|
|
سوريا التي تتآكل من الداخل، بين الانفتاح الظاهر وصعود الدولة العقائدية
محمود عباس
الحوار المتمدن-العدد: 8821 - 2026 / 9 / 7 - 00:35
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
لا أخشى على سوريا اليوم من سقوط الحكومة الانتقالية بقدر ما أخشى من استمرارها مستقرة في الظاهر، بينما تتراكم في داخل الدولة عناصر تآكل قد تجعل أزمتها المقبلة أعمق من مجرد تغيير حكومة. فالدول لا تنهار دائمًا بالهزيمة العسكرية؛ قد تستمر سنوات تحت مظلة الاعتراف والدعم الخارجي، فيما تكون قد بدأت تخسر ثقة مجتمعها وقدرتها على تمثيله. سقط نظام الأسد، لكن سقوطه لا يعني سقوط الذهنية التي صنعت الاستبداد. فقد يُستبدل الاحتكار القومي باحتكار عقائدي، والحزب القائد بتنظيم منتصر، والمركز الأمني القديم بمركز ديني–سياسي يرى في انتصاره حقًا في إعادة تعريف الدولة والمجتمع. الحكومة الحالية خرجت من البيئة التي قادتها هيئة تحرير الشام، ورئيسها أحمد الشرع هو القائد السابق لتنظيم ذي جذور معروفة في جبهة النصرة. والتحول السياسي ممكن، ولا يعني الماضي بالضرورة بقاء الجميع أسرى له، لكن انتقال كوادر تنظيم مسلح إلى إدارة دولة لا يمحو تلقائيًا ثقافة التراتبية والطاعة والولاء والحسم من الأعلى. الدولة الحديثة تحتاج إلى النقيض: مؤسسات مستقلة، وقضاء لا يتبع المنتصر، وتعدد سياسي وفكري، ومواطن يستطيع الاعتراض من دون أن يتحول اعتراضه إلى شبهة في الولاء أو العقيدة. وتزداد خطورة الأمر مع بناء دستوري يمنح الرئاسة نفوذًا واسعًا، ويُبقي الفقه الإسلامي مصدرًا رئيسيًا للتشريع. المشكلة ليست في الإسلام ولا في السنّة، وهم مكوّن أساسي في سوريا، بل في تحول تفسير فقهي معين إلى مرجعية تتجاوز المجال الديني نحو القانون والقضاء والتعليم والثقافة. فالدولة العقائدية لا تظهر عادة بقرار واحد. تبدأ تحت عنوان الأخلاق العامة، ثم تتوسع المرجعية الدينية، ويتحول الخيار الشخصي إلى معيار اجتماعي، وتتسلل مفاهيم الحلال والحرام إلى مجالات يفترض أن تحكمها المواطنة والحقوق والقانون. وعندما يحتاج القانون إلى شرعية فقهية، وتحتاج السياسة إلى غطاء ديني، يصبح الخلاف السياسي قابلًا للتحول إلى خلاف على الطاعة والعقيدة، ويتحول الاستبداد من جهاز أمني إلى ثقافة اجتماعية أكثر رسوخًا وخطورة. وهنا تبرز المفارقة السورية الراهنة: انفتاح في الواجهة، وتحول أعمق يجري في بنية الدولة. اتسع المجال الإعلامي نسبيًا، وتحسنت بعض الخدمات، وأصبحت معاملات كثيرة أكثر سهولة مما كانت عليه في عهد الأسد. وهي تغييرات إيجابية، لكنها ليست معيارًا كافيًا لطبيعة النظام. فقد تتسع حرية الكلام وتضيق في الوقت نفسه حرية التشريع والتعليم والثقافة، وقد يتحسن أداء الإدارة بينما تتقدم مرجعية عقائدية واحدة لتحدد تدريجيًا المقبول والمرفوض في المجتمع. حرية الصحافة وسرعة إصدار الوثائق لا تصنعان دولة مدنية. المعيار الحقيقي هو استقلال القضاء، وحياد التعليم، وتعدد المرجعيات الفكرية والثقافية، وقدرة المواطن على أن يعيش وفق اختياره من دون أن تصبح عقيدته أو أسلوب حياته مقياسًا لقربه من النموذج الذي تريده السلطة. وسوريا لا تحتمل نموذجًا عقائديًا واحدًا. فهي ليست إدلب موسعة، ولا مجتمعًا متجانسًا يمكن إعادة تشكيله وفق ثقافة الجماعة التي خرجت منتصرة من الحرب. دمشق ليست إدلب، والسويداء ليست حماة، وقامشلو ليست ريف حلب. وفي سوريا كورد وعرب ودروز وعلويون ومسيحيون وإسماعيليون وإيزيديون، وداخل البيئة السنية نفسها محافظون وصوفيون وعلمانيون ومدنيون واتجاهات بعيدة عن السلفية الجهادية. هذا التنوع ليس زينة فولكلورية، بل حقيقة تاريخية وسياسية. ومحاولة صهره في قالب واحد قد تفرض الصمت لبعض الوقت، لكنها ستراكم أسباب الرفض والصدام لاحقًا. ومن هنا تأتي خطورة إعادة إنتاج المركزية الصارمة. فالمركزية لم تحمِ سوريا، بل جعلت دمشق تحتكر القرار والثروة وتعريف الهوية، وحولت مفهوم الوحدة تدريجيًا إلى طاعة للمركز. ورفض الفيدرالية واللامركزية السياسية مسبقًا، وتصويرهما كتهديد للدولة، يعيد إنتاج المنطق نفسه الذي جعل السلطة أكبر من المجتمع وأضيق من تنوعه. وبالنسبة إلى الكورد، لا تختصر القضية في دمج قسد أو منح بعض الشخصيات الكوردية مناصب رسمية. القضية تتعلق بموقع الكورد في تعريف الدولة وضمان حقوقهم القومية والسياسية دستوريًا. فالتمثيل ليس شراكة، والمنصب ليس حقًا قوميًّا، والاندماج العسكري ليس عقدًا دستوريًا. وينطبق ذلك، بدرجات مختلفة، على الدروز والعلويين والمسيحيين وبقية المكونات. فالدولة التي تستعرض أفرادًا من الأقليات في مواقع السلطة، لكنها لا تمنح مجتمعاتهم ضمانات دستورية حقيقية، تستبدل الحقوق بالتمثيل الرمزي. وقد يصبح الإقصاء أكثر قدرة على الاستمرار عندما يُغطى بوجوه من المكونات نفسها. ويأتي الاقتصاد ليضيف عنصرًا آخر إلى التآكل. فإذا بقيت غالبية السوريين في الفقر، بينما تتكون حول السلطة طبقة جديدة من أصحاب النفوذ والعقود والامتيازات، سيكتشف المجتمع أن أسماء المستفيدين تغيرت، بينما بقيت العلاقة القديمة بين المال والسلطة. لا يحتاج المواطن إلى نظريات معقدة ليدرك ذلك. تكفيه الثروات المفاجئة، والسيارات الفارهة، والصفقات الغامضة، والنفوذ الذي يولد المال، والحماية التي يولدها القرب من السلطة. وعندما يلتقي الفقر بالمركزية، والمركزية بالعقيدة، والعقيدة بالأجهزة، والمال بالنفوذ، تتحول المشكلات المنفصلة إلى منظومة تآكل متكاملة. أما الدعم الخارجي فيستطيع تثبيت الحكومة، لكنه لا يستطيع منحها شرعية داخلية دائمة. تركيا تنظر إلى الملف الكوردي وأمنها، والولايات المتحدة إلى الإرهاب وإيران والتوازنات الإقليمية، ودول الخليج إلى الاستقرار والاستثمار، وإسرائيل إلى حدودها وأمن الجنوب السوري. سوريا الجديدة لا تتشكل بإرادة السوريين وحدهم، بل داخل شبكة مصالح دولية وإقليمية كثيفة. ولا أرى دقة في القول إنها صُنعت من أجل إسرائيل، لكن تجاهل هذه المصالح ليس أقل خطأ. الخطر الحقيقي يظهر عندما تصبح وظيفة السلطة تجاه الخارج أكثر وضوحًا من عقدها مع الداخل. يمكن للعالم أن يرفع العقوبات، ويمول إعادة الإعمار، ويفتح أبواب الاستثمار، ويدعم استقرار الحكومة، لكنه لا يستطيع أن يصنع شعور الكوردي أو الدرزي أو العلوي أو المسيحي أو السني المختلف فكريًا بأن الدولة دولته ما لم تمنحه الدولة نفسها هذا الشعور عبر الحقوق والشراكة والضمانات. وهنا تكمن أخطر مراحل التآكل: أن تبقى سوريا موحدة على الخريطة بينما تبدأ وحدتها بالتفكك داخل النفوس. تعمل الوزارات، وتفتح السفارات، ويتحدث الخارج عن الاستقرار، فيما تتراجع ثقة قطاعات من المجتمع بالمركز وتبدأ بالبحث عن ضماناتها خارجه.
هذا التآكل أخطر من الانهيار المفاجئ لأنه صامت وتراكمي. يبدأ بالخوف، يمر بفقدان الثقة، ثم بالانسحاب النفسي من الدولة، وينتهي بمجتمعات تعيش داخل حدود واحدة من دون أن يجمعها عقد سياسي حقيقي. ما تزال أمام السلطة الحالية فرصة للخروج من هذا المسار بالانتقال من شرعية المنتصر إلى شرعية العقد الوطني، وفصل مؤسسات الدولة عن العقيدة، واستقلال القضاء، والاعتراف بالتعدد القومي والديني والسياسي، ومنح المناطق والمكونات ضمانات دستورية فعلية ضمن نظام فيدرالي أو لامركزي يوزع السلطة بدل احتكارها. أما الدولة التي تحتاج إلى الخارج لحماية استقرارها، وإلى المركزية لفرض وحدتها، وإلى الفقه لتعريف أخلاق مجتمعها، وإلى الأجهزة لضبط اختلافاته، فهي لا تعالج الأزمة السورية، بل تعيد تركيبها في صورة جديدة. عندها لا تكون الحرب قد انتهت، بل يكون المنتصر قد تغير. ولا تكون أزمة المكونات قد حُلّت، بل أُجّلت. ولا تكون سوريا قد استعادت وحدتها، بل احتفظت بشكلها الجغرافي بينما بدأ عقدها الداخلي بالتآكل. سوريا القابلة للحياة ليست سوريا المنتصر ولا سوريا الأكثرية ولا سوريا المركز ولا سوريا الفقيه. هي سوريا التي يتساوى فيها الكوردي والعربي، والمسلم والمسيحي، والسني والعلوي والدرزي والإيزيدي، وتملك مكوناتها ومناطقها حقوقًا وضمانات لا يستطيع الحاكم سحبها عندما تتغير موازين القوة. لهذا لا أخشى الانهيار المفاجئ بقدر ما أخشى التآكل الذي يصنع الانهيار بصمت؛ تآكل الثقة والشراكة والتعدد، وتآكل المسافة بين الدولة والعقيدة، حتى تبقى سوريا موحدة على الورق وقد فقدت وحدتها في وجدان أبنائها. يمكن للمال والسلاح والاعتراف الدولي أن ينقذ سلطة لبعض الوقت، أما المجتمع إذا تعفّن عقده الداخلي فلا تنقذه الإمبراطوريات. وسوريا الخارجة من نصف قرن من الاستبداد وحرب كارثية لا تحتاج إلى منتصر جديد يعيد تشكيلها على صورته، ولا إلى فتوى تحل محل تقرير الأجهزة، ولا إلى مركز جديد يطالب الجميع بالطاعة باسم الوحدة، بل إلى دولة تعترف قبل فوات الأوان بأنها أكبر من المنتصرين، وأكبر من الأكثرية، وأكبر من الفقهاء، وأكبر من المركز، وأكبر من كل مشروع يريد اختصار شعب كامل في عقيدة واحدة.
د. محمود عباس الولايات المتحدة الأمريكية 4/9/2026م
#محمود_عباس (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
من أفقر إيران العقوبات أم نظام ولاية الفقيه؟ 8/8
-
من أفقر إيران العقوبات أم نظام ولاية الفقيه؟ 7/8
-
من أفقر إيران العقوبات أم نظام ولاية الفقيه؟ 6/8
-
من أفقر إيران العقوبات أم نظام ولاية الفقيه؟ 5/8
-
القضية الكوردية بعد النكسة: النقد الذي يبني والتآكل الذي يهد
...
-
من يشوّه تاريخ آل عباس ويحرّض على الفتنة بين الكورد والمسيحي
...
-
استراتيجية ترامب الجديدة وإعادة ترتيب العالم والشرق الأوسط ب
...
-
من أنقذ المسيحيين أصبح متهمًا تزوير تاريخ قرى آل عباس في منط
...
-
من أنقذ المسيحيين أصبح متهمًا: قلبُ تاريخ قامشلو وقرى آل عبا
...
-
من أفقر إيران العقوبات أم نظام ولاية الفقيه؟ 4/8
-
مؤتمر الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكورد وما يكشفه واقع ا
...
-
من ذاكرة الكتابة إلى إعادة تقديمها
-
المؤتمر الثالث للاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكورد في غربي
...
-
حسن خيري: خطأٌ مصيري أم خيانة؟
-
من أفقر إيران العقوبات أم نظام ولاية الفقيه؟ 3/8
-
من أفقر إيران العقوبات أم نظام ولاية الفقيه؟ 2/8
-
من أفقر إيران العقوبات أم نظام ولاية الفقيه؟ 1/8
-
كوردستان هي الحل الذي يخشاه الشرق الأوسط - 2/2
-
كوردستان هي الحل الذي يخشاه الشرق الأوسط - 1/2
-
عندما يُستخدم الزمن سلاحًا لتفكيك قسد، وربما الإدارة الذاتية
...
المزيد.....
-
طائرة شحن تنحرف عن مسارها في مطار ميامي بالولايات المتحدة
-
-خسائر فادحة في العتاد والأرواح-.. القوات الحكومية اليمنية ت
...
-
إيران توضح طبيعة إصابات طياريها الأسيرين في قطر وتكشف عن طرق
...
-
بعد تثبيت أحكام قضية -التآمر على أمن الدولة-: الاتحاد الأورو
...
-
وزير أمريكي يربط بين التوصل لاتفاق نووي مع إيران بوصول إدارة
...
-
البرهان يحدد ملامح المرحلة الانتقالية
-
لأول مرة.. طهران تعلن اختبار صاروخ مضاد للمدمرات فوق سفينة ح
...
-
المبعوثان الأمريكيان يأملان بإجراء مفاوضات ثلاثية بين موسكو
...
-
هدم مسجد تاريخي في الهند يثير غضبا واسعا في باكستان واتهامات
...
-
حديث عن زلزال سياسي في ألمانيا على وقع نتائج انتخابات ساكسون
...
المزيد.....
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء
/ عدنان رضوان
-
Letters from the East
/ عدنان رضوان
-
العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس
/ فاخر جاسم
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
المزيد.....
|