|
|
هجوم أفلاطون على المجتمع المفتوح
عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
الحوار المتمدن-العدد: 8844 - 2026 / 9 / 30 - 00:12
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
هو سوف يرجعنا إلى طبيعتنا الأصلية، يشفينا، ويجعلنا سعداء ومباركين. أفلاطون
هناك شيء لا يزال ينقص تحليلنا. في ضوء الزعم أن البرنامج السياسي لأفلاطون شمولي محض، والاعتراضات على هذا الزعم كما عرضت في الفصل 6، اضطررنا إلى فحص الدور الذي لعبته، ضمن هذا البرنامج، أفكار أخلاقية من قبيل العدل والحكمة والصدق والجمال. ولاحظنا أن نتيجة هذا الفحص كانت هي نفسها دائماً. لمسنا مدى أهمية الدور الذي لعبته هذه الأفكار، لكنها لا تدفع أفلاطون إلى تجاوز حدود الشمولانية والتطرفانية. رغم ذلك بقيت واحدة من هذه الأفكار بحاجة إلى فحصها: فكرة السعادة. قد نتذكر اقتباسنا عن كروسمان فيما يتصل بالمعتقد أن برنامج أفلاطون السياسي هو في الأساس ’خطة لبناء دولة كاملة يكون فيها كل مواطن سعيد حقاً‘، ووصفي لهذا المعتقد كمظهر من مظاهر الميل إلى تقديس أفلاطون. إذا طُلب مني تبرير هذا الرأي، لن أجد صعوبة كبيرة في التدليل على أن معاملة أفلاطون للسعادة تتشابه بالضبط مع معاملته للعدل؛ حيث تقوم على نفس المعتقد أن المجتمع ’بطبيعته‘ منقسم إلى طبقات أو طوائف. يؤكد أفلاطون على أن السعادة الحقة لا تتحقق إلا من خلال العدل، بمعنى حين يلزم المرء مكانه. الحاكم يجب أن يجد السعادة في الحكم، والمحارب في الحرب؛ وكما قد نستنتج، العبد في العبودية. بمعزل عن ذلك، يقول أفلاطون في أكثر من مكان أن ما يهدف له ليس سعادة الأفراد ولا سعادة أي طبقة بالذات في الدولة، لكن سعادة الكل فقط، وهذه، كما يجادل، ليست سوى محصلة لقاعدة العدل التي قد بينت طابعها الشمولي. أن هذا العدل وحده هو القادر على تحقيق السعادة الحقة هي إحدى الأطروحات الرئيسية في الجمهورية.
في ضوء ما سبق، قد لا نجد تفسيراً أكثر واقعية ومنطقية للمادة المقدمة حتى الآن سوى أن يكون أفلاطون من نوعية السياسي الشمولي المتحزب الذي لم يحقق نجاحاً يذكر في مشروعاته السياسية الآنية، لكنه على المدى الطويل حقق نجاحاً باهراً في دعايته من أجل إيقاف واستئصال حضارة كان يكن لها كراهية خاصة. غير أنني عندئذٍ لا أملك نفسي أحياناً عن التشكك في صواب هكذا تفسير محل اعتراض وهجوم من الكثيرين، ما يضطرني إلى معاودة البحث من جديد عن أدلة تدحضه. لكن، في كل النقاط عدا واحدة، لم تحقق محاولاتي لتفنيده نجاحاً يذكر. وكانت المادة الجديدة لا تزيد العلاقة بين الأفلاطونية والشمولية سوى مزيداً من المتانة والوضوح.
النقطة التي شعرت فيها أن بحثي عن تفنيد قد تكللت بالنجاح كانت تخص كراهية أفلاطون للاستبداد. بالطبع كانت تتوفر هناك دائماً الإمكانية لاستبعاد تلك الكراهية من الصورة. إذ يسهل القول أن بغضه للاستبداد كان مجرد دعاية للتمويه. الشمولية عادةً تعترف بحبها للحرية ’الحقة‘، وإطراء أفلاطون على الحرية في معارضة للاستبداد تبدو بالضبط من شاكلة هذا الحب الدعائي. رغم ذلك، شعرت أن عدداً من ملاحظاته حول الاستبداد، التي سيرد ذكرها لاحقاً في هذا الفصل، كانت صادقة. كان ’الاستبداد‘ في أيام أفلاطون يعني شكلاً من الحكم القائم على تأييد الحشود، الذي جعل بالإمكان الادعاء أن كراهية أفلاطون للاستبداد كانت متفقة مع تفسيري الأصلي. غير أنني شعرت أن ذلك لا يغني عن الحاجة لتعديل تفسيري. كما شعرت أيضاً أن مجرد التشديد على صدق أفلاطون لا يكفي وحده لإنجاز هذا التعديل. مهما بلغ تشديدنا لن نستطيع تحييد الاطباع العام المتولد من الصورة المعروضة. ونحتاج إلى صورة جديدة تشمل معتقد أفلاطون الصادق في رسالته كمداوي للجسم الاجتماعي المريض، وكذلك حقيقة أنه كان يرى بوضوح أكبر من أي أحد آخر من قبله أو من بعده ما كان يقع للمجتمع اليوناني. بالنظر إلى أن محاولة رفض الارتباط بين الأفلاطونية والشمولانية لم تحسن الصورة، اضطررت في نهاية المطاف إلى تعديل تفسيري للشمولانية نفسها. بتعبير آخر، محاولتي لفهم أفلاطون بالتشبيه مع الشمولانية الحديثة قادتني، لدهشتي، إلى تعديل نظرتي للشمولانية. في الواقع لم تغير من عداوتي لها، لكنها في النهاية قادتني إلى رؤية أن قوة كلا الحركتين الشموليتين القديمة والجديدة استندتا إلى حقيقة محاولتهما تلبية حاجة حقيقية جداً، بصرف النظر عن سوء التصور الذي شاب هذه المحاولة.
في ضوء تفسيري الجديد، يتبين أن إعلان أفلاطون عن رغبته لجعل الدولة ومواطنيها سعداء لم يكن مجرد دعاية رخيصة. وأنا على أتم الاستعداد للتسليم بصدق نواياه. كما أسلم أيضاً بصوابه المحدود في تحليله الاجتماعي الذي بنى عليه وعده بالسعادة. إليكم تعبير أكثر دقة عن هذه النقطة: أنا مقتنع أن أفلاطون، ببصيرة اجتماعية ثاقبة، اكتشف معاناة معاصريه من إجهاد حاد، وأن هذا الإجهاد كان يعزى إلى الثورة الاجتماعية التي بدأت بظهور الديمقراطية والفردانية. وقد نجح في اكتشاف الأسباب الرئيسية وراء هذا الإجهاد المستشري- التغير الاجتماعي، والاضطراب الاجتماعي- وفعل كل ما بوسعه لمحاربته. ما من سبب يستدعي الشك في أن أحد أقوى دوافعه كان استعادة السعادة ثانية للمواطنين. لأسباب سأناقشها لاحقاً في هذا الفصل، أعتقد أن المعالجة الطبية-السياسية التي أوصى بها، إيقاف التغيير والعودة إلى القبلية، كانت خطئاً يائساً. لكن التوصية نفسها، رغم عجزها عن توفير العلاج الشافي، تشهد بقدرة أفلاطون التشخيصية. تبين أنه كان يعلم مكمن الخطأ، ويفهم مسببات الإجهاد والأسي الذي ألم بالناس، حتى رغم خطئه في دعواه الأساسية للعودة بهم إلى القبلية لكي يخفف عنهم من حدة الإجهاد ويسترد لهم السعادة.
في البداية أود أن أورد في هذا الفصل نبذة مختصرة جداً حول المادة التاريخية التي دفعتني لتبني هذه الآراء. وسأعرض في الفصل الأخير من الكتاب بضع ملاحظات نقدية حول المنهجية المتبعة، منهجية التفسير التاريخي. لذلك يكفي أن أقول هنا أنني لا أزعم امتلاك الكفاءة العلمية اللازمة لهذه المنهجية، بالنظر إلى أن اختبارات التفسير التاريخي لا يمكن أبداً أن تبلغ درجة الإحكام مثل اختبارات الفرضية العادية. التفسير الذي أعرضه لا يعدو كونه بالأساس وجهة نظر، تكمن قيمته في ثرائه، في قدرته على تسليط الضوء على المادة التاريخية، يرشدنا أثناء اكتشاف مادة جديدة، ويساعدنا في عقلنتها وتوحيدها. وعليه أنبه إلى أن ما أنا مقدم على قوله هنا لا يقصد به إعطاء زعماً عقائدياً، مهما بلغت بي الجرأة أحياناً في التعبير عن آرائي.
أولاً
ترجع بداية الحضارة الغربية إلى اليونانيين. كانوا، على ما يبدو، هم أوائل من أخذوا الخطوة من القبلية إلى الإنسانوية. دعونا ننظر فيما يعنيه ذلك.
كان المجتمع القبلي اليوناني البكر يشبه في نواحي عديدة مجتمع شعوب مثل البولينيزيين والماوريين. مجموعات صغيرة من المحاربين، يعيشون في العادة داخل مستوطنات محصنة، يحكمهم شيوخ قبليين أو ملوك، أو عائلات أرستقراطية، يخوضون الحرب ضد بعضهم البعض بحراً وبراً. بالطبع كانت توجد اختلافات عديدة بين طرق الحياة اليونانية والبولينيزية، بالنظر إلى التباين المعترف به في القبلية. حيث لا توجد ’طريقة حياة قبلية‘ قياسية. لكن رغم ذلك يبدو لي أن هناك بعض الخصائص المشتركة بين معظم، إذا لم يكن كل، تلك المجتمعات القبلية. وأعني بذلك توجهها السحري أو اللاعقلاني نحو عادات الحياة الاجتماعية، والتزمت المقابل في تلك العادات.
قد ناقشت من قبل التوجه السحري تجاه العادات الاجتماعية. يقوم عنصره الرئيسي على غياب التمييز بين المنتظمات العاداتية أو التقاليدية في الحياة الاجتماعية وبين المنتظمات الموجودة في ’الطبيعة‘؛ ويترافق مع ذلك غالباً الاعتقاد في أن كليهما تفرضه إرادة من فوق الطبيعة. وليس تزمت العادات الاجتماعية في أغلب الحالات سوى وجه آخر لنفس التوجه. (هناك بعض الأسباب للاعتقاد في كون هذا التوجه حتى أكثر بدائية، وأن الاعتقاد في وجود قوة فوق الطبيعة هو نوع من عقلنة الخوف من تغيير الروتين اليومي- خوف قد نلاحظه بوضوح أكثر لدى الأطفال في سن مبكرة جداً.) حين أتحدث عن تزمت القبلية لا أعني أن لا تغييرات يمكن أن تقع في طرق الحياة القبلية. ما أعنيه بالأحرى هو أن التغييرات النادرة بالمقارنة تكون أشبه بالتحولات أو الثورات الدينية، أو اعتناق محرمات سحرية جديدة. بمعزل عن هذه التغييرات- التي تكون نادرة- تنظم المحرمات كل جوانب الحياة وتهيمن عليها بطريقة متزمتة. حيث لا تترك ثغرات تذكر. لا تستجد مشكلات تذكر في هذا الشكل من الحياة، ولا شيء معادل حقاً للمشكلات الأخلاقية. لا أقصد من ذلك القول أن عضو القبيلة ليس بحاجة أحياناً لكثير من البطولة والجلد حتى يضبط تصرفاته بما يتوافق مع المحرمات. ما أعنيه أنه نادراً ما يجد نفسه في موقف الشك في الكيفية التي ينبغي عليه التصرف بها. دائماً ما تكون الطريقة الصحيحة مقررة سلفاً، رغم المصاعب الواجب تخطيها في اتباعها. هذه الطريقة تقررها المحرمات، المؤسسات القبلية السحرية التي لا يمكن أبداً وضعها موضع التفكير النقدي. سنجد أن حتى هيراقليطس لا يميز بوضوح بين القوانين المؤسساتية للحياة القبلية وبين قوانين الطبيعة؛ ويفترض أن كليهما يتنزل من نفس الشخصية السحرية. بسبب التقليد القبلي الجماعي، لا تترك المؤسسات مساحة أمام المسؤولية الشخصية. صحيح أن المحرمات تنشئ شكلاً ما من المسؤولية الجماعية قد يعبد الطريق أمام نشوء ما نسميها المسؤولية الشخصية، لكن يبقى هناك اختلاف جوهري بين الاثنين- المحرمات والمسؤولية الشخصية. حيث لا تقوم المحرمات على مبدأ المحاسبية المعقولة، بل بالأحرى على أفكار سحرية، مثل الفكرة عن استرضاء قوى القدر.
نحن نعلم جيداً مقدار ما لا يزال منها على قيد الحياة وسطنا. لا تزال طرق حياتنا أنفسنا مثقلة بالمحرمات؛ محرمات الطعام، محرمات الآداب، وغيرها الكثير. مع ذلك، تبقى هناك بعض الاختلافات الهامة. في طريقة حياتنا هذه الأيام يوجد، بين قوانين الدولة من جهة والمحرمات التي اعتدنا على مراعاتها من الجهة الأخرى، مجال مطرد الاتساع من القرارات الشخصية، بمشكلاتها ومسؤولياتها؛ ونعرف أهمية هذا المجال. هذه القرارات الشخصية قد تقود إلى تغيير المحرمات، وحتى تغيير القوانين السياسية التي لم تعد من المحرمات بعد. لكن الاختلاف الأكبر يكمن في إمكانية التفكير العقلاني في تلك الأمور. يبدأ التفكير العقلاني، بطريقة ما، مع هيراقليطس. ثم مع ألكمايون، فالياس وهيبوداموس، ومع هيرودوتس والسفسطائيين، يكتسب السعي إلى ’أفضل دستور‘، بدرجات متفاوتة، شخصية المشكلة المطروحة للنقاش العقلاني. وفي زماننا الحالي، يتخذ الكثيرون منا قراراتهم استناداً إلى تقدير للنتائج المحتملة، وإلى تفضيل واعي لبعضها. نحن نقبل بتحمل المسؤولية الشخصية العقلانية.
فيما يلي، يمكن أيضاً تسمية المجتمع السحري أو القبلي أو الجماعي المجتمع المغلق، والمجتمع الذي يواجه فيه الأشخاص قراراتهم الشخصية، المجتمع المفتوح.
يمكن مقارنة المجتمع المغلق في أفضل أحواله بالعضوية. ويمكن أن تطبق عليه إلى حد كبير ما تسمى النظرية العضوية أو البيولوجية للدولة. حيث يشبه المجتمع المغلق القطيع أو القبيلة في كونه وحده شبه عضوية تمسك بأعضائها معاً روابط شبه بيولوجية- النسب، العيش معاً، تقاسم الجهود المشتركة، الأخطار المشتركة، الأفراح المشتركة والأحزان المشتركة. لا يزال المجتمع المغلق تجمع ملموس من الأفراد الملموسين، لا تربطهم بعضهم بعضاً علاقات اجتماعية مجردة مثل تقسيم العمل ومقايضة السلع فحسب، لكن علاقات بدنية ملموسة مثل اللمس والشم والبصر. ورغم أن هذا المجتمع قد يقوم على العبودية، لا يتسبب حضور العبيد في خلق مشكلة مختلفة كثيراً عن تلك التي يخلقها وجود الحيوانات المستأنسة. بذلك تغيب تلك الأوجه التي تحول دون التطبيق الناجح للنظرية العضوية على مجتمع مفتوح.
تتصل الأوجه التي تحضرني بحقيقة اجتهاد أعضاء كثر في المجتمع المفتوح أملاً في الترقي الاجتماعي، ولأخذ أماكن أعضاء آخرين. وقد يؤدي ذلك، على سبيل المثال، إلى ظاهرة اجتماعية هامة مثل الصراع الطبقي. لا يمكننا العثور على أي شيء يشبه الصراع الطبقي في عضوية. ربما قد نجد أن الخلايا أو الأنسجة في العضوية، التي يقال أحياناً أنها تقابل الأعضاء في الدولة، تتنافس ضد بعضها البعض على الغذاء؛ لكن لا يوجد ميل فطري من جانب الساقين لكي تصبح المخ، أو من جانب أعضاء الجسد الأخرى لتصبح البطن. نظراً لعدم وجود شيء في العضوية يتقابل مع واحدة من أهم خصائص المجتمع المفتوح، وهي المنافسة على المكانة بين أعضائه، يمكن القول أن ما تسمى النظرية العضوية للدولة تقوم على تشبيه زائف. على الجانب الآخر، سنجد أن المجتمع المغلق لا يعرف الكثير من هذه الميول. حيث تتمتع مؤسساته، ومن ضمنها طوائفه، بالقداسة- الحرمانية. لذا سنجد أن النظرية العضوية تناسب مقاسه جيداً. وعليه لا نستغرب حين نكتشف أن معظم المحاولات لتطبيق النظرية العضوية على مجتمعنا المعاصر لا تعدو كونها أشكالاً مستترة من الدعاية للعودة إلى القبلية.
بسبب خسارته الشخصية العضوية، قد يتحول المجتمع المفتوح، بدرجات متفاوتة، إلى ما أحب تسميته ’المجتمع المجرد‘. قد يفقد بدرجة كبيرة شخصية الجماعة الملموسة أو الحقيقية من الناس، أو شخصية نظام من هذه الجماعات الحقيقية. يمكن تفسير هذه النقطة التي نادراً ما تلقى حقها من الفهم بواسطة مبالغة. حيث قد نتصور مجتمعاً لم يلتقي فيه الناس فعلياً قط وجهاً لوجه- حيث يدير الأفراد كل الأعمال في عزلة تامة عن بعضهم البعض ويتواصلون فيما بينهم بواسطة الأحرف المطبوعة أو البرقيات، ويتجولون في سيارات آلية مغلقة. (وسوف يتيح الإخصاب الاصطناعي حتى إمكانية حفظ النسل من دون الحاجة للعنصر الشخصي.) قد نسمي هذا المجتمع المصطنع ’المجتمع المجرد أو غير المشخصن بالكامل‘. الآن النقطة المهمة هي أن مجتمعنا الحديث يشبه في العديد من جوانبه المجتمع المجرد بالكامل. رغم أننا لا نقود دائماً بمفردنا في سيارات آلية مغلقة (لكن نلتقي وجهاً لوجه مع آلاف الأشخاص يمشون بجوارنا في الشارع) إلا أن النتيجة تبقى هي نفسها تقريباً كما لو أننا فعلنا- كقاعدة عامة، نحن لا ننشئ أي علاقة شخصية مع أخوتنا المارة بجوارنا. على نفس المنوال، قد لا تعني العضوية في نقابة تجارية أكثر من حيازة بطاقة عضوية وسداد اشتراك لسكرتير قد لا نعرفه شخصياً. الكثيرون في المجتمع الحديث لا تجمعهم اتصالات شخصية حميمة، أو قليلة للغاية، ويعيشون في العتمة والعزلة، وبالتالي في تعاسة. لأنه رغم تحول المجتمع الحديث إلى مجتمع تجريدي بدرجة كبيرة، لكن التكوين البيولوجي للبشر لا يزال لم يتغير كثيراً؛ وتبقى لدى الأفراد البشريين احتياجات اجتماعية لا يمكنهم إشباعها على انفراد في مجتمع مجرد.
بالطبع صورتنا حتى بهذا الشكل مبالغة أكثر من اللازم. لا يوجد، ولا يمكن أن يوجد أبداً مجتمع مجرد بالكامل أو حتى مجرد بدرجة غالبة- كما لا يوجد، ولا يمكن أن يوجد أبداً مجتمع عقلاني بالكامل أو حتى عقلاني بدرجة غالبة. لا يزال يشكل البشر جمعات حقيقية ويدخلون في اتصالات اجتماعية حقيقية من كل الأنواع، ويحاولون إشباع احتياجاتهم الاجتماعية العاطفية بقدر ما يستطيعون. لكن معظم الجماعات الاجتماعية في المجتمع المفتوح الحديث (باستثناء بعض الجماعات العائلية المحظوظة) ليست أكثر من مجرد بدائل فقيرة، بالنظر إلى عجزها عن إعالة حياة مشتركة. ولا يؤدي العديد منها أي وظيفة في حياة المجتمع على عمومه.
ثمة طريقة أخرى سنلمس بها مقدار المبالغة في الصورة أعلاه وهي عدم تضمنها إلى الآن أي من المكاسب المتحققة- بل الخسائر فقط. لكن هناك مكاسب. هناك علاقات شخصية من نوعية جديدة يمكن أن تنشأ حيث تترك لها الحرية، بدلاً من أن تقررها حوادث المولد؛ ومعها ستنشأ أشكالاً جديدة من الفردانية. كذلك يمكن أن تلعب الروابط الروحية دوراً كبيراً حيث تضعف الروابط البيولوجية أو البدنية؛ الخ. آمل أن يكون المثال المقدم أعلاه قد أوضح بالقدر الكافي ما أعنيه بالمجتمع المجرد معارضة بالجماعة الاجتماعية الملموسة أو الحقيقية؛ وأن مجتمعاتنا الحديثة تعمل بدرجة كبيرة من خلال العلاقات المجردة، مثل المبادلة أو التعاون. (قد شكل تحليل تلك العلاقات المجردة أهم أركان النظرية الاجتماعية الحديثة، مثل النظرية الاقتصادية. غير أن هذه النقطة قد غابت عن انتباه حتى علماء اجتماع بارزين من أمثال دوركهايم، الذي لم يتخلى قط عن قناعته العقائدية بوجوب تحليل المجتمع من منطلق الجماعات الاجتماعية الحقيقية.)
في ضوء ما ذكرته، يمكن وصف عملية الانتقال من المجتمع المغلق إلى المفتوح كواحدة من أعمق الثورات التي قد عبرتها البشرية. وعلى خلفية ما وصفناها الشخصية البيولوجية للمجتمع المغلق، يكتسب هذا الانتقال أهمية خاصة في مسيرة البشرية. وحين نقول أن حضارتنا الغربية مأخوذة من اليونانيين، يجب أن ندرك ما يعنيه ذلك. هو يعني أن اليونانيين هم من قد بدأوا لنا هذه الثورة الكبرى التي، على ما يبدو، لا تزال في بدايتها- الانتقال من المجتمع المغلق إلى المفتوح.
ثانياً
بالطبع لم تحدث هذه الثورة بطريقة واعية. ويمكن تتبع مسار انهيار القبلية، المجتمعات المغلقة في اليونان، عودة إلى الزمن حين بدأ نمو السكان يفرض نفسه بقوة على الطبقة الحاكمة من ملاك الأراضي. كان ذلك نذيراً بنهاية القبلية ’العضوية‘. حيث أنشأ توتراً اجتماعياً داخل مجتمع الطبقة الحاكمة المغلق. في البداية، بدا أن هناك شيئاً ما يشبه الحل ’العضوي‘ لهذه المشكلة، عبر إنشاء مدناً شقيقة. (تأكدت الشخصية ’العضوية‘ لهذا الحل من الإجراءات السحرية المتبعة في إرسال المستعمرين.) لكن هذا الاستعمار الطقسي لم يحل المشكلة بل أجل الانهيار فقط. أكثر من ذلك، هو خلق حتى بؤر خطر مستجدة حيثما قاد إلى اتصالات ثقافية؛ التي بدورها خلقت ما كان ربما الخطر الأسوأ على المجتمع المغلق- التجارة، ونشوء طبقة جديدة امتهنت التجارة والبحارة. بحلول القرن السادس قبل الميلاد، كان هذا التطور لم يقود إلى محالات لاستبقاء القبلية وإيقافها بالقوة، كما في إسبرطة، فقط لكنه قاد أيضاً إلى ثورة روحية عظمى، ابتكار النقاش النقدي، وفي المحصلة الفكر الذي تحرر من الهواجس السحرية. في الزمن ذاته نصادف أولى أعراض داء مستحدث. بداية الشعور بأعراض الإجهاد الحضاري.
هذا الإجهاد، هذا القلق، هو نتيجة لانهيار المجتمع المغلق. ونحن لا نزال نحس به حتى يومنا هذا، خاصة خلال أزمنة التغيير الاجتماعي. هو إجهاد ناتج عن الجهد الذي تتطلبه منا باستمرار الحياة في مجتمع مفتوح ومجرد جزئياً- الإجهاد الناتج عن محاولة أن نكون عقلانيين، أن نتنازل على الأقل عن بعض من احتياجاتنا الاجتماعية العاطفية، وأن نهتم بأنفسنا، وأن نقبل بمسؤولياتنا. نحن مطالبون بتحمل هذا الإجهاد كثمن يجب دفعه مقابل كل زيادة في المعرفة، في العقلانية، في التعاون وفي العون المتبادل، ومن ثم في فرص بقائنا وفي تعدادنا عبر الكوكب. في الخلاصة، هو الثمن الذي يجب علينا دفعه مقابل كوننا بشر.
يوجد ارتباط وثيق بين هذا الإجهاد ومشكلة التوتر بين الطبقات التي تثار لأول مرة عند انهيار المجتمع المغلق. المجتمع المغلق ذاته لا علم له بهذه المشكلة. على الأقل في نظر أعضائه الحاكمين، تكون العبودية والطائفة والحكم الطبقي ’طبيعية‘ بمغزى عدم قابليتها للمسائلة. لكن هذا اليقين يزول مع انهيار المجتمع المغلق ويأخذ معه كل شعور بالأمن. توفر الوحدة القبلية (وفيما بعد ’المدينة‘) المكان الآمن لعضو القبيلة. محاطاً بالأعداء والقوى السحرية الخطرة والمؤذية، هو يرى في الوحدة القبلية نفس ما يراه الطفل في عائلته وبيته، حيث يؤدي دوره المرسوم؛ هو يحفظ هذا الدور عن ظهر قلب، ويؤديه ببراعة. لكن انهيار المجتمع المغلق، الذي يثير مشكلات تتعلق بالطبقة ومشكلات أخرى تتعلق بالمكانة الاجتماعية، يترك حتماً نفس الأثر على المواطنين الذي قد تتركه الخلافات عائلية الهوجاء والتفكك الأسري على الأطفال. بالطبع هذا النوع من الإجهاد تشعر به الطبقات المتميزة، التي تصبح مهددة الآن، أكثر من غيرها ممن كانوا في السابق مقهورين؛ لكن حتى هؤلاء المقهورين سابقاً ينتابهم القلق أيضاً. هم أيضاً ترعبهم مجرد فكرة رؤية عالمهم ’الطبيعي‘ ينهار أمام أعينهم. ورغم مواصلة النضال، لكنهم غالباً ما يحجمون عن استغلال انتصاراتهم ضد أعدائهم الطبقيين المدعومين بسُنة التقاليد والوضع القائم ومستوى أعلى من التعليم والشعور بالسلطة الطبيعية.
تحت هذا الضوء يجب أن نحاول فهم تاريخ إسبرطة، التي نجحت في محاولتها لإيقاف تلك التطورات، وتاريخ أثينا، الديمقراطية الرائدة.
ربما أقوى سبب وراء انهيار المجتمع المغلق كان تطور الاتصالات البحرية والتجارة. كان من شأن الاتصال مع قبائل أخرى تقويض مشاعر الضرورة التي يُنظر بها إلى المؤسسات القبلية؛ ويبدو أن التبادل، والمبادرة التجارية كانت واحدة من الأشكال القليلة التي تستطيع من خلالها المبادرة والاستقلالية الفردية تأكيد نفسها، حتى في مجتمع حيث لا تزال تهيمن القبلية. أصبح هذان المستجدان، البحارة والتجارة، من أبرز خصائص الإمبريالية الأثينية، بالشكل الذي تطورت به في القرن الخامس قبل الميلاد. في واقع الحال كان الأوليغارشيون الأثينيون، أعضاء الطبقات المتميزة، أو التي كانت متميزة في السابق، يعرفون حق المعرفة مدى خطورتهما. حيث بات جلياً لهم أن تجارة أثينا، معاملاتها المالية، وسياستها البحرية، وميولها الديمقراطية كانت أجزاء لا تتجزأ من حركة واحدة ونفس الحركة، ومن المستحيل هزيمة الديمقراطية الأثينية من دون الذهاب أولاً إلى جذور الشر وتدمير السياسة البحرية والإمبراطورية معاً. غير أن السياسة البحرية لأثينا كانت تقوم على مرافئها، خاصة مرفأ بيرايوس، مركز التجارة ومعقل الحزب الديمقراطي؛ ومن الناحية الاستراتيجية كانت تقوم على الأسوار التي حصنت أثينا، ثم في زمن لاحق على الأسوار الطويلة التي ربطتها بمرافئ بيرايوس وفاليروم. هكذا سنشاهد طوال أكثر من قرن من الزمان كم كانت الإمبراطورية والأسطول والمرافئ والأسوار مكروهة من طرف الأحزاب الأوليغارشية في أثينا باعتبارها رموزاً للديمقراطية ومصادر لقوتها التي كانوا يمنون النفس بتدميرها يوماً ما.
يمكن العثور على أدلة كثيرة على هذا التطور في تاريخ الحرب البيلوبونيزية لثوقيديدس، أو بالأحرى في تاريخ الحربين الكبريين 431-421 و419-403 قبل الميلاد، بين الديمقراطية الأثينية والقبلية الأوليغارشية الموقوفة في إسبرطة. حين نقرأ ثوقيديدس يجب ألا ننسى أبداً أن قلبه لم يكن مع الأثينيين، مدينة مولده. ورغم أنه بالتأكيد لم ينتمي إلى الجناح المتطرف من النوادي الأوليغارشية الأثينية التي تآمرت طوال الحرب مع العدو، لكنه كان عضواً في الحزب الأوليغارشي، ولم يكن صديقاً لا للشعب الأثيني، الديمو، الذي سبق ونفيه، ولا لسياسته الإمبريالية. (لا أقصد الحط من قدر ثوقيديدس، الذي ربما يعتبر أعظم مؤرخ أنجبته البشرية. لكن بصرف النظر عن حرصه على التحقق من صدق الوقائع كما سجلها، وبصرف النظر عن صدق مجهوداته لتوخي الحياد، إلا أن تعليقاته وأحكامه الأخلاقية لا تعدو كونها أكثر من تفسير، وجهة نظر شخصية؛ ولسنا بحاجة إلى الاتفاق معه بالضرورة.) أقتبس أولاً من فقرة تصف سياسة ثيميستوكليس في 482 قبل الميلاد، قبل نصف قرن من الحرب البيلوبونيزية: ’أقنع ثيميستوكليس أيضاً الأثينيين بإنهاء بيرايوس... بعدما أحكم الأثينيون الآن سيطرتهم على البحر، رأى أن فرصة عظيمة قد سنحت لهم لتشييد إمبراطورية. كان هو أول من جرؤ على القول بوجوب فرض سيطرتهم على البحر...‘ ثم بعد مرور خمسة وعشرون عاماً، ’بدأ اليونانيون في مد أسوارهم الطويلة باتجاه البحر، واحد إلى مرفئ فاليروم، الآخر إلى بيرايوس‘. لكن في ذلك الوقت كان الحزب الأوليغارشي، قبل ستة وعشرون عاماً من اندلاع الحرب البيلوبونيزية، على دراية تامة بما تعنيه تلك التطورات. نحن نسمع من ثوقيديدس أنهم لم يتواروا حتى عن أحط أنواع الخيانة. وكما يتوقع عادة من الأوليغارشيين، كانت المصلحة الطبقية تعميهم عن وطنيتهم. ثم سنحت لهم الفرصة في صورة حملة إسبرطية معادية تتوغل من شمال أثينا، وحينها تآمروا مع إسبرطة ضد بلدهم. يكتب ثوقيديدس: ’كان بعض الأثينيين على اتصال بهم‘ (أي بالإسبرطيين) ’على أمل أن يضعوا نهاية للديمقراطية، ولسياسة بناء الأسوار الطويلة. لكن اشتبه الأثينيون الآخرون .. في تآمرهم ضد الديمقراطية.‘ لذلك خرج المواطنون الأثينيون الشرفاء لملاقاة الإسبرطيين، لكنهم انهزموا. رغم ذلك يبدو جلياً أنهم قد أضعفوا العدو إلى الحد الذي منعه من توحيد قواه مع الطوابير الخامسة من المتواطئين بداخل مدينتهم أنفسهم. وبعد مرور عدة أشهر، اكتمل بناء الأسوار الطويلة، الذي كان معناه أن الديمقراطية ستنعم بالأمن طالما احتفظت بغلبتها البحرية.
تسلط هذه الواقعة الضوء على حجم التوتر في الوضع الطبقي في أثينا، حتى قبل ستة وعشرون عاماً من اندلاع الحرب البيلوبونيزية، التي لم يزداد الوضع خلالها سوى مزيداً من السوء. كما تسلط الضوء أيضاً على الوسائل المستعملة من قبل الحزب الأوليغارشي التخريبي والموالي لإسبرطة. جدير بالملاحظة أن ثوقيديدس لا يذكر خيانتهم إلا عرضاً، ولا يوبخهم عليها، رغم كلماته القوية للغاية في أماكن أخرى ضد الصراع الطبقي والنزعة الحزبية. وسنجد أن الفقرات المقبلة المقتبسة، المكتوبة كنظرة عامة على الثورة الكورسيرية في 427 قبل الميلاد، تحمل دلالة خاصة، أولاً كصورة ممتازة للوضع الطبقي؛ وثانياً كمثال لمدى قوة الكلمات التي استعملها ثوقيديدس حين أراد وصف ميول مشابهة على جانب الديمقراطيين في كورسيرا. (حتى نقدر مدى حياده يجب أن نتذكر أن كورسيرا في بداية الحرب كانت من حلفاء أثينا الديمقراطيين وأن التمرد قد بدئه الأوليغارشيون.) علاوة على ذلك، تعرض الفقرة صورة بليغة لمشاعر الانهيار الاجتماعي العام. يكتب ثوقيديدس: ’تقريباً كل العالم الهيليني كان في مهب الريح. قادة الأحزاب الديمقراطية والأوليغارشية في كل مدينة يحاولون باستماته، طرف لإحضار الأثينيين، والآخر الإسبرطيين... رابطة الحزب لديهم غلبت على رابطة الدم... واستعمل القادة على كلا الجانبين اسماءً مستعارة، طرف يتمسك بدعوته للمساواة الدستورية للأكثرية، والآخر بحكمة النبلاء؛ بينما كانوا في الحقيقة يستغلون المصلحة العامة لخدمة مصالحهم الشخصية الضيقة. حيث لم يتوانوا عن استعمال كافة الوسائل للتخلص من بعضهم البعض، وارتكبوا في سبيل ذلك أبشع الجرائم... في الأخير، تمخضت هذه الثورة عن كل صنوف الفتن والمهالك على أرض اليونان...حيث عمت الخصومات الثأرية ربوع البلاد. ما من عهد يُصان، ولا قسم يَشفع، لإصلاح ذات البين. وكل طرف متمسك بصواب موقفه ومتربص بالآخر.
يمكن تلمس الدلالة التامة لمحاولة الأوليغارشيين الأثينيين قبول يد العون من إسبرطة ووقف بناء الأسوار الطويلة حين نعرف أن هذا التوجه الخائن لم يتغير حتى زمن كتابة أرسطو حواره السياسة، أي بعد مرور أكثر من قرن من الزمان. حين لا نزال نسمع من أرسطو حول قسم أوليغارشي ’يلفه الغموض الآن‘. الذي تنكشف حقيقته: ’أقسم بأن أكون عدواً للشعب، وأن أفعل كل ما بوسعي لخداعهم!‘ لا شك أننا لا نستطيع فهم تلك الحقبة من دون تذكر هذا التوجه.
ذكرت أعلاه أن ثوقيديدس ذاته لم يخفي عدائه للديمقراطية. ويتضح ذلك جلياً حين ننظر في وصفه للإمبراطورية الأثينية، وكم كانت مكروهة من سائر الدول اليونانية. حيث يخبرنا أن حكم أثينا على إمبراطوريتها لم يكن أفضل حالاً من الاستبداد، وكانت كل القبائل اليونانية متخوفة منها. وعند وصف الرأي العام قبيل اندلاع الحرب البيلوبونيزية، نجده يعتدل في نقده لإسبرطة ويقسو جداً في نقده للإمبريالية الأثينية. ’كان شعور الشعوب العام يميل بقوة لجانب الإسبرطيين؛ الذين قدموا أنفسهم كمحررين لأراضي اليونان. لذلك أبدت شعوب المدن استعداداً لمساعدتهم..، بينما كان السخط العام ضد الأثينيين عارماً. حيث تطلع البعض لتحريرهم من الأثينيين، وخشي آخرون من الوقوع في قبضتهم.‘ الجدير بالملاحظة أن هذا الحكم على الإمبراطورية الأثينية قد أصبح، كثيراً أو قليلاً، بمثابة الحكم الرسمي النهائي على ’التاريخ‘، بمعنى من قبل معظم المؤرخين. إذ مثلما يجد الفلاسفة صعوبة في تحرير أنفسهم من وجهة نظر أفلاطون، كذلك الحال مع المؤرخين الملتزمين بوجهة نظر ثوقيديدس. على سبيل المثال، قد اقتبس عن ماير (وهو أفضل سلطة ألمانية حول هذه الحقبة)، تكراره ببساطة وراء ثوقيديدس قوله: ’تعاطف عالم المستنيرين في اليونان .. تحول بعيداً عن أثينا.‘
مثل هذه الأقوال لا تتعدى كونها مجرد تعبير عن وجهة النظر المعارضة للديمقراطية. بينما توجد وقائع عديدة سجلها ثوقيديدس- مثل الفقرة المقتبسة حول توجه قادة الحزب الديمقراطي والأوليغارشي- تظهر مدى ’شعبية‘ إسبرطة ليس وسط شعوب اليونان فحسب لكن أيضاً وسط الأوليغارشيين؛ وسط ’المستنيرين‘، بحسب تعبير ماير، الذي يضيف أن ’الجماهير ذات التوجهات الديمقراطية كانت في أماكن عدة تأمل في انتصار أثينا‘؛ وتحوي سردية ثوقيديدس أمثلة كثيرة تثبت مدى الشعبية التي حظيت بها أثينا وسط الديمقراطيين والمقموعين. لكن من يبالي برأي الحشود الجاهلة والمضطهدة؟ إذا قال ثوقيديدس وردد من ورائه ’المستنيرون‘ أن أثينا كانت هي الباغية، إذن لابد أن تكون كذلك.
من المفارقة أن نجد أن نفس المؤرخين الفرحين بما يصفونها إنجازات رومانية، مثل تأسيس إمبراطورية عالمية، يعيبون على أثينا محاولتها إنجاز شيئاً أفضل. ولا تكفي حقيقة نجاح روما فيما فشلت فيه أثينا لإعطاء تفسيراً كافياً لهذا التوجه. في الواقع هم لا يعيبون على أثينا فشلها، كونهم لا يقبلون أصلاً بفكرة أن تكلل محاولتها بالنجاح. بل يعتقدون أن أثينا كانت ديمقراطية عديمة الرحمة، مكان يحكمه الجهلة، الذين كرهوا وقمعوا المستنيرين، الذين بدورهم بادلوا الجهلة نفس الكراهية والقمع. لكن هذه النظرة- أسطورة عدم التسامح الثقافي في أثينا الديمقراطية- لا تفسر الوقائع المؤكدة، وفوق كل شيء لا تفسر الإنتاجية الروحية المذهلة لأثينا خلال تلك الحقبة بالذات. حتى ماير لا يجد مفر من الإقرار بهذه الإنتاجية. ويقر بأن ’ما أنتجته أثينا في هذه الحقبة يقف على قدم المساواة مع أعظم عقود الأدب الألماني.‘ وعليه يمكن القول أن بريكليس، الزعيم الديمقراطي لأثينا في هذا الزمن، كان معه كل الحق حين نعتها ’مدرسة كل الشعوب اليونانية‘.
لا أريد أن يُفهم مما قلت أنني أقف هنا مدافعاً عن كل شيء قد فعلته أثينا أثناء تشييد إمبراطوريتها، لاسيما هجمات أثينا الوحشية (لو كانت قد حدثت بالفعل) أو عدوانها السافر على الآخرين؛ كما لا أتغافل عن حقيقة أن الديمقراطية الأثينية كانت لا تزال تقوم على العبودية. مع ذلك، أرى من الضروري الإشارة إلى حقيقة استبدال الإقصائية والكفاية الذاتية القبلية بشكل ما من الإمبريالية، والتأكيد على أن بعض الإجراءات الإمبريالية التي قدمتها أثينا كانت أكثر تسامحاً وليبرالية. من أبرز الأمثلة على ذلك أن أثينا عرضت، في عام 405 قبل الميلاد، على حليفتها، جزيرة ساموس الأيونية، ’أن يكون الساموسيين أثينيين من الآن فصاعداً؛ وأن تكون كلا المدينتين دولة واحدة؛ وأن ينظم الساموسيون شئونهم الداخلية كيفما يريدون، ويحتفظون بقوانينهم.‘ هناك مثال آخر تعرضه طريقة أثينا في جباية الضرائب من إمبراطوريتها. هناك الكثير من الأقاويل المغلوطة وغير المنصفة حول قسوة تلك الضرائب، أو الجزية، كطريقة مستبدة وظالمة لاستغلال المدن الصغيرة. لكن إذا شئنا تحري الحقيقة، حينئذ يجب أن نقارن حجم هذه الضريبة مع حجم التجارة التي حظيت في المقابل بحماية الأسطول الأثيني. هذه المعلومة الضرورية يعطيها لنا ثوقيديدس، الذي نعلم منه أن الأثينيين فرضوا على حلفائهم، في عام 413 قبل الميلاد، بدلاً من الجزية، مكساً قدره 5 بالمئة على كل البضائع المستوردة والمصدرة بحراً. يبدو هذا الإجراء أكثر رحمة بالمقارنة مع مركزية الحكم الروماني. وبفضل آلية تحصيل الضرائب، أصبحت أثينا أكثر اهتماماً بتنمية تجارة حلفائها، وبالتالي تشجيع مبادرة واستقلالية المكونات المختلفة لإمبراطوريتها. كانت الإمبراطورية الأثينية في الأصل قد تطورت من رحم حلف الأنداد التجاري. ورغم هيمنة مؤقتة لأثينا، التي واجهت نقداً علنياً من بعض مواطنيها (مثل أرسطفان)، إلا أن مصلحتها في تنمية التجارة قد أوصلتها، بمرور الزمن، إلى نوع ما من الدستور الفيدرالي. نحن على الأقل لا نسمع في الحالة الأثينية عن شيء يشبه الطريقة الرومانية في ’نقل‘ المقتنيات الثقافية من أنحاء الإمبراطورية إلى المدينة المهيمنة، أي أعمال السلب والنهب. وبغض النظر عن كل ما قد نقوله ضد حكم الأقلية الثرية، لكنه يبقى في جميع الأحوال أفضل ألف مرة من حكم العصابات وقطاع الطرق.
يمكن تدعيم هذه النظرة الحميدة للإمبريالية الأثينية بمقارنتها بالوسائل الإسبرطية لتناول الشؤون الخارجية. كان الإسبرطيون مقيدون بالغاية النهائية التي حكمت السياسة الإسبرطية في محاولتها لإيقاف كل تغيير والعودة إلى القبلية. (وهو، كما أبين لاحقاً، أمر مستحيل الحدوث. إذ بمجرد أن تضيع البراءة لا يمكن استعادتها، ولا يمكن مساواة المجتمع المغلق الموقوف بشكل مصطنع، أو القبلية المختلقة، بالقبلية الحقيقية.) فيما يلي المبادئ التي قامت عليها السياسة الإسبرطية. (1) حماية قبليتها الموقوفة: الانغلاق دون كافة المؤثرات الأجنبية التي قد تهدد صرامة المحرمات القبلية. – (2) معاداة الإنسانوية: الانغلاق، بدرجة أكبر، دون كافة الأيديولوجيات المساواتية والديمقراطية والفردانية.- (3) الاكتفاء الذاتي: الاستغناء عن التجارة.- (4) معاداة العالمية أو إعلاء الخصوصية الثقافية: إبراز أوجه المفاضلة بين قبيلتك وكل القبائل الأخرى؛ لا تخالط من هم دونك خلقاً.- (5) السيدية: بسط الهيمنة على الجيران واستعبادهم.- (6) لكن لا تتوسع أكثر من اللازم: ’لا تتوسع المدينة إلا إلى الحد الذي لا يشكل خطراً على وحدتها‘، الذي لا يستقدم ميولاً عالمية.- حين نقارن بين تلك الميول الرئيسية الستة وبين ميول الشمولية الحديثة، نرى مدى الاتفاق فيما بينها، باستثناء في الميل الأخير فقط. ويمكن تفسير هذا الاختلاف بالقول أن الشمولية الحديثة تحوي على ما يبدو ميولاً إمبريالية. لكن هذه الإمبريالية لا تحوي أي من عناصر العالمية المتسامحة، والطموحات العالمية لدى الشموليين المحدثين مفروضة عليهم في واقع الأمر، رغماً عن إرادتهم. يُسأل عن ذلك عاملين اثنين. الأول هو ميل عام قديم لدى كل المستبدين لتبرير وجودهم بحجة إنقاذ الدولة (أو الشعب) من أعدائها- الميل الذي يؤدي حتماً، بعد النجاح في إخضاع الأعداء القدامى، إلى خلق أو اختلاق أعداء جدد. العامل الثاني هو محاولة تنفيذ النقطتين وثيقتي الصلة (2) و(5) من البرنامج الشمولي. حيث أن الإنسانوية، التي وفقاً للنقطة (2) يجب الانغلاق دونها، قد أصبحت على قدر من الذيوع والانتشار إلى حد أن محاربتها بفاعلية في الداخل يستلزم استئصالها شأفتها من كل أنحاء العالم. غير أن عالمنا قد انكمش الآن إلى درجة أن أصبحنا جميعاً جيراناً لبعضنا البعض، وبالتالي يترتب على تنفيذ النقطة (5) ضرورة فرض الهيمنة على الجميع واستعبادهم. في الأزمان القديمة، ما كان شيء يبدو أكثر خطورة على هؤلاء الذين انتهجوا سياسة الخصوصية الثقافية مثل إسبرطة، من الإمبريالية الأثينية، بميلها الفطري للتطور إلى اتحاد من المدن اليونانية، وربما حتى إلى إمبراطورية عالمية من صنع البشر.
تلخيصاً لتحليلنا إلى الآن، يمكن القول أن الثورة السياسية والروحية التي بدأت بانهيار القبلية اليونانية بلغت أوجها في القرن الخامس، مع اندلاع الحرب البيلوبونيزية. ثم تطورت إلى حرب طبقية عنيفة، وفي الوقت نفسه إلى حرب بين أكبر مدينتين في بلاد اليونان.
ثالثاً
لكن كيف نفسر حقيقة اصطفاف أثينيين بارزين من أمثال ثوقيديدس بجانب الرجعية ضد هذه التطورات الجديدة؟ أعتقد أن المصلحة الطبقة تعطينا التفسير الكافي؛ لأن ما يتعين علينا تفسيره هو حقيقة أنه رغم انضمام كثير من الشبان النبلاء الطموحين للحزب الديمقراطي، إلا أن بعض من أعمقهم فكراً وأصدقهم موهبة قاوموا دعوته. يبدو أن النقطة الرئيسية هي رغم الوجود الفعلي للمجتمع المفتوح وبداية تطويره قيماً جديدة، مقاييس مساواتية جديدة للحياة، لكن كان لا يزال هناك شيئاً مفقوداً، بالتحديد فيما يخص ’المستنيرين‘. كان دين المجتمع المفتوح الجديد، الإنسانوية، في سنواته الأولى، لكنه لم يكن قد بلغ الرشد بعد. لذلك ما كان بمقدور المرء أن يرى سوى حرب طبقية، خشية الديمقراطيين من الرجعية الأوليغارشية، والتهديد بمزيد من التطورات الثورية. لذلك وجدت الرجعية ضد تلك التطورات الكثيرين ممن أخذوا صفها- التقاليد، الدعوة للدفاع عن الفضائل القديمة، والدين القديم. هذه الميول هزت مشاعر معظم الناس، وأعطت شعبيتها الظهور لحركة، رغم قيادتها من قبل الإسبرطيين وأصدقائهم الأوليغارشيين وتسخيرها لمقاصدهم الخاصة، انضم لها كثير من الرجال، حتى في أثينا. من الشعار الذي رفعته هذه الحركة، ’العودة إلى ما عهدنا عليه آبائنا‘، أو ’العودة إلى دولة الآباء الأولين‘، يشتق المصطلح ’أبوية‘. ومن الغني عن القول أن المعتقدات الشائعة وسط هؤلاء الذين أيدوا هذه الحركة ’الأبوية‘ قد شهدت تحريفاً مخلاً من طرف هؤلاء الأوليغارشيون الذين لم يتورعوا عن تسليم مدينتهم أنفسهم للعدو، أملاً في كسب تأييده ضد الديمقراطيين. كان ثوقيديدس أحد الزعماء الممثلين لحركة العودة إلى ’دولة الآباء‘، ورغم استبعاد أن يكون قد أيد أعمال الخيانة التي اقترفها المعادون المتطرفون للديمقراطية، لكنه لم يخفي تعاطفه مع غايتهم الأساسية- إيقاف التغيير الاجتماعي، ومحاربة الإمبريالية العالمية للديمقراطية الأثينية ووسائل ورموز قوتها، الأسطول والأسوار والتجارة. (بالنظر إلى آراء أفلاطون بخصوص التجارة، تجدر الإشارة إلى حجم الخشية من النزعة التجارية. بعد انتصاره على أثينا في عام 404 قبل الميلاد، عاد الملك الإسبرطي، ليساندر، بغنيمة عظيمة، وحاول ’الأبويون‘ الإسبرطيون، أي أعضاء حركة بعث ’دولة الآباء‘، تحريم استيراد الذهب؛ ورغم السماح به في نهاية المطاف لكن اقتصرت حيازته على الدولة، وفرضت عقوبة الإعدام على أي مواطن وجدت في حيازته معادن نفيسة. سنجد أفلاطون يوصى في القوانين بإجراءات مشابهة جداً.)
رغم أن الحركة ’الأبوية‘ كانت إلى حد ما تعبيراً عن التطلع للعودة لأشكال أكثر استقراراً من الحياة، إلى الدين والحشمة والقانون والنظام، إلا أنها في حد ذاتها كانت متعفنة أخلاقياً. حيث خسرت إيمانها القديم، وحل محله بدرجة كبيرة الاستغلال المرائي والمزايد للمشاعر الدينية. وظهرت العدمية، كما رسمها أفلاطون في شخصيات كاليكليس وثراسيامفوس، بخاصة وسط شباب الأرستقراطيين ’الأبويين‘ الذين حين سنحت لهم الفرصة أصبحوا قادة في الحزب الديمقراطي. وربما يعطي أوضح مثال لهذه العدمية القائد الأوليغارشي الذي ساعد في توجيه الضربة القاضية لأثينا، عم أفلاطون كريتياس، زعيم المستبدين الثلاثين.
لكن في ذلك الزمان، خلال نفس الجيل الذي ينتمي إليه ثوقيديدس، ظهر في الأفق إيمان جديد بالعقل والحرية والأخوة بين البشر أجمعين- الإيمان الجديد، والوحيد على ما أعتقد، الذي لا يمكن أن يولد سوى من رحم مجتمع مفتوح.
رابعاً
يمثل هذا الجيل نقطة تحول كبرى في تاريخ البشرية ويطيب لي نعته ’جيل العظماء‘؛ الجيل الذي عاش في أثينا مباشرة قبل، وأثناء، الحرب البيلوبونيزية. ضم محافظين عظماء، مثل سوفوكليس، أو ثوقيديدس. وضم رجالاً مثلوا الفترة الانتقالية؛ من المترددين، مثل يوربيديس، أو المتشككين، مثل أرسطفان. لكنه ضم أيضاً قائد الديمقراطية العظيم، بريكليس، الذي صاغ مبدأ المساواة أمام القانون ومبدأ الفردانية السياسية، وهيرودوتس، الذي استُقبل بالترحيب والهتاف في مدينة بريكليس بوصفه المؤلف لعمل يعلي من شأن تلك المبادئ. كما ضم كذلك بروتاغوراس، ابن مدينة أبديرا الذي حقق شهرة وتأثيراً في أثينا، ويجب أيضاً احتساب مواطنه ديمقريطس من جيل العظماء. هؤلاء هم الذين صاغوا مفهوم أن المؤسسات البشرية مثل اللغة والعادات والقوانين ليست كائنات سحرية مثل المحرمات لكنها من صنع البشر، ليست نبت الطبيعة لكنها نبت التقاليد، مع الإصرار في الوقت نفسه على مسؤوليتنا عنها. ثم كانت هناك مدرسة غورغياس- ألسيداماس، ليكوفرون وأنطستينوس، الذين صاغوا الفرضيات الأساسية لمناهضة العبودية، والحمائية العقلانية، ومناهضة القومانية، بمعنى عقيدة إمبراطورية البشر العالمية. ثم جاء الدور على أعظم كل هؤلاء أجمعين، سقراط، الذي علمنا درس الايمان بالفكر والعقل البشري، شرط أن نحاذر في الوقت ذاته من الوقوع في مصيدة التزمت العقائدي؛ علمنا وجوب الابتعاد عن الميسولوجي، بمعنى عدم الثقة في التنظير وفي التفكير العقلي، وعن التوجه السحري لدى هؤلاء الذين يصنعون من الحكمة صنماً معبوداً؛ الذي علمنا، في قول آخر، أن روح العلم هي التفكير النقدي.
حتى اللحظة لم أتحدث كثيراً حول بريكليس، ولم أتفوه بشيء على الإطلاق حول ديمقريطس، وسأكتفي باقتباس بعضاً من كلماتهما التي تستجلي طبيعة هذا الإيمان الجديد. إليكم ديمقريطس أولاً: ’ليس بدافع من الخوف لكن من الشعور بما هو صواب ينبغي الامتناع عن فعل الخطأ.. تقوم الفضيلة، في المقام الأول، على احترام الآخر... كل إنسان هو عالم صغير بذاته... وينبغي علينا فعل كل ما بوسعنا لنجدة هؤلاء الذين تعرضوا للظلم... أن تكون خيراً يعني ألا تفعل الخطأ؛ وأيضاً، ألا تريد فعل الخطأ... الأعمال الخيرة، لا الكلمات، هي التي تحتسب... فقر الديمقراطية أفضل من الرخاء في كنف الارستقراطية أو الملكية، بالضبط مثلما الحرية أفضل من العبودية... الرجل الحكيم ينتمي لكل البلدان، لأن الروح الطيبة لا ترضي بأقل من العالم كله وطناً لها.‘ وإليه تنسب أيضاً تلك الملاحظة المتعلقة بالعالم الحق: ’أفضل اكتشاف قانون سببي واحد على أن أكون ملكاً لبلاد فارس!‘
في توجهها الإنساني والعالمي تبدو بعض هذه المقتطفات من ديمقريطس، رغم كونها أسبق عمراً، كما لو كانت موجهة ضد أفلاطون. وقد نخرج بنفس هذا الانطباع، لكن بقوة أكبر كثيراً، من الخطبة الجنائزية الشهيرة لبريكليس، التي ألقيت قبل قرن على الأقل من كتابة الجمهورية. اقتبست جملتين من هذه الخطبة في الفصل 6، حين مناقشة المساواتية، وسأقتبس هنا بضع فقرات بمزيد من التفصيل لإعطاء حس أفضل بروحها. ’نظامنا السياسي لا يتنافس مع المؤسسات العاملة في موضع آخر. نحن لا نقلد جيراننا، بل نحاول أن نكون مثالاً يحتذي. حكومتنا تقدم مصلحة الأكثرية على الأقلية: لهذا السبب نسميها ديمقراطية. توفر القوانين عدالة متساوية للكافة على حد سواء في نزاعاتهم، لكننا لا نتجاهل أصحاب المهارات الخاصة. حين يميز أحد المواطنين نفسه على الآخرين في عمل ما، عندئذٍ ندعوه إلى خدمة الدولة، تفضيلاً له على الآخرين، ليس كنوع من الامتياز، بل كمكافأة للجدارة؛ ولا يقف الفقر حائلاً دون ذلك... الحرية التي نتمتع بها تمتد أيضاً إلى الحياة اليومية؛ نحن لا نسيئ الظن في بعضنا البعض، ولا نعيب على جارنا أن يعيش حياته الخاصة كيفما شاء... لكن هذه الحرية لا تجعلنا متسيبين. نحن نتعلم احترام المسؤولين والقوانين، ولا ننسى أبداً واجب حماية المنكوبين. كما نتعلم مراعاة القوانين غير المدونة التي تستمد شرعيتها فقط من الشعور العام بما هو صائب...
’مدينتنا تفتح ذراعيها للعالم أجمع؛ ولا تلفظ مطلقاً الأغراب... نحن أحرار للعيش كيفما نريد، ومتأهبون في الوقت نفسه لملاقاة أي خطر... نحن نحب الجمال من دون أن تجمح بنا الأحلام، ورغم محاولة تحسين عقلنا، لا نُضعف إرادتنا... لا يعيب المرء منا الإقرار بفقره؛ لكن ما يعيبه حقاً هو ألا يجتهد لكي يتفاداه. المواطن الأثيني الحقيقي لا يهمل قط الشؤون العامة حين ينشغل بأموره الخاصة... نحن لا نعتبر الرجل غير المهتم بأمور الدولة غير مؤذي، بل عديم النفع. رغم أن القلة فقط يمكنهم اقتراح السياسات، لكننا جميعاً نستطيع الحكم عليها. نحن لا ننظر إلى النقاش كحجر عثرة في طريق العمل السياسي، لكن كتمهيد لا غنى عنه للعمل بحكمة... نحن نعتقد أن السعادة هي ثمرة الحرية والحرية ثمرة الشجاعة، ولا نهاب مواجهة أخطار الحرب... خلاصة القول، أنا أعتبر أثينا مدرسة لليونانيين، والمواطن الأثيني نموذجاً للحياة الخصبة السعيدة والاستعداد للطوارئ والاعتماد على النفس.‘
ليس القصد هذه الكلمات أن تكون بكائية على أطلال أثينا؛ بل هي تعبير صادق عن الروح الحقيقية لجيل العظماء. وهي تصيغ البرنامج السياسي لفرداني مساواتي عظيم، لديمقراطي يفهم جيداً أن الديمقراطية لا تتحقق على مبدأ عقيم مثل ’حكم الشعب بالشعب‘، بل يجب أن تقوم على إيمان بالعقل، على إنسانوية. وهي في الوقت نفسه تعبير عن الوطنية الحقة، عن الاعتزاز بمدينة أخذت على عاتقها أن تصنع من نفسها مثالاً يحتذي؛ التي أصبحت مدرسة جامعة، ليس فقط لليونانيين، لكن، كما نعلم جيداً، للبشرية، لآلاف السنين التي قد خلت والتي ستأتي.
لا تقدم خطبة بريكليس برنامجاً فحسب، بل تعرض كذلك دفاع، وربما حتى هجوم. كما ألمحت بالفعل هي تشن هجوماً مباشراً على أفلاطون. أنا لا أشك في أنها كانت موجهة، ليس فقط ضد القبلية الإسبرطية الموقوفة، لكن أيضاً ضد الحلقة الشمولية أو ’الطابور‘ المتواري وسط الديار؛ ضد الحركة المناصرة للدولة الأبوية، ’جمعية أصدقاء لاكونيا‘ الأثينية (كما أسماها ثيودور جومبيرز في عام 1902). كانت الخطبة هي الأسبق وفي الوقت ذاته ربما البيان الأقوى على الإطلاق ضد هذه النوعية من الحركات. وقد أحس أفلاطون بمدى تأثيرها، حين هزئ بخطبة بريكليس حتى بعد مرور قرن من الزمان في فقرات من الجمهورية حيث هاجم الديمقراطية، وكذلك في تلك الهزلية غير المقنعة، الحوار المدعو مينيكسينوس أو الخطبة الجنائزية. لكن رد أصدقاء لاكونيا الذين هاجمهم بريكليس جاء قبل زمن طويل من أفلاطون. بعد خمس أو ست سنوات فقط من خطبة بريكليس، نشر مؤلف مجهول (ربما كريتياس)، الذي يُدعى عادة الآن ’الأوليغارشي القديم‘ رسالة حول دستور أثينا. وربما تكون هذه الرسالة العبقرية، المبحث الموسع الأقدم في النظرية السياسية هي في الوقت ذاته التذكار الأقدم على تخلي القادة الفكريين عن البشرية. هي هجوم بلا رحمة على أثينا، كتبها من دون شك أحد ألمع عقولها المفكرة. فكرتها المركزية، الفكرة التي أصبحت فريضة إيمانية مع ثوقيديدس وأفلاطون، هي الصلة الوثيقة بين الإمبريالية البحرية والديمقراطية. وهي تحاول تبيان استحالة أن تقوم تسوية في الصراع بين العالمين، عالم الديمقراطية وعالم الأوليغارشية؛ أن استخدام العنف بلا رحمة، الإجراءات الشمولية، ومن ضمنها تدخل الحلفاء القادمين من الخارج (الإسبرطيين)، هي فقط الإجراءات الكفيلة بوضع نهاية لحكم الحرية البغيض. كان مقدراً لهذه الرسالة أن تصبح الأولى من سلسلة بغير نهاية في الواقع من الأعمال في الفلسفة السياسية كررت كثيراً أو قليلاً، جهاراً أو سراً، ذات الموضوع وصولاً إلى يومنا الحاضر. إما بسبب انعدام الرغبة في، أو انعدام القدرة على، مساعدة البشرية في مسيرتها الشاقة نحو مستقبل مجهول، أخذ هؤلاء ’المستنيرون‘ على عاتقهم واجب خلق المستقبل بأيديهم، حاول بعضهم دفع البشرية إلى أن تعود أدراجها إلى الماضي البعيد. وبسبب عجزهم عن قيادة أمتهم إلى طريق جديد، ما كان بمقدورهم سوى أن يصنعوا من أنفسهم قادة التمرد الأزلي ضد الحرية. وبالتالي اضطروا إلى إبراز سموهم في الكفاح ضد المساواة لكونهم (باستخدام اللغة السقراطية) كارهون للبشر- عاجزون عن التحلي بقيم البساطة والتواضع التي تذكي الإيمان بالإنسان، الإيمان بالعقل البشري والحرية. رغم القسوة التي قد يبدو عليها هذا الحكم، لكني أخشى أن يكون حكماً عادلاً حال تطبيقه على هؤلاء القادة الفكريين للتمرد ضد الحرية ممن جاءوا بعد جيل العظماء، وبخاصة بعد سقراط. نستطيع الآن رؤيتهم بوضوح على خلفية هذا التفسير التاريخي.
يمكن تفسير ميلاد الفلسفة بحد ذاتها كرد فعل على انهيار المجتمع المغلق ومعتقداته السحرية. أتت الفلسفة كمحاولة لاستبدال الإيمان السحري المفقود بآخر عقلاني؛ تعديل تقليد توارث النظريات أو الأساطير عبر التلقين بتأسيس آخر جديد- تقليد تحدي النظريات والأساطير وتقليد المناقشة النقدية. (من الجدير بالذكر أن هذه المحاولة تزامنت مع انتشار ما تسمى الطوائف الأورفية التي حاول أعضائها استبدال شعور الوحدة المفقود بدين صوفي جديد.) ربما لم يعي أول الفلاسفة، الثلاثة الأيونيين العظماء وفيثاغورس، المحفز الذي استفز منهم الرد. لم يدركوا أنهم كانوا ممثلين وخصوم في الوقت نفسه لثورة اجتماعية. سنجد أن حقيقة تأسيسهم المدارس أو الطوائف أو الطرائق الدينية، أي مؤسسات اجتماعية أو بالأحرى جماعات حسية جديدة ذات حياة مشتركة ووظائف مشتركة، انتظمت بدرجة كبيرة وفق نماذج المؤسسات القبلية المفقودة، تشهد على أنهم كانوا مصلحين في الحقل الاجتماعي، وبالتالي استفزتهم احتياجات اجتماعية معينة. وأتت استجابتهم لتلك الاحتياجات ولشعورهم الشخصي بالاغتراب، ليس في صورة محاكاة لهسيودوس حين ابتدع أسطورة القدر والفناء التاريخانية، لكن بابتكار تقليد النقد والمناقشة، ومعه فن التفكير بعقلانية، الذي يمثل اللبنة الأولى التي تأسست فوقها بدايات حضارتنا. لكن رد الفعل من قبل حتى هؤلاء العقلانيون على فقدان الوحدة القبلية كان انفعالياً ومتطرفاً. ويعبر تفكيرهم عن مدى شعورهم بالاغتراب، مدى المعاناة جراء تطور كان على وشك التأسيس لحضارتنا الفردانية. يُنسب أحد أقدم التعابير عن هذه المعاناة إلى أناكسيماندر، ثاني الفلاسفة الأيونيين. بدا له الوجود الفردي نوعاً من الأنانية المتغطرسة والمغرورة، فعل ظالم وبغيض، سرقة بالإكراه، وجب على الفرد أن يعاني بسببه، لكي يتوب ويطلب الغفران. كان هيراقليطس هو أول من أدرك حقيقة الثورة الاجتماعية وصراع الطبقات. وقد بينا في الفصل الثاني من هذا الكتاب كيف عقلن شعوره بالاغتراب عبر تطوير أولى الأيديولوجيات المناهضة للديمقراطية وأول فلسلة تاريخانية عن التغيير والقدر. هيراقليطس هو أول عدو واع للمجتمع المفتوح.
كان كل هؤلاء المفكرون الأوائل تقريباً يعملون تحت إجهاد مأسوي ويائس. وربما جاء الاستثناء الوحيد في التوحيدي زينوفانيس، التي تحمل العبء بشجاعة. وليس من الانصاف أن نلوم عدائهم تجاه التطورات الجديدة بالطريقة التي قد نلوم بها، إلى حد ما، من خلفوهم. ربما كان الإيمان الجديد بالمجتمع المفتوح، الايمان بالإنسان، بالعدل المساواتي، بالعقل البشري، لم يتبلور بعد في شكل ملموس.
خامساً
جاءت أعظم مساهمة في هذا الايمان من سقراط، الذي لقي حتفه ثمناً لها. لم يكن سقراط من قادة الديمقراطية الأثينية، مثل بريكليس، أو من المنظرين للمجتمع المفتوح، مثل بروتاغوراس. بل كان ناقداً لأثنيا ولمؤسساتها الديمقراطية، وفي ذلك ربما قد حمل بعض من أوجه التشابه مع بعض قادة الرجعية ضد المجتمع المفتوح. لكن من ينتقد الديمقراطية والمؤسسات الديمقراطية لا يحتاج بالضرورة إلى أن يكون عدواً لها، رغم ترجيح اتفاق الديمقراطيين الذين انتقدهم، والشموليين الذين يأملون في التربح من أي انقسام داخل المعسكر الديمقراطي، على وصمه بهذا الشكل. يوجد اختلاف كبير بين النقد الديمقراطي والنقد الشمولي للديمقراطية. وكان نقد سقراط من النوعية الديمقراطية، وفي الحقيقة من النوعية التي تمد شريان الحياة للديمقراطية. (الديمقراطيون الذين لا يرون الاختلاف بين النقد الودي والمعادي للديمقراطية هم أنفسهم مشبعين بالروح الشمولية. حيث لا تستطيع الشمولية اعتبار أي نقد ودياً، لأن كل نقد لسلطة من هذا النوع لابد أن يتحدى مبدأ السلطة ذاته.)
قد ذكرت بالفعل بعض الأوجه من تعاليم سقراط: عقلانيته، بمعنى نظريته المساواتية عن العقل البشري كوسيلة اتصال جامعة؛ تشديده على الأمانة الفكرية والنقد الذاتي؛ نظريته المساواتية عن العدل، وسنته أن الأفضل لك أن تكون ضحية للظلم على أن تقترفه بحق الآخرين. أظن أن هذه السُنة الأخيرة قد تساعدنا في فهم صلب تعاليمه، نظريته عن الفردانية وإيمانه بقيمة الفرد البشري كنهاية في حد نفسه.
كان المجتمع المغلق، ومعه معتقده في أن القبيلة هي كل شيء والفرد لا شيء، قد سقط أرضاً. وأصبحت المبادرة الفردية والثقة بالنفس حقيقة. وترسخ الاهتمام بالفرد البشري كفرد، وليس فقط كبطل ومخلص قبلي. لكن لم تبدأ فلسفة تجعل من الإنسان مركز اهتمامها إلا مع بروتاغوراس. وينسب إلى سقراط اليقين بعدم وجود شيء أكثر أهمية في حياتنا من أفراد البشر الآخرين، ودعوة البشر لاحترام بعضهم البعض وأنفسهم.
قد أكد بيرنت على أن سقراط هو من أنشأ مفهوم الروح، المفهوم الذي ترك تأثيراً واسعاً على حضارتنا. أعتقد أن نظرته صائبة إلى حد بعيد، رغم شعوري أن صياغتها قد تكون مضللة، وبخاصة استخدام المصطلح ’الروح‘؛ لأن سقراط قد نأى بنفسه قدر استطاعته عن النظريات الميتافيزيقية. كانت دعوته أخلاقية، ونظريته عن الفردانية (أو عن ’الروح‘، إذا كانت هذه هي الكلمة المفضلة) تندرج، على ما أعتقد، ضمن المعتقد الأخلاقي وليس الميتافيزيقي. كان يكافح، بعون من معتقده، كعادته دائماً، ضد الرضا عن النفس والاغترار بالنفس. طالب بوجوب ألا تكون الفردانية مجرد انفكاك من القبلية، بل يجب على الفرد أن يثبت جدارته لنيل هذه الحرية. لذلك أصر على كون الإنسان أكثر من مجرد قطعة لحم- جسد. هناك أكثر من ذلك في الإنسان، قبس من نور إلهي، عقل؛ حب للصدق والعطف والرحمة، وحب للجمال وللخير. تلك الفضائل هي ما يجعل حيوات الناس جديرة بعيشها. لكن عندما لا أكون مجرد ’جسد‘، ماذا أكون، إذن؟ يجيب سقراط: أنت، قبل كل شيء، إدراك. عقلك هو ما يصنع منك كائن بشري؛ ما يمكنك من أن تكون أكثر من مجرد حزمة من الرغبات والشهوات؛ ما يجعلك فرد مكتفي بذاته ويخولك للادعاء بكونك غاية في حد نفسك. لذلك يمثل قول سقراط ’اعتني بروحك‘ دعوة للأمانة الفكرية، بالضبط مثلما يُستخدم قوله ’اعرف نفسك‘ لتذكيرنا بحدودنا الفكرية.
يُصر سقراط على اعتبار تلك الأشياء هي ما يهم حقاً. وقد انتقد في الديمقراطية والساسة الديمقراطيين عدم إدراكهم الكافي لهذه الأشياء. كان محقاً في نقده افتقارهم للأمانة الفكرية، وهوسهم بسياسات القوة. لكنه بالتشديد على الجانب الإنساني للمشكلة السياسية، لم يتمكن من إعطاء الاهتمام الكافي للإصلاح المؤسسي. كان الوجه السطحي، الشخصي للمجتمع المفتوح هو ما أهمه. وقد أخطأ حين اعتبر نفسه سياسياً؛ لأنه كان في الواقع معلماً.
لكن إذا كان سقراط، أساساً، هو نصير المجتمع الفتوح، وصديقاً للديمقراطية، لماذا، كما قد يسأل أحدهم، اختلط فعلاً بأعداء الديمقراطية؟ لأننا نعلم أن أصدقائه لم يقتصروا فقط على ألكيبيادس، الذي انتقل لبعض الوقت إلى صف إسبرطة، لكن كان هناك أيضاً اثنين من أعمام أفلاطون، كريتياس، الذي أصبح فيما بعد زعيماً عديم الرحمة للمستبدين الثلاثين، وشارميدز الذي أصبح نائباً له.
يوجد أكثر من جواب واحد على هذ السؤال. أولاً يقال لنا من طرف أفلاطون أن هجوم سقراط على الساسة الديمقراطيين في زمانه قد حدث جزئياً بغرض فضح أنانية مداهني الشعب المنافقين وشهوتهم للسلطة، وبخاصة شباب الأرستقراطيين ممن تظاهروا بكونهم ديمقراطيين، في حين كانوا يعتبرون الشعب مجرد أدوات لإشباع شهوتهم للسلطة. وقد جعله هذا النشاط، من جهة، مقرباً لبعض على الأقل من أعداء الديمقراطية؛ وعلى الجهة الأخرى وضعه على اتصال مع الأرستقراطيين الطموحين من نفس تلك النوعية. هنا يدخل اعتبار ثان. سقراط، الأخلاقي والفرداني، ما كان سيكتفي أبداً بمهاجمة هؤلاء الرجال فقط. بل كان، بالأحرى، سيبدي اهتماماً حقيقياً بهم، وما كان يتصور أن يتركهم من دون بذل الجهد الكافي لهدايتهم إلى الصواب. تشمل حوارات أفلاطون تلميحات كثيرة لمحاولات من هذا القبيل. ولدينا من الأسباب، وهذا اعتبار ثالث، ما يكفي لتصديق أن سقراط، السياسي المعلم، قد حاد حتى عن طريقه في محاولة لجذب الشباب وكسب التأثير عليهم، خاصة عندما توسم فيهم الانفتاح للهداية، وظن أنهم في يوم ما قد يتقلدون مناصب المسؤولية في مدينتهم. يعطي ألكيبيادس مثالاً من هذه الشاكلة. (تعاون مع ألكيبيادس لفترة من الزمن، لكن في وقت لاحق تحول ضده. ولا استبعد إطلاقاً أن يكون هذا التعاون المؤقت مرده إلى تأثير سقراط.) من كل ما نعلم حول طموحات أفلاطون السياسية المبكرة والمتأخرة، نرجح أن علاقاته مع سقراط كانت من نوعية مشابهة. رغم كونه أحد رواد المجتمع المفتوح، لكن سقراط لم يكن رجلاً حزبياً. وكان سيعمل في أي دائرة حيث يرجح أن يفيد عمله مصلحة مدينته. وعلى هذا الأساس لم تردعه الصلات العائلية الأوليغارشية عندما وجد ضالته في شاب واعد.
لكن نفس هذه الصلات هي التي كانت السبب في موته. حيث اتُهم سقراط بعد الهزيمة في الحرب الكبرى بتعليم الرجال الذين خانوا الديمقراطية وتآمروا مع العدو على إسقاط أثينا.
لا زال يُحكى تاريخ الحرب البيلوبونيزية وسقوط أثينا في الغالب، تحت تأثير سلطة ثوقيديدس، بطريقة تجعل هزيمة أثينا تبدو كما لو كانت برهاناً على ما يشوب النظام الديمقراطي من ضعف وانحطاط أخلاقي. هذه النظرة لا تقدم سوى تحريف مضلل، بينما تخبرنا الحقائق المعلومة بقصة مختلفة جداً. حيث من يتحمل المسؤولية الرئيسية عن الهزيمة هم الأوليغارشيين الخونة الذين دأبوا على التآمر مع إسبرطة. كان من بينهم ثلاثة من تلامذة سقراط السابقين، ألكيبيادس وكريتياس، وخارميدس. وبعد سقوط أثينا في 404 قبل الميلاد أصبح الاثنين الأخيرين من قادة المستبدين الثلاثين، الذين لم يكونوا أكثر من حكومة دمية تحت الحماية الإسبرطية. في الغالب ما تُصور أحداث سقوط أثينا، وتدمير الأسوار، كما لو كانت نتيجة حرب كبرى اندلعت في 432 قبل الميلاد. لكن هذا التصور يضمر تحريفاً هائلاً؛ لأن الديمقراطيون لم يستسلموا وواصلوا القتال. في البداية بقوة سبعين رجلاً فقط، أعدوا العدة تحت قيادة ثراسيبولوس وأنيتوس لتحرير أثينا، بينما كان كريتياس في هذه الأثناء يقتل المواطنين؛ وخلال ثمانية أشهر من حكم الرعب ضمت حصيلة الوفيات ’عدداً من الأثينيين أكبر ممن قتلهم البيلوبونيزيون خلال العشرة سنوات الأخيرة من الحرب‘. لكن بعد ثمانية أشهر (في 403 قبل الميلاد) شن الديمقراطيون هجوماً ضد كريتياس والحامية الإسبرطية وهزموهم ووطدوا حكمهم في بيرايوس، ولقي كلا عمي أفلاطون حتفهما في المعركة. ثم واصل أتباعهم الأوليغارشيين لبعض الوقت حكم الرعب في مدينة أثينا نفسها، لكن قواتهم كانت في حالة ارتباك وفوضى. وعندما ثبتت عدم كفاءتهم للحكم، تخلى عنهم حماتهم الإسبرطيون في نهاية المطاف، وأبرموا معاهدة مع الديمقراطيين. كان من نتيجة هذا السلام عودة الديمقراطية إلى أثينا. هكذا كشف الشكل الديمقراطي للحكم عن قوة أسمى حتى في ظل ظروف بالغة القسوة، لدرجة جعلت حتى أعدائه يظنون أنه لا يقهر. (بعد مرور تسعة أعوام، عقب معركة كنيدوس، أعاد الأثينيون تشييد أسوار مدينتهم. وانقلبت هزيمة الديمقراطية إلى نصر.)
بمجرد أن تمكنت الديمقراطية المستعادة من إعادة فرض الشروط القانونية المعتادة، رفعت دعوى قضائية ضد سقراط. كان فحواها واضحاً بما لا يدع مجالاً للشك؛ حيث اتُهم سقراط بالضلوع في تعليم ألد أعداء الدولة، ألكيبيادس وكريتياس، وخارميدس. لكن وجدت بعض الصعوبات أمام الادعاء العام على خلفية عفو يشمل جميع الجرائم السياسية التي ارتكبت قبل إعادة فرض الديمقراطية. وعليه ما كان يمكن أن تشير التهمة بأصابعها علانية لتلك النماذج السيئة السمعة. وربما لم يرغب المدعون في معاقبة سقراط عن أحداث سياسية مؤسفة من الماضي قد وقعت، كما نعلم جيداً، على عكس نواياه؛ بل كان هدفهم ينصب أكثر على منعه من مواصلة تدريسه الذي، بالنظر إلى نتائجه، ما كان يمكنهم اعتباره سوى أن يكون خطراً على الدولة. لتلك الأسباب أخذت التهمة صيغة مبهمة وبلا معنى مفادها أن سقراط كان يُفسد الشباب، لم يكن متديناً، وقد حاول جلب ممارسات دينية مبتدعة إلى الدولة. (عبرت التهمتين الأخيرتين، ولو سطحياً، عن شعور صائب بثورية سقراط في الميدان العرقي-الديني.) بسبب العفو، ما كان بالإمكان تحديد من هم هؤلاء ’الشباب المفسدين‘ بالاسم، بينما كان الجميع يعرفونهم فعلاً. في دفاعه، أصر سقراط على عدم تعاطفه مع سياسة المستبدين الثلاثين، وأنه خاطر بحياته حين تحدي محاولتهم توريطه في واحدة من جرائمهم. ثم ذكر هيئة القضاة أن من بين أوثق أصدقائه وأخلص تلامذته كان يوجد على الأقل ديمقراطي غيور، تشايريفون، الذي حارب ضد المستبدين الثلاثين (وعلى ما يبدو قتل في المعركة).
من المعترف به عادة الآن أن أنيتوس، القائد الديمقراطي الذي أيد الادعاء، ما كان يريد أن يصنع من سقراط شهيداً. كان يريد نفيه. لكن ما أفشل هذه الخطة هو رفض سقراط التفريط في مبادئه. لا أظن أن سقراط أراد أن يموت، أو استمتع بدور الضحية. بل كان يناضل ببساطة في سبيل ما اعتقد في صوابه، في سبيل عمل حياته. ما كان يريد أبداً تقويض الديمقراطية. بل حاول فعلاً منحها ما احتاجته من إيمان. ذلك هو عمل حياته. وقد أحس بجسامة الأخطار التي تهدد هذا العمل. قد تأثرت نفسيته بشدة بسبب خيانة رفقائه السابقين. ولا يستبعد أن يكون قد رحب بالمحاكمة كفرصة حتى يثبت أن ولائه لمدينته كان بلا حدود.
عرض سقراط هذا التوجه بأسطع ما يكون حين أعطيت له الفرصة للهرب. لو كان استغلها ونجى بحياته، وعاش منفياً، كان سيرى فيه الجميع عدواً للديمقراطية. لذلك بقي، وقدم مبرراته، التي ضمنها في وصيته الأخيرة في حوار أفلاطون المدعو كريتو. حيث يقول سقراط ببساطة: إذا ذهبت، أنا بذلك أنتهك قوانين الدولة. مثل هذا الفعل سيضعني في معارضة مع القوانين، ويبرهن على عدم ولائي. بذلك ألحق بالدولة ضرراً جسيماً. فقط إذا بقيت أستطيع أن أثبت بما لا يدع مكاناً للشك ولائي لها، وإخلاصي لقوانينها الديمقراطية، وأبرهن على أنني لم أكن أبداً عدوها. لا برهان على ولائي أفضل من استعدادي للتضحية بحياتي من أجله.
كانت وفاة سقراط ذاتها خير برهان على صدقه. وقتها لم يتخلى قط عن شجاعته وبساطته وتواضعه وهدوءه ومرحه. قال في حواره المدعو الاعتذار: ’أنا الملاك الذي بعثه الله لهذه المدينة، أظل أطوف بكم النهار بطوله وألازمكم كظلكم في كل مكان، استنهض الهمم وأقنع العقول وأعظ القلوب. لن تجدوا بسهولة أبداً من يشبهني، ولذلك أستحلفكم ألا تضيعوني هباءً .. أذا ضربتموني، كما ينصحكم أنيتوس، وتعجلتم موتي، ستبقون نائمين لبقية حيواتكم، ما لم يلطف بكم الله ويبعث فيكم ملاكاً آخر‘. لقد برهن سقراط على حقيقة أن الإنسان يمكن أن يموت، ليس فقط تلبية لدعوة القدر والمجد وأشياء عظيمة أخرى من هذا القبيل، لكن أيضاً في سبيل حرية التفكير النقدي، في سبيل احترام للذات لا يمت بصلة لأهمية الذات أو العاطفة.
سادساً
لم يكن لسقراط سوى وريث واحد فقط جديراً بخلافته، صديقه القديم أنطستينوس، الأخير من جيل العظماء. في حين أن أفلاطون، تلميذه الأكثر موهبة، سرعان ما برهن على كونه الأقل إخلاصاً لأستاذه. خان أفلاطون سقراط، بالضبط كما فعل عماه اللذين، علاوة على خيانة سقراط، حاولا أيضاً توريطه في أعمالهما المرعبة، من دون أن ينجحا، لأنه قاوم. كذلك حاول أفلاطون توريط سقراط في مسعاه الأكبر لتأسيس نظرية المجتمع الموقوف؛ ولم يجد من صعوبة تمنعه، لأن سقراط كان قد مات.
أعلم بالطبع أن هذا الحكم قد يبدو قاسياً، حتى لهؤلاء المنتقدين لأفلاطون. لكن إذا أعدنا النظر في الاعتذار وكريتو باعتبارهما وصية سقراط الأخيرة، وإذا قارنا هاتين الشهادتين من أواخر عمره مع شهادة أفلاطون في القوانين، عندئذٍ قد يكون من الصعب الحكم بخلاف ذلك. كانت إدانة سقراط قد ثبتت، لكن موته لم يكن هو ما أراده من بادروا بمحاكمته. في القوانين يتطرق أفلاطون لهذه النقطة، غياب نية القتل. ونجده يصقل ببرود وعناية فائقة نظرية عن تفتيش الضمائر. هكذا يصبح التفكير الحر، نقد المؤسسات السياسية، تعليم الشباب أفكاراً جديداً، محاولات إدخال ممارسات أو حتى آراء دينية جديدة، جميعها جرائم مؤكدة تستحق الموت. ربما في دولة أفلاطون ما كان سقراط سينال فرصة أبداً لكي يدافع عن نفسه على الملأ؛ ومن شبه المؤكد كان سيسلم للمجلس الليلي السري بغرض ’مداواة‘ روحه الثكلى، وفي النهاية معاقبتها.
ليس هناك ما يدعوني إلى الشك في حقيقة خيانة أفلاطون، ولا في أن استعماله لسقراط في دور المتحدث الرئيسي في الجمهورية كانت المحاولة الأكثر نجاحاً لتوريطه. لكن إذا ما كانت هذه المحاولة متعمدة أو لا تعد مسألة أخرى.
لكي نفهم أفلاطون علينا إعادة رسم صورة كلية لوضعه المعاصر. بعد الحرب البيلوبونيزية، كان الشعور بثقل الحضارة قد بلغ منتهاه. كانت آمال الأوليغارشية القديمة لا تزال حية، وأسهمت هزيمة أثينا في إيقاظ أحلامهم أكثر، ليستمر الصراع الطبقي. رغم ذلك فشلت محاولة كريتياس لتدمير الديمقراطية عبر تنفيذ البرنامج الأوليغارشي القديم. لا يعزى فشله إلى ضعف في العزيمة؛ لكنه لم يفلح رغم استعمال أبشع وسائل العنف، ورغم الظروف المواتية في صورة دعم قوي من إسبرطة المنتصرة. عندئذٍ أحس أفلاطون بحاجة البرنامج إلى عملية إعادة بناء كاملة. لقد مني المستبدين الثلاثين بالهزيمة في ميدان سياسة القوة بدرجة رئيسية بسبب جورهم على حس العدل لدى المواطنين. بالتالي كانت هزيمتهم أخلاقية إلى حد بعيد. وبرهن إيمان جيل العظماء عن مدى قوته. لم يملك المستبدون الثلاثون شيئاً من هذا النوع لتقديمه؛ بل كانوا عدميين أخلاقيين. أحس أفلاطون استحالة بعث برنامج الأوليغارشية القديم إلى الحياة مجداً من دون إسناده على عقيدة إيمانية أخرى، تعيد تأكيد القيم القبلية القديمة، وتدحض الإيمان بالمجتمع المفتوح. يجب تعليم الناس أن العدل يعني اللامساواة، وأن القبيلة، الجماعة، تقف أسمى من الفرد. لكن بالنظر إلى أن إيمان سقراط كان على درجة من القوة لا تسمح بتحديه علانية، اضطر أفلاطون إلى إعادة تفسيره في صورة إيمان بالمجتمع المغلق. لا شك كانت المهمة صعبة حقاً؛ لكنها لم تكن مستحيلة. ألم يُقتل سقراط نفسه بيد الديمقراطية؟ ألم تضيع الديمقراطية أي حق لها للمطالبة بالثأر له؟ ألم يدأب سقراط على نقد الجماهير المغفلة وقادتها لافتقارهم للحكمة؟ علاوة على ذلك، لم يجد أفلاطون صعوبة كبيرة في إعادة تفسير سقراط باعتباره قد أوصى بحكم ’المستنيرين‘، الفلاسفة المتعلمين. وقد عزز من هذا التفسير أكثر اكتشاف أفلاطون أنه كان أيضاً ركن من العقيدة الفيثاغورسية القديمة؛ وبالأخص حين عثر في أرخيتاس من تارنتوم على مثال يحتذى لحكيم فيثاغورسي ورجل دولة عظيم وناجح في آن. هنا أحس أنه قد اهتدى إلى حل اللغز. ألم يشجع سقراط نفسه تلامذته للمشاركة في السياسة؟ ألا يعني ذلك أنه أراد من المستنيرين، الحكماء، أن يحكموا؟ ما الفرق بين سذاجة غوغاء أثينا الحاكمين وبين وجاهة أرخيتاس! مما لا شك فيه أن سقراط، الذي لم يصرح قط بحله للمشكلة الدستورية، كان فيثاغورسياً في تفكيره.
بهذه الطريقة ربما قد وجد أفلاطون أن بمقدوره إضفاء معناً جديداً على تعاليم العضو الأكثر أثراً في جيل العظماء، وإقناع نفسه بأن خصماً ما كان يجرؤ أبداً على الوقوف جهاراً في وجه قوته الكاسحة، كان في حقيقة الأمر حليفاً له. هذا هو أبسط تفسير يمكن تقديمه لحقيقة احتفاظ أفلاطون بسقراط في دور المتحدث الرئيسي باسمه حتى بعدما حاد عن تعاليم أستاذه إلى الحد الذي ما عاد يستطيع أن يخدع نفسه. لكن تلك لم تكن القصة الكاملة. أعتقد أن أفلاطون أحس في قرارة نفسه بمدى الاختلاف الشاسع بين تعاليم سقراط الحقة وبين تفسيره الزائف المقدم لها، وأنه في الحقيقة كان يخون سقراط. وأظن أن مجهودات أفلاطون المستمرة لجعل سقراط يعيد تفسير نفسه كانت في ذات الوقت مجهودات يبذلها أفلاطون حتى يريح ضميره المتعب. عبر المحاولة المرة تلو الأخرى للبرهنة على كون تعاليمه مجرد تطور منطقي للطريقة السقراطية الحقة، كان أفلاطون يحاول إقناع نفسه بأنه لم يكن خائناً.
عندما نقرأ أفلاطون نشعر وكأننا أمام حالة من الصراع النفسي المضمر، معاناة تعصف بفكر أفلاطون. حتى ’رصانة رأيه، قمعه لرغباته الشخصية، أو بالأحرى محاولاته لقمعها- لأنه ليس من الصعب إطلاقاً قراءتها من بين السطور- تعبر عن هذا الصراع. وأظن أنه بالإمكان تفسير تأثير أفلاطون جزئياً على خلفية الانبهار بهذا الصراع بين عالمين داخل روح واحدة، صراع يمكن الشعور بتداعياته القوية على أفلاطون من تحت تلك القشرة الضحلة من الرصانة الفكرية. هذه المعاناة تلمس مشاعرنا، لأنها لا تزال جارية بداخلنا. كان أفلاطون ابناً لزمانه الذي لا يزال زماننا أيضاً. (يجب ألا ننسى أنه لا يزال لم ينقضي قرن بعد على إلغاء العبودية في الولايات المتحدة، وحتى أقل من ذلك منذ إلغاء السخرة في أوروبا الشرقية.) هذه المعاناة المضمرة لا تكشف عن نفسها في موضع آخر أكثر منها في نظرية أفلاطون عن الروح. ندرك من تصور أفلاطون، في تطلعه إلى الوحدة والتناغم، لتركيبة الروح البشرية على غرار تركيبة المجتمع المقسم طبقياً مدى عمق المعاناة التي أحسها.
نشأ أكبر صراع واجه أفلاطون من الانطباع العميق الذي تركه عليه مثال سقراط، وقد أبت عليه ميوله الأوليغارشية الاستسلام بسهولة. في ميدان الحجة العقلانية، جري الصراع باستعمال حجة سقراط الإنسانوية ضد ذاتها. فيما يبدو أسبق مثال لحجة من هذه النوعية يمكن العثور عليها في يوثيفرو. هناك يطمئن أفلاطون نفسه قائلاً: ’أنا لست في طريقي لكي أكون مثل يوثيفرو؛ لن أقدم أبداً على اتهام أبواي، أجدادي الأولين، بالجهل بقانون وأخلاق إنسانوية لا أجد فيها أكثر من تقاليد غوغائية وهمجية. حتى لو كلفت حياة بشرية، الأمر في النهاية لا يتعدى حيوات عبيدهم أنفسهم، الذين ليسوا أفضل حالاً من المجرمين؛ وليست مهمتي أن أحكم عليهم. ألم يبين سقراط مدى صعوبة تمييز الصواب من الخطأ، الورع من الفحش؟ وألم يساق هو نفسه للمحاكمة بتهمة الفحش من قبل هؤلاء الذين ينعتون أنفسهم إنسانويين؟‘ بالإمكان العثور على آثار أخرى لمعاناة أفلاطون في كل مكان تقريباً حيث يتحول ضد الأفكار الإنسانوية، خاصة في الجمهورية. مراوغته ولجوئه إلى السخرية في محاربة النظرية المساواتية عن العدل، والديباجة الوجلة لدفاعه عن الكذب، ولمقدمته للعنصرية، ولتعريفه للعدل، قد ذكرت جميعها في فصول سابقة. لكن ربما يمكن العثور على التعبير الأوضح عن هذا الصراع في مينيكسينوس، ذلك الرد التهكمي على خطبة بريكليس الجنائزية. هنا أشعر أن أفلاطون قد نطق أخيراً بمكنون صدره. رغم محاولة إخفاء مشاعره وراء التورية والسخرية، لا يستطيع إلا أن يظهر مدى عمق تأثره بعواطف بريكليس؟ بهذه الطريقة جعل أفلاطون ’سقراط‘، الناطق باسمه، يصف بخبث الانطباع الذي تركته عليه خطبة بريكليس: ’شعور بالانتشاء يلازمني لأكثر من ثلاثة أيام؛ ليس حتى اليوم الرابع أو الخامس، وليس من دون مجهود، لكي أستعيد حواسي وأدرك أين أنا.‘ لا شك أن أفلاطون يكشف هنا عن مدى عمق تأثره بعقيدة المجتمع المفتوح، ومدى الصعوبة التي وجدها في نضاله لاستعادة حواسه وإدراك أين كانت تقف قدماه- بالتأكيد في معسكر أعداء المجتمع المفتوح.
سابعاً
كانت أقوى حجج أفلاطون في هذا الصراع، على ما أظن، صادقة: وفقاً للعقيدة الإنسانوية، كما احتج، ينبغي علينا الاستعداد دائماً لمد يد العون لجيراننا. الناس في أمس الحاجة لمواساتهم، بالنظر إلى شقائهم، وعملهم تحت إجهاد حاد، وشعورهم بالاغتراب. هناك عدم يقين، عدم أمان في الحياة، حين يكون كل شيء في تغير مستمر. وأنا مستعد لمساعدتهم. لكني لا أستطيع إعطائهم السعادة من دون الذهاب أولاً إلى جذور الشر.
وقد وجد جذور الشر. وجدها في ’سقوط الإنسان‘، بعد انهيار المجتمع المغلق. وأقنعه هذا الكشف أن الأوليغارشي القديم وأتباعه كانوا على حق في محاباتهم إسبرطة ضد أثينا، وفي تبني البرنامج الإسبرطي لإيقاف التغيير. لكنهم لم يذهبوا بعيداً بالقدر الكافي؛ ولم يبلغ تحليلهم العمق الكافي. لم يدركوا حقيقة أن حتى إسبرطة نفسها أبانت عن بعض علامات الانحلال، رغم مجهوداتها البطولية لإيقاف كل تغيير؛ أن حتى إسبرطة لم تتحلى بالشجاعة الواجبة في محاولاتها للسيطرة على التناسل حتى تستأصل أسباب السقوط، و’التباينات‘ و’اللامنتظمات‘ في عديد وكفاءة السلالة الحاكمة. (أدرك أفلاطون أن الزيادة السكانية كانت واحدة من أسباب السقوط.) كما اعتقد الأوليغارشي القديم وأتباعه، بسطحية، أنهم بمساعدة الاستبداد، مثل الذي فرضه المستبدون الثلاثون، قد يستطيعون استعادة مجد الأيام الخوالي. كان أفلاطون يتوفر على معرفة أفضل من الجميع. حيث رأى الاجتماعي الكبير بوضوح أن تلك الاستبدادات كانت تذكيها، وكانت بدورها تذكي، الروح الثورية الحديثة؛ أنها كانت مضطرة لتقديم تنازلات للتطلعات الشعبية المساواتية؛ وأنها في واقع الحال قد لعبت دوراً مهماً في انهيار القبلية. كان أفلاطون يكره الاستبداد. وحدها الكراهية يمكنها أن تمنحه نظرة ثاقبة حتى يكتب وصفه الشهير للمستبد. ’لا أحد غير عدو الاستبداد يستطيع اتهام المستبدين ’بإشعال الحرب تلو الأخرى لكي يشعر الناس بمدى الحاجة إلى جنرال‘، إلى من ينقذهم من خطر داهم. ويصر أفلاطون على أن الحل ليس في الاستبداد، ولا في أي من الأوليغارشيات الراهنة. رغم التأكيد على وجوب أن يلزم الناس أماكنهم، لكن قمعهم ليس غاية في حد ذاته. بل يجب أن تكون الغاية في العودة الكاملة إلى الطبيعة، في التنظيف الكامل للقماشة.
يُعزى الاختلاف بين نظرية أفلاطون من جهة وبين نظرية الأوليغارشي القديم والمستبدين الثلاثين في المقابل إلى تأثير جيل العظماء. كانت الفردانية، المساواتية، الإيمان بالعقل وحب الحرية عواطف جديدة وقوية، ومن وجهة نظر أعداء المجتمع المفتوح على درجة من الخطورة تستوجب محاربتها. وقد أحس أفلاطون نفسه بتأثيرها، وحاربها في قرارة نفسه. أتى رده على جيل العظماء في صورة مجهود عظيم بحق. أراد أن يغلق الباب الذي انفتح، أن يوقف المجتمع بسحر فلسفته التي لا تضاهيها فلسفة أخرى في العمق والثراء. في المجال السياسي لم يضف سوى القليل إلى برنامج الأوليغارشي القديم الذي احتج ضده بريكليس ذات يوم. لكنه اكتشف، ربما لا شعورياً، السر الكبير وراء التمرد ضد الحرية، كما صاغه في يومنا الحالي باريتو: ’تحقيق الاستفادة من العواطف، عدم إهدار الطاقات في مجهودات عقيمة لتدميرها.‘ بدلاً من إظهار عدائه للعقل، سحر أفلاطون المستنيرين بعبقريته الفذة، نافقهم وأسعدهم بمطلبه بوجوب أن يحكم المتعلمون. رغم احتجاجه ضد العدل لكنه أقنع كل الحقوقيين بكونه نصيراً له. لم يصارح حتى نفسه بحقيقة أنه كان يحارب حرية التفكير نفسها التي مات في سبيلها سقراط؛ وحين صنع من سقراط بطلاً له ومتحدثاً باسمه نجح في إقناع كل الآخرين بأنه كان يحارب من أجلها. هكذا أصبح أفلاطون، لا شعورياً، رائد الدعائيين الكثيرين الذين، في الغالب بحسن نية، طوروا أسلوب دغدغة العواطف الأخلاقية والإنسانوية لأغراض لا إنسانوية ولا أخلاقية. وقد حقق أثراً مدهشاً حين أقنع حتى إنسانويين عظماء بانعدام أخلاقية وأنانية معتقدهم. مما لا شك فيه أنه نجح في إقناع نفسه أيضاً. حيث استطاع تحويل كراهيته للمبادرة الفردية، ورغبته في إيقاف كل تغيير، إلى حب للعدل والاعتدال، لدولة فردوسية ينعم فيها الجميع بالرضا والسعادة ويستبدل فيها جشع كنز المال بقوانين الكرم والصداقة. هذا الحلم بالوحدة والجمال والكمال، هذه الجمالانية والشمولانية والجماعية، هي منتج وكذلك عرض للروح القبلية الجماعية المفقودة. هي تعبير عن، ودغدغة لعواطف هؤلاء الذين يعانون من، إجهاد الحضارة. (جانب من الإجهاد أن ندرك بمزيد ومزيد من الألم حجم النواقص في حياتنا، حجم نواقصنا الشخصية وكذلك المؤسساتية؛ حجم المعاناة التي كان بمقدورنا تفاديها، حجم الهدر وحجم القبح غير الضروري؛ وأن ندرك في الوقت نفسه حقيقة أنه لم يكن مقدراً علينا أن نقف مكتوفي الأيدي أمام كل ذلك، وأن مثل هذه التحسينات قد تكون صعبة المنال بقدر ما هي مهمة. هذا الوعي يزيد من إجهاد المسؤولية الشخصية، إجهاد حمل راية كوننا بشر.)
ثامناً
رفض سقراط المهادنة فيما يخص النزاهة الشخصية. لكن أفلاطون، بدافع من رغبته غير المهادنة في تنظيف كامل للقماشة، اقتيد إلى السير على طريق حيث هادن في نزاهته مع كل خطوة يخطوها. اضطر إلى محاربة التفكير الحر، والبحث عن الحقيقة. اقتيد إلى الدفاع عن الكذب، والمعجزات السياسية، والخرافة المحرماتية، وقمع الصدق، وفي نهاية المطاف العنف الوحشي. ورغم تحذير سقراط ضد كراهية الناس وكراهية النساء، اقتيد إلى عدم الثقة في الإنسان وإلى الخشية من الحجة. ورغم كراهيته للاستبداد، اقتيد إلى التوجه لمستبد طلباً للعون، وإلى الدفاع عن أبشع الإجراءات استبداداً. بدافع من المنطق الداخلي لغايته ضد الإنسانوية، المنطق الداخلي للقوة، اقتيد دون وعي منه إلى نفس النقطة التي اقتيد إليها ذات يوم المستبدين الثلاثين، والتي بلغها في زمن لاحق صديقه دايو وآخرون من جملة تلامذته المستبدين الكثيرين. لم ينجح في إيقاف التغيير الاجتماعي. (بعد زمن طويل فقط، في عصور الظلام، تم توقيفه بفعل التعويذة السحرية للجوهرانية الأفلاطونية-الأرسطية.) بدلاً من ذلك، نجح في ربط نفسه، بفعل سحره الخاص، بالقوى التي كان يكن لها الكراهية في يوم من ذات الأيام.
هكذا الدرس الذي ينبغي علينا تعلمه من أفلاطون هو العكس تماماً مما يحاول تعليمنا إياه. هو درس يجب ألا ننساه. رغم براعته الفائقة في التشخيص الاجتماعي، لكن تطور أفلاطون نفسه يبرهن على أن العلاج الموصي به أسوأ حتى من الشر الذي يحاول محاربته. إيقاف التغيير السياسي ليس العلاج؛ ولا يمكن أن يجلب السعادة. نحن لا نستطيع أبداً العودة إلى البراءة المزعومة وبساطة المجتمع المغلق. حلمنا بالجنة لا يمكن أن يتحقق على الأرض. بمجرد أن نبدأ في استعمال العقل، في استعمال القدرة على النقد، بمجرد أن نشعر بواجب المسؤولية الشخصية، ومعها المسؤولية عن المساهمة في ارتقاء المعرفة، لا يمكننا العودة إلى حالة من الإذعان الضمني للسحر القبلي. لقد ضاع الفردوس مرة واحدة وللأبد من هؤلاء الذين أكلوا من شجرة المعرفة. وكلما زادت محاولاتنا للعودة إلى عصر القبلية البطولي، كلما زاد يقيننا أننا ذاهبون لا محالة إلى محاكم التفتيش، إلى البوليس السري، وإلى العصابات الميليشياوية المتطرفة. إذا بدأنا بقمع العقل والصدق، لابد أن ننتهي بالتدمير الأكثر وحشية وعنفاً لكل ما هو إنساني. ما من طريق للعودة إلى حالة الطبيعة المتناغمة. إذا أدرنا ظهورنا عائدين، عندئذٍ لابد نواصل السير حتى نهاية الطريق- إلى حالة الوحوش البرية.
يجب مواجهة هذه المسألة وحسمها بشجاعة، رغم كل ما يكتنفها من صعوبة ومشقة وألم. إذا كنا نحلم بالعودة إلى طفولتنا، إذا غُرر بنا للاتكال على آخرين حتى نشعر بالسعادة، إذا تقاعسنا عن مهمة حمل الراية بأيدينا، راية الإنسانية والعقل والمسؤولية، إذا خارت شجاعتنا ولذنا بالفرار أمام الإجهاد الحضاري، عندئذٍ يجب أن نحاول تقوية أنفسنا بفهم واضح للقرار البسيط أمامنا. نحن نستطيع العودة إلى حالة وحوش البرية. لكن إذا كنا نريد أن نبقي بشر، حينئذُ لا يوجد سوى طريق واحد، الطريق المؤدي إلى المجتمع المفتوح. علينا أن نواصل السير في المجهول وعدم اليقين وعدم الأمان، مستفيدين مما يتاح لنا من عقل لوضع أفضل الخطط الممكنة أملاً في بلوغ الأمان والحرية سوياً.
#عبد_المجيد_إسماعيل_الشهاوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
عودة إلى الحماية الأجنبية بعد 67
-
الجمالية والكمالية والطوباوية
-
الملك الفيلسوف
-
تجميل الهزيمة
-
الفساد الناصري
-
مبدأ القيادة
-
العدالة الشمولية
-
الطبيعة والتقليد
-
علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون
-
نظرية أفلاطون عن الأشكال أو الأفكار
-
هيراقليطس
-
سحر أفلاطون
-
المجتمع المفتوح وأعداؤه
-
ضد الاستبداد وأعوانه
-
هل يستطيع الإنسان أن يحيا بلا دين؟
-
هل الله ذَكَر؟
-
نظرة دينية لكن بالمقلوب
-
هل صحيح أن المسلمين يقدسون محمداً أكثر من تقديسهم لله؟
-
هل صحيح أن القرآن كلام الله؟
-
هل صحيح أن ليس في الإسلام كهنوت؟
المزيد.....
-
-يجب ألا يموتوا بسلام في أسرّتهم-.. وزير الدفاع الإسرائيلي ي
...
-
ملك المغرب يعيّن فاطمة الزهراء المنصوري أول رئيسة للحكومة في
...
-
كاليفورنيا تعترف رسميًا بعيدي الفطر والأضحى.. ما الذي تغيّر
...
-
إسرائيل في -حالة تأهب قصوى- عقب تصريحات نتنياهو.. هل من -تهد
...
-
الإستخبارات السورية: إحباط مخطط تخريبي لخلية مرتبطة بحزب الل
...
-
لماذا تجاهل نتنياهو تحذيرات الإمارات ومصر قبل 7 أكتوبر؟
-
عمدة نيويورك يعلن عن حملة لمكافحة معاداة السامية
-
بشكل مفاجئ.. السيسي يدعو أعضاء البرلمان المصري لاجتماع طارئ
...
-
9 قتلى بهجمات إسرائيلية على قطاع غزة
-
طالبة جامعية تنجو بأعجوبة بعد سقوطها من الطابق الثامن بينما
...
المزيد.....
-
من هيجل إلى ماركس - جدلية الفكر ومستقبل الماركسية
/ غازي الصوراني
-
التطوع الرقمى
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
العمل التطوعى نماذج وتطبيقات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
الطبيعة والتقليد
/ عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
-
علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون
/ عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
-
بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده
/ علي مجيد
-
البساطة
/ عبدالجليل الكناني
-
أحمد رباص
/ كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
-
الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج
/ احسان طالب
المزيد.....
|