|
|
من يشوّه تاريخ آل عباس ويحرّض على الفتنة بين الكورد والمسيحيين؟ 3/3
محمود عباس
الحوار المتمدن-العدد: 8813 - 2026 / 8 / 30 - 23:50
المحور:
القضية الكردية
رد على أكاذيب ملفقة في فيديو مبتذل: تزوير التاريخ وإثارة الفتنة. المفارقة الأكثر إيلامًا في هذا الفيديو أن صاحبه يخوض معركة حاقدة على تاريخ قرى يكاد أهلها اليوم أن يكونوا قد غادروها جميعًا. يبحث عن خصومة بين المسيحي والكوردي في محركا وروتا وغردوكة وكرشيران وخويتله ودوكري، بينما بيوت كثيرة هناك مغلقة، وبعضها أصبحت أطلالاً، وحقول تركها أصحابها، وكنائس فقدت معظم روادها، وعائلات توزعت بين أوروبا وأمريكا وكندا ومدن بعيدة عن أرضها. كأن الخراب الذي أصاب المنطقة لم يكن كافيًا، فجاء من يريد أن يضيف إليه خراب الذاكرة والعلاقة بين أهلها. لهذا فإن القضية في هذه الحلقة لم تعد مجرد تصحيح رواية تاريخية أو الدفاع عن سليمان عباس وآل عباس، والسياسيين الكورد؛ بل السؤال عما بقي من مجتمع أنهكته الهجرة والاستبداد والحرب والانهيار الاقتصادي، ثم يأتي من يحاول أن يقسم ضحاياه بعد كل ذلك إلى «مسيحيين» و«كورد» متخاصمين. وهنا أصل المشكلة، وضع المسيحيين في جهة والكورد في جهة مقابلة هو في ذاته تشويه للواقع. ففي أهلنا المسيحيين كورد مسيحيون، كما أن بين الكورد مسلمين وإيزيديين وأتباع ديانات أخرى. والدين لا يلغي القومية ولا يحول أبناء الأرض الواحدة إلى خصوم. فقد جمعت هذه المنطقة أهلها قرونًا طويلة من الجيرة والعيش والمصير المشترك، وما فرقته السياسات والأنظمة لا ينبغي أن نعيد نحن إنتاجه بأيدينا. فأين أهل محركا اليوم؟ وأين أبناء روتا وغردوكة وكرشيران وخويتله؟ وأين أبناء شلهوميه وملا عباس؟ وأين أبناء دوكر وبيازه وحلوة وخزنة وغيرها؟ الغالبية موزعة في المنافي. قرى كانت تضج بالأطفال والمواسم والأعراس وأصوات الأجراس والجيران أصبحت أكثر هدوءًا وفراغًا، وبعض أراضيها يديرها اليوم من بقي في المدن والبلدات القريبة نيابة عن أصحابها الغائبين. هذه هي المأساة التي تستحق أن نتحدث عنها. لقد عانى أهلنا المسيحيون، كما عانى الكورد وآل عباس وسائر أبناء المنطقة، عقود الاستبداد وسياسات البعث، ثم الحرب السورية والانهيار الاقتصادي والاجتماعي، إلى أن تحولت الهجرة بالنسبة إلى كثيرين من خيار إلى ضرورة. وحين رحل الناس، لم يستطيعوا أن يحملوا معهم بيوتهم وحقولهم وكنائسهم ومقابر آبائهم. حملوا ذكرياتهم، وبقي المكان خلفهم شاهدًا على خسارة الجميع. فماذا يضيف رجل يقف أمام كاميرا ليعيد، بعد قرن، تقسيم هؤلاء الضحايا إلى كورد ومسيحيين، ويبحث عن عداوة بين أناس عاشوا جنبًا إلى جنب وتقاسموا الأرض والخبز والماء والخوف؟ لا يعيد شخصًا إلى قريته، ولا يعمر بيتًا، ولا يزرع أرضًا، ولا يفتح مدرسة، ولا يعيد الحياة إلى كنيسة محركا الجميلة التي بات حضور أهلها أقل بكثير مما عرفناه في الماضي. كل ما يفعله هو إضافة مرارة جديدة إلى أرض أنهكتها المرارات. ولا أستبعد أن يكون هذا الخطاب جزءًا من مناخ تحرّكه أو تستثمر فيه قوى أمنية وإقليمية متربصة بالكورد وبالنسيج الاجتماعي للمنطقة؛ وهي الأساليب نفسها التي رأيناها عبر صفحات وحسابات مجهولة تبث الفتنة والكراهية، فتارةً تؤجج الصراع بين الكورد والعشائر العربية تحت عنوان قسد والإدارة الذاتية، واليوم تحاول فتح شرخ بين الكورد والمسيحيين. واللافت أن اللغة تكاد تكون واحدة، بالأمس «لسنا ضد الكورد، بل ضد قسد وقنديل»، واليوم «لسنا ضد الكورد، بل ضد سياسييهم وزعماء عشائرهم وآل عباس». وليس اختيار سليمان عباس عابرًا؛ فاسمه مرتبط بصفحة بارزة من تاريخ مقاومة الفرنسيين وبأحداث بياندور وكري توبي، والطعن فيه يتجاوز شخصه إلى محاولة تشويه ذاكرة مرحلة كاملة من تاريخ المنطقة. ومن هنا يأتي العتب قبل الغضب. كان الأولى بمن يحمل كل هذا الانفعال أن يسأل: لماذا فرغت القرى؟ لماذا أصبح معظم المسيحيين الذين يتحدث باسمهم في الغربة؟ ولماذا أصبح أبناء آل عباس أنفسهم موزعين في بلدان العالم؟ من دمّر الاقتصاد؟ ومن جعل الاستقرار مستحيلًا؟ ومن حوّل منطقة زراعية عامرة إلى بيئة يفكر كثير من أبنائها في الرحيل منها؟ هذه هي الأسئلة التي تحتاج إلى شجاعة. أما تحويل سليمان عباس وآل عباس إلى شماعة تُعلَّق عليها مأساة قرن كامل، فليس بحثًا في التاريخ، بل هروبًا من مواجهة القوى والسياسات التي صنعت الكارثة، واختيارًا لخصم سهل يمكن شتمه أمام الكاميرا. ولو كان يبحث عن الحقيقة، لعرض ما ورد في الصفحة 172 من الكتاب الذي يستند إليه، ولبحث في مذكرات الجنرال آغا بطرس، أحد أبرز القادة العسكريين في الذاكرة الآشورية والسريانية، والذي عايش أحداث سيفو عام 1915 وحارب لحماية أبناء شعبه، وذكر بالتفصيل دور عشيرة دوركا وآل عباس، وبالاسم محمد عباس وسليمان عباس، في حماية المسيحيين وإيوائهم في قراهم التي يذكرها صاحب الفيديو، والذي ربما دُفع به لخلق خصومة بين الأهل والأقرباء، السريان والكورد. والأكثر ابتذالًا أن يُستدعى أهلنا المسيحيون إلى هذه الخصومة وكأنهم بحاجة إلى وصي يتحدث باسمهم. هؤلاء أهلنا وجيراننا. عرفناهم وعرفونا، ولم نقرأ علاقتنا بهم في الكتب فقط؛ بل عشناها في الحياة اليومية. محركا لا تبعد إلا نحو كيلومتر عن دوكر، وكذلك كرشيران وخويتله وغردوكة وروتا وغيرها تشكل جميعها نسيجًا جغرافيًا واجتماعيًا متداخلًا، لم تكن تفصله تلك الجدران النفسية التي يحاول البعض بناءها اليوم. والأرض نفسها لا تحتاج إلى صراخ لتروي تاريخها. فإذا كانت هناك وثيقة تخالف رواية ما، فلتُعرض. وإذا كان هناك سجل عقاري، فليُنشر. وإذا كان هناك خلاف على ملكية أو واقعة تاريخية، فلتُفتح الأرشيفات والقوجانات. هكذا يُناقش التاريخ. أما الشتائم والإهانات واستعراض الضغائن فلا تثبت ملكية ولا تسقط وثيقة ولا تصنع معرفة. والأخطر أن هذا الخطاب يعيد إنتاج واحدة من أكثر الأدوات تدميرًا في تاريخ منطقتنا: تفتيت المجتمع وتحويل جماعاته إلى خصوم دائمين. استثمر الانتداب الفرنسي في الانقسامات الدينية والعشائرية والإثنية، ثم جاء البعث فاستثمر فيها بطريقته، وها نحن نرى الذهنية نفسها تعود اليوم عبر وسائل التواصل الاجتماعي. تغيرت الأداة، لكن النتيجة واحدة: مزيد من الشقاق في مجتمع لم يعد يحتمل مزيدًا من الخراب. ولهذا أقول لصاحب الفيديو: إن كنت حريصًا فعلًا على المسيحيين، فادعُ إلى حماية أملاكهم وتشجيع أبنائهم على العودة وإعادة الحياة إلى قراهم. وإن كنت حريصًا على الحقيقة، فابحث في الوثائق. وإن كنت حريصًا على المنطقة، فاسأل كيف تعود إليها الزراعة والاستثمارات والخدمات والعمل، بدل البحث عن معركة بين أحفاد أناس عاشوا في المكان نفسه. اذهب إلى محركا وانظر إلى الكنيسة والبيوت. مرّ بروتا وغردوكة وكرشيران وخويتله. ثم اذهب إلى دوكر وبيازه وحلوة وخزنة. هناك سيطرح المكان عليك سؤالًا أكبر بكثير من كل خطبتك: أين ذهب الناس؟ هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يخجل أمامه خطاب الكراهية. فقد هاجر المسيحي، وهاجر الكوردي، وهاجر العربي والسرياني والأرمني وغيرهم. بقيت الأراضي والأشجار والبيوت والمقابر والكنائس والمساجد، بينما تفرقت العائلات بين بلدان العالم. ويعيش كثير من المهاجرين اليوم مفارقة قاسية: استقرار مادي أفضل في المهجر، يقابله حنين لا ينطفئ إلى المكان الأول. وهذا الصراع النفسي لا يحتاج إلى من يحوله إلى كراهية جديدة. فالحنين لا يُداوى بالكراهية، والغربة لا تُعالج باختراع عدو من الجيران القدامى، وضياع الوطن لا يُعوَّض بإدانة من عاشوا معك فيه. وكم سيكون أكثر شرفًا لو تحولت الطاقة التي تُهدر في الشتائم إلى دعوة مشتركة لإحياء تلك القرى؛ أن تعود محركا عامرة بأهلها، وتعود غردوكة وروتا وكرشيران وخويتله، كما تعود دوكري وبيازه وحلوة وخزنة؛ أن تعود الأراضي إلى الإنتاج، وتقام المشاريع والمنشآت، وتعود الكنائس والبيوت والساحات إلى الحياة. ذلك هو الرد الحقيقي على الماضي الأسود. فالمنطقة لا ينقصها تاريخ دموي. تاريخ شرقنا مليء بما يكفي من الحروب والغزوات والمجازر والتدخلات والأنظمة الدكتاتورية، ولا يحتاج إلى من ينبش القبور ليصنع منها خندقًا جديدًا بين أبناء المكان الواحد. أهل قامشلو وهذه القرى يعيشون ما يكفيهم من الضيق والمرارة وعدم اليقين. يحتاجون إلى السلام والاستقرار والعيش الكريم، وإلى ما يعيد أبناءهم بدل أن يدفع بالباقين إلى الرحيل. ولا يحتاج المسيحي هناك إلى من يخبره أن الكوردي عدوه، كما لا يحتاج الكوردي إلى من يصنع له خصمًا من جاره المسيحي. لقد دفع الجميع ثمن هذه اللعبة طويلًا. أما التاريخ فلا تحميه الشتائم ولا تحتكره الأصوات المرتفعة. وتاريخ المسيحيين والكورد في هذه القرى أعمق من أن تختطفه ضغينة شخص، وأبقى من فيديو عابر. فبدل أن نسأل عمّن نحمّله وزر الخراب، علينا أن نسأل: كيف نعيد الحياة إلى الأرض التي خسرها الجميع؟ فالقرى الخاوية لا تنتظر مزيدًا من الكراهية. إنها تنتظر أبناءها.
د. محمود عباس الولايات المتحدة الأمريكية 25/8/2026 م
#محمود_عباس (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
استراتيجية ترامب الجديدة وإعادة ترتيب العالم والشرق الأوسط ب
...
-
من أنقذ المسيحيين أصبح متهمًا تزوير تاريخ قرى آل عباس في منط
...
-
من أنقذ المسيحيين أصبح متهمًا: قلبُ تاريخ قامشلو وقرى آل عبا
...
-
من أفقر إيران العقوبات أم نظام ولاية الفقيه؟ 4/8
-
مؤتمر الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكورد وما يكشفه واقع ا
...
-
من ذاكرة الكتابة إلى إعادة تقديمها
-
المؤتمر الثالث للاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكورد في غربي
...
-
حسن خيري: خطأٌ مصيري أم خيانة؟
-
من أفقر إيران العقوبات أم نظام ولاية الفقيه؟ 3/8
-
من أفقر إيران العقوبات أم نظام ولاية الفقيه؟ 2/8
-
من أفقر إيران العقوبات أم نظام ولاية الفقيه؟ 1/8
-
كوردستان هي الحل الذي يخشاه الشرق الأوسط - 2/2
-
كوردستان هي الحل الذي يخشاه الشرق الأوسط - 1/2
-
عندما يُستخدم الزمن سلاحًا لتفكيك قسد، وربما الإدارة الذاتية
...
-
هل ننجز عن خصومنا مهمتهم بأيدينا؟
-
بني سعادة برحيلك فقدنا آخر ما بقي من دفء الوالدين
-
من يحرّك النزعة العنصرية العروبية ويعيد تنشيط خلايا داعش لإش
...
-
إيران أمام خيارين الرضوخ أو الزوال
-
التاريخ الذي سرقوه من الكورد ونردده نحن
-
من انتصر؟ السؤال الخطأ في الحرب الأمريكية–الإيرانية
المزيد.....
-
طالب بترحيل المهاجرين والمسلمين.. أمريكا ترحل ناشط بريطاني ل
...
-
ليبيا: تمهيدا للانتخابات...توقيع اتفاق سياسي برعاية الأمم ال
...
-
وزير التعليم يبحث مع ممثلي الهيئات والمنظمات الدولية التابعة
...
-
المحكمة الجنائية الدولية تحاكم الأقوياء.. فهل يكون الثمن نها
...
-
27 عضوا من مختلف الأحزاب في البرلمان الإسكتلندي يطالبون الحك
...
-
برنامج الأغذية العالمي: 200 ألف شخص يواجهون خطر المجاعة في ا
...
-
العراق: استرداد نحو 1.03 مليار دولار ضمن حملة مكافحة الفساد
...
-
تصعيد استيطاني واسع بالضفة: اقتحام مقامات عورتا وتجريف أراضٍ
...
-
مؤسسات الأسرى: الاحتلال يواصل إخفاء مصير المئات من معتقلي غز
...
-
فوز اليمين الألماني في ساكسونيا ينذر برحيل جماعي للمهاجرين
المزيد.....
-
الى جمهورية كردستان الاشتراكية المتحدة!، الوثيقة 3 - كردستان
...
/ كوران عبد الله
-
“رحلة الكورد: من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر”.
/ أزاد فتحي خليل
-
رحلة الكورد : من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر
/ أزاد خليل
-
سعید بارودو. حیاتي الحزبیة
/ ابو داستان
-
العنصرية في النظرية والممارسة أو حملات مذابح الأنفال في كردس
...
/ كاظم حبيب
-
*الحياة الحزبية السرية في كوردستان – سوريا * *1898- 2008 *
/ حواس محمود
-
افيستا _ الكتاب المقدس للزرداشتيين_
/ د. خليل عبدالرحمن
-
عفرين نجمة في سماء كردستان - الجزء الأول
/ بير رستم
-
كردستان مستعمرة أم مستعبدة دولية؟
/ بير رستم
-
الكرد وخارطة الصراعات الإقليمية
/ بير رستم
المزيد.....
|