أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - محمود عباس - بني سعادة غيابٌ لم تبلغه حكمتي














المزيد.....

بني سعادة غيابٌ لم تبلغه حكمتي


محمود عباس

الحوار المتمدن-العدد: 8846 - 2026 / 10 / 2 - 11:25
المحور: سيرة ذاتية
    


في نهايات العمر، كنت أظنّ أنّني تعلّمت كيف أنظر إلى الرحيل. رأيتُ ما يكفي من الغياب، وقرأتُ ما يكفي من الحكمة، حتى حسبتُ أنّ في داخلي موضعًا أستطيع أن أقف فيه حين تهتزّ الحياة. ثم رحلت، فلم أجد ذلك الموضع.
كانت حكمتي ناقصة، ولم أعرف ذلك إلا حين احتجت إليها. أستطيع أن أفهم الموت، وأن أتحدّث عن دورة الوجود، وأن أتأمّل عودة الأجساد إلى عناصرها الأولى؛ لكنّني أعجز عن احتمال أنّها لن تقول لي مرّةً أخرى، (اصبر).
بلغتُ هذا العمر لأكتشف أنّ المعرفة تستطيع أن تبلغ أقاصي العالم، وتظلّ عاجزةً أمام مكانٍ فارغٍ في الدار، وموقدٍ آخر انطفأ في بيت آل محمد عباس. الأخت التي كانت، بعد كلّ فقد، تجمع ما تبقّى من حرارة العائلة، وتعيد توزيعه علينا.
كنّا نقترب منها مثقلين، ثم نعود إلى أيامنا وفي داخلنا قدرةٌ أخرى على العيش. لم نسأل كيف كانت تفعل ذلك، ولا إلى أين كانت تذهب بأوجاعها حين ننصرف. اعتدنا دفأها كما نعتاد نبضنا؛ لا نتوقّف عنده ما دام يحملنا.
الآن أعرف كم كانت تحترق.
أشعر أنّ غيابها سبقني إلى آخر عمري. كنتُ أمضي إليه على مهل، وفي نفسي بقيةٌ من فضول، ورغبةٌ في الكتابة، وأحاديث لم تنتهِ. برحيلها، تقدّمت الشيخوخة في داخلي مسافةً لم تقطعها السنوات. ما زالت أمامي أيام، لكنّ شيئًا من قدرتي على استقبالها بقي معها.
وأنا الذي ظننت أنّني بلغت الحكمة، أجدني أبحث عنها بحركةٍ أقدم من الفكر. أتهيّأ لإخبارها بأمرٍ صغير، أتوقّع رأيها، أكاد أسمع كيف ستبدأ الكلام. ثم أتذكّر. في تلك اللحظة القصيرة، أعيش مرّتين: مرّةً في عالمٍ ما زالت فيه، ومرّةً في هذا العالم الذي فقدها. والمسافة بينهما تمزّقني كلّ يوم.
كم كان حضورها ممتدًّا فينا حتى لم نرَ حدوده. كنّا نحسب أنّ لكلّ واحدٍ منّا حياته المستقلّة، فإذا بخيطٍ خفيّ منها يمرّ في حياتنا جميعًا، يشدّ ما يرتخي، ويصل ما يكاد ينقطع. حين غابت، شعر كلّ واحدٍ منّا بشيء يفلت من داخله. لهذا لا يكفي أن نجتمع كي نستعيد اجتماعنا القديم؛ نفتقد تلك الألفة التي كانت تجعلنا نخلع أثقالنا قبل أن نتكلّم.
أتأمّل الآن معنى أن يسكن إنسانٌ في إنسان. أين تقيم نبرة صوتها التي أسمعها من غير صوت؟ وكيف تستطيع كلمةٌ قالتها منذ زمن أن تغيّر جلستي اليوم، وأن تردّني عن قسوة، أو تفتح في صدري بكاءً كنت أظنّه انتهى؟ لقد دخلت في تكويني إلى حدٍّ لا أعرف معه أين تنتهي ذكراها وأين أبدأ أنا.
ومع ذلك، يؤلمني هذا الحضور الذي لا أستطيع الوصول إليه. أحملها في داخلي، وأفتقدها بكلّ ما في داخلي. أستعيد حكمتها، لكنّني أحتاج إلى اللحظة التي كانت تقولها فيها؛ إلى وجهها وهي تنظر إلينا، إلى قدرتها على أن تعرف ما لم نقله. الذاكرة تعطيني ما حفظتُه، وأنا أوجعني ما لم يعد ممكنًا.
لم أكن أطلب من العمر كثيرًا. في هذه المرحلة، يكفي الإنسان أن يبقى له من يعرف معه البدايات، من لا يحتاج أمامه إلى شرح مَن كان، وكيف صار ما هو عليه. كانت بني سعادة تعرفني قبل أن أثقل بالأسماء والكتب والتجارب. وبرحيلها، فقدتُ عينًا كانت تراني من أوّل الطريق. صار عليّ أن أحمل وحدي شيئًا من ذلك الطفل الذي كنته، وقد شاخ حامله ولم يشخ احتياجه إليها.
نتحدّث عنها نحن أهلها، ويصغي كلٌّ منّا إلى الآخر كأنّه يرجو أن يستردّ منه جزءًا لم يحفظه. نجمع كلماتها، مواقفها، تفاصيلها الصغيرة؛ ثم نسكت أمام الحقيقة التي لا تخفّ: كانت هنا، وكان يمكننا أن نمضي إليها.
وأنا، عند آخر الطريق، بكلّ ما ظننت أنّني تعلّمته، أتوقّف عند هاتين الكلمتين. تسقط الدمعة في أعماقي، ولا تعرف عيناي ما حدث؛ تظلّان راقدتين في حلمٍ ينقّب بين أنقاض أربعة وسبعين عامًا من الصراع مع الحياة. كلّ ما بنيته في نفسي يهتزّ: صبري، معرفتي، تلك الحكمة التي اطمأننتُ إليها، ووسط هذا العمر المنهار، أكاد أقول لخيالها حياة لا معنى لها.

د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
1/10/2026 م



#محمود_عباس (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لماذا سحبت أميركا قواتها من العراق؟
- الكلمة الكوردية بين دقة المعنى وإرث الهيمنة اللغوية
- الشبكة السورية لحقوق الإنسان وفضل عبد الغني محاكمة مَن هزم د ...
- سوريا تتعفّن والترقيع يسرّع موتها
- واشنطن تعيد هندسة المجال السني في مواجهة الصين وروسيا
- هل هُزم داعش أم أُخفي تحت غطاء الدولة؟
- الشرق الأوسط بين حرب إيران وأوكرانيا،هل نحن أمام ولادة خريطة ...
- السنّة والشيعة وقود حرب الإمبراطوريات
- اللغة الكوردية في سوريا حقٌّ لا مِنّة
- برلمانُ سوريا يشرّع لاغتيال المرأة وسحق الطفل
- من اجتثاث إرهاب الإسلام التكفيري إلى تدجينه 3/3
- من اجتثاث إرهاب الإسلام التكفيري إلى تدجينه 2/3
- من اجتثاث إرهاب الإسلام التكفيري إلى تدجينه 1/3
- هل تقترب كوردستان من لحظتها التاريخية؟
- الكورد والإمبراطورية الساسانية، تاريخ حاول المؤرخون طمسه
- سوريا التي تتآكل من الداخل، بين الانفتاح الظاهر وصعود الدولة ...
- من أفقر إيران العقوبات أم نظام ولاية الفقيه؟ 8/8
- من أفقر إيران العقوبات أم نظام ولاية الفقيه؟ 7/8
- من أفقر إيران العقوبات أم نظام ولاية الفقيه؟ 6/8
- من أفقر إيران العقوبات أم نظام ولاية الفقيه؟ 5/8


المزيد.....




- جينيفر لوبيز تغطي وجهها بالبرقع في أسبوع الموضة بباريس
- في سلطنة عُمان.. طائرة -درون- تكشف امتدادًا شاسعًا لتلال بنف ...
- مسؤول بارز في -OpenAI- يرد على وصف ترامب للذكاء الاصطناعي بأ ...
- قيادي حوثي يعلق على إعلان استهداف الجماعة لمحطة في المدينة ا ...
- السعودية.. إلقاء القبض على شخص في مكة أثار الهلع بين المارة. ...
- فلسطينيون يقيمون جنازة جماعية بعد العثور على رفات تحت أنقاض ...
- ولاية أمريكية ثانية تعلن عيد الفطر وعيد الأضحى عطلتين رسميتي ...
- دراسة تكشف تأثيرا مفاجئا للسكر في بكتيريا الأمعاء أثناء العل ...
- بوتين: مستعدون لبدء مفاوضات حول أوكرانيا بشروط تقبلها روسيا ...
- ترامب في تصريح غامض: أوروبا -تُلتهم حية-


المزيد.....

- مذكرات وذكريات مهندس عراقي في السويد / المهندس صباح يوسف ابراهيم
- مذكرات وذكريات مهندس عراقي في السويد / مذكرات وذكريات مهندس في العراق
- الدنمارك، نسير معاً، كل بمفرده / حكمة اقبال
- رسالة الى اخي المعدوم / صادق العلي
- كراسات شيوعية (مذكرات شيوعى ناجٍ من الفاشية.أسباب هزيمة البر ... / عبدالرؤوف بطيخ
- أعلام شيوعية فلسطينية(جبرا نقولا)استراتيجية تروتسكية لفلسطين ... / عبدالرؤوف بطيخ
- كتاب طمى الاتبراوى محطات في دروب الحياة / تاج السر عثمان
- سيرة القيد والقلم / نبهان خريشة
- سيرة الضوء... صفحات من حياة الشيخ خطاب صالح الضامن / خطاب عمران الضامن
- على أطلال جيلنا - وأيام كانت معهم / سعيد العليمى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - محمود عباس - بني سعادة غيابٌ لم تبلغه حكمتي