أفريقيا أكثر حضورًا على الساحة الدولية، ينبغي أن يتحول إلى ممارسة عملية واضحة تجعل الوقاية من النزاعات والتفاوض والتعاون أدوات أساسية لإدارة الأزمات؛ لأنَّ القوة لا تُقاس بقدرة طرف على إشعال الأزمة، بل بقدرته على إحتوائها ومنع إنتقالها إلى ساحات جديدة.

من المهم، في تقديري، التوقف عند الموقف الذي إتخذته حكومة السودان حيال الأزمات الإقليمية، والذي يمكن النظر إليه من زاوية السعي إلى تجنب توسيع دائرة التوتر، مع التأكيد على أنَّ تقييم المواقف السياسية يظل مرتبطًا بتطورات الأحداث ونتائجها المحتملة، والأهم الآن هو الإنتقال من مراقبة المشهد إلى طرح مبادرات عملية؛ ولذلك تبدو الحاجة قائمة إلى الدعوة لعقد قمتين طارئتين، متزامنتين أو منفصلتين، على مستوى منظمة الإيقاد والإتحاد الأفريقي، لبحث سبل فتح حوار موضوعي وعاجل حول المشكلات القائمة، وينبغي أن يستند هذا الحوار إلى إحترام وحدة الدول وسيادتها، وعدم إستخدام القوة لتسوية الخلافات، وتعزيز التعاون الإقليمي، وبناء ترتيبات أمنية وسياسية قابلة للتنفيذ؛ فالقرن الأفريقي لا يحتاج إلى سباق جديد نحو التصعيد، بل إلى نموذج مختلف يجعل الدبلوماسية أداة للتواصل والوقاية والسلام والتنمية، وإذا كان طائر الجُهَيْمِ قد حمل نذيرًا سياسيًا، فإنَّ مسؤولية الحكومات والنخب أن تجعل صوته جرس إنذار لا شرارة حرب؛ فالمصلحة العليا تقتضي أن تتقدم لغة العقل على الإستقطاب، وأن يكون السلام خيارًا سياسيًا دائمًا، لا هدنة مؤقتة.



#سعد_محمد_عبدالله (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- خطاب السودان أمام الأمم المتحدة: رؤية السلام والسيادة وإصلاح ...
- نظرة على منجزات الدبلوماسية السودانية والحضور الأفريقي في ال ...
- ناهض حتر: من ذكرى الإغتيال إلى مشروع للحوار من أجل حرية الفك ...
- رؤية السيادة والسلام في رسالة الخارجية السودانية إلى واشنطن
- قراءة في كلمة القائد مالك عقار بمناسبة الصلاة من أجل السودان ...
- معادلة حظر السلاح في السودان بين حق الدولة ومخاطر الحرب
- لقاء القائد مالك عقار والآلية الخماسية: قضايا الحرب والسلام ...
- أفريقيا الجديدة: تحديات العبور إلى المستقبل
- الذكرى العاشرة لرحيل القائد وليام قوبيك
- نقاشات حول الحوار السوداني
- قراءة حول مبادرة الحوار السوداني وموقف الإتحاد الأفريقي
- الحوار السوداني: تأملات سياسية بين ضرورة مواجهة الخلافات ومخ ...
- قضية السودان أمام مجلس الأمن الدولي بين جدلية حظر السلاح ومخ ...
- ما تراه الحكومة وما نراه في زيارة وفد الإتحاد الأفريقي للسود ...
- السودان و«إيساف»: خطوات نحو دور إقليمي فاعل في صناعة الأمن و ...
- ماذا يُقرأ بين سطور المقال المشترك للاتحادين الأفريقي والأور ...
- قراءة في كتاب «مستقبل بلد بين جيشين»... حين تتحول إزدواجية ا ...
- تصريح صحفي: إتصال هاتفي مع نائب رئيس مجلس السيادة حول مستقبل ...
- وداعًا الأستاذة حليمة محمد عبدالله
- الدبلوماسية السودانية في مسار العودة إلى الهيئات الإقليمية


المزيد.....




- بعد ضغوط إدارته.. ترامب: أوروبا وافقت على طرح كميات ضخمة من ...
- رئيس وزراء قطر يتصل بوزير الخارجية الإيراني.. وهذا ما قدّمه ...
- -واقعة أمنية- في قمرة القيادة.. تحديث جديد من رئيس -فلاي دبي ...
- فضيحة من العيار الثقيل: كيف أصبح رقم مسؤول استخباراتي ألماني ...
- غضب الطلاب يغلق مئات المدارس الثانوية الفرنسية
- البوسنة والهرسك تنتخب وسط انقسامات الماضي وتحديات الحاضر
- فرنسا: توتر سياسي واجتماعي قبل أشهر من الاستحقاق الرئاسي
- الأزمة الإثيوبية تتفاقم وسط تحالفات المعارضة وتوترات إقليمية ...
- فرنسا: احتجاجات طلابية وأعمال عنف.. مئات المدارس تغلق أبوابه ...
- ما هي مطالب الحراك الطلابي في فرنسا؟


المزيد.....

- النظام الإقليمي العربي المعاصر أمام تحديات الانكشاف والسقوط / محمد مراد
- افتتاحية مؤتمر المشترك الثقافي بين مصر والعراق: الذات الحضار ... / حاتم الجوهرى
- الجغرافيا السياسية لإدارة بايدن / مرزوق الحلالي
- أزمة الطاقة العالمية والحرب الأوكرانية.. دراسة في سياق الصرا ... / مجدى عبد الهادى
- الاداة الاقتصادية للولايات الامتحدة تجاه افريقيا في القرن ال ... / ياسر سعد السلوم
- التّعاون وضبط النفس  من أجلِ سياسةٍ أمنيّة ألمانيّة أوروبيّة ... / حامد فضل الله
- إثيوبيا انطلاقة جديدة: سيناريوات التنمية والمصالح الأجنبية / حامد فضل الله
- دور الاتحاد الأوروبي في تحقيق التعاون الدولي والإقليمي في ظل ... / بشار سلوت
- أثر العولمة على الاقتصاد في دول العالم الثالث / الاء ناصر باكير
- اطروحة جدلية التدخل والسيادة في عصر الامن المعولم / علاء هادي الحطاب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - سعد محمد عبدالله - طائرُ الجُهَيْمِ والقرنُ الأفريقيُّ: ماذا نحن فاعلون؟