محمد ابراهيم عرفة
الحوار المتمدن-العدد: 8843 - 2026 / 9 / 29 - 23:07
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
مقدمة
يحتل الفيلسوف الإنجليزي إدوارد هربرت، لورد تشيربوري (Edward Herbert, Lord Herbert of Cherbury، 1583–1648) مكانة مهمة في تاريخ الفلسفة الدينية الحديثة، ولا سيما في الانتقال الفكري الذي شهدته أوروبا من سلطة العقيدة والتقليد إلى الاحتكام إلى العقل والطبيعة في البحث عن الحقيقة الدينية.
وقد ارتبط اسمه بصورة خاصة بما عُرف لاحقًا باسم الربوبية الإنجليزية (English Deism)، حتى عُدَّ في كثير من الدراسات من أبرز آباء هذا الاتجاه. إلا أن هربرت لم يكن ربوبيًا بالمعنى الذي استقر عليه المصطلح في القرن الثامن عشر، وإنما كان من أهم الممهدين له؛ إذ حاول أن يبحث عن دين طبيعي وعالمي يمكن للإنسان معرفته دون الاعتماد الكامل على سلطة الكنيسة أو على ادعاء الوحي الخاص.
كانت القضية الأساسية التي شغلت هربرت هي: كيف يستطيع الإنسان أن يعرف الحقيقة الدينية؟ وهل يحتاج إلى وحي خاص ومؤسسة دينية لكي يعرف الله، أم أن في العقل والطبيعة الإنسانية مبادئ مشتركة تمكنه من الوصول إلى جوهر الدين؟
ومن هنا بدأ مشروعه الفلسفي الذي أصبح أحد المقدمات المهمة لفلسفة الدين في عصر التنوير.
أولًا: حياة هربرت ومكانته الفلسفية
ولد إدوارد هربرت سنة 1583، وعاش في فترة شهدت تحولات دينية وفلسفية وسياسية كبيرة في أوروبا. وقد عاصر بدايات التحول الذي أدى لاحقًا إلى عصر التنوير، حين أخذ العقل والنقد والتجربة العلمية يكتسبون مكانة متزايدة في مواجهة السلطة التقليدية.
ولم يكن هربرت فيلسوفًا دينيًا فحسب؛ فقد كتب في الفلسفة والتاريخ والشعر والسياسة، إلا أن شهرته الفلسفية ارتبطت أساسًا بمحاولته تأسيس نظرية في الحقيقة والمعرفة والدين الطبيعي.
ومن أهم أعماله:
- De Veritate، أي «في الحقيقة»، وقد صدر أول مرة سنة 1624.
- De Religione Laici، أي «دين الشخص العلماني/دين العامي»، ونُشر ضمن أعماله سنة 1645.
- De Religione Gentilium، أي «في دين الأمم»، ونُشر بعد وفاته سنة 1663.
وقد أصبح كتابه De Veritate العمل الأشهر في مشروعه الفلسفي، إذ حاول فيه التمييز بين الحقيقة وبين الاحتمال والوهم والوحي.
ثانيًا: ما المقصود بـ«المبادئ المشتركة»؟
أهم فكرة في فلسفة هربرت الدينية هي مفهوم:
Common Notions — المبادئ أو التصورات المشتركة.
يرى هربرت أن الإنسان يمتلك مبادئ أساسية تساعده على معرفة الحقيقة، وأن هذه المبادئ تتميز بالعمومية والضرورة واليقين، ولا تعتمد ببساطة على تعليم ديني خاص أو تقليد تاريخي معين.
وفي مجال الدين، حاول هربرت تحديد مجموعة من المبادئ التي اعتبرها جوهر الدين الطبيعي. وقد أصبحت هذه المبادئ الخمسة أشهر ما ارتبط باسمه في تاريخ الربوبية.
ثالثًا: المبادئ الخمسة للدين الطبيعي عند هربرت
يمكن تلخيص المبادئ الدينية المشتركة عند هربرت في خمسة:
1. وجود إله أعلى
المبدأ الأول هو الإيمان بوجود إله أو كائن إلهي أعلى.
فالإنسان، في تصور هربرت، يستطيع أن يصل إلى الإيمان بوجود الله من خلال طبيعته العقلية وتأمله في العالم، دون أن يكون مضطرًا أولًا إلى قبول كتاب مقدس أو سلطة كنسية.
وقد ارتبط استدلاله على وجود الله بفكرة النظام الموجود في العالم، وهي فكرة ستصبح لاحقًا ذات أهمية كبيرة في الحجج الغائية عند فلاسفة الدين.
2. وجوب عبادة الله
إذا وصل الإنسان إلى الإيمان بوجود الإله الأعلى، فإن النتيجة الطبيعية لذلك هي الاعتراف باستحقاقه للعبادة.
لكن العبادة عند هربرت لا تعني بالضرورة كثرة الطقوس والممارسات الشكلية، وإنما ترتبط بجوهر العلاقة بين الإنسان والإله.
3. الفضيلة هي جوهر العبادة
وهذه من أهم أفكار هربرت.
فالعبادة الحقيقية لا تتمثل في الطقوس وحدها، وإنما في الحياة الأخلاقية الفاضلة.
فأن تكون إنسانًا صالحًا وعادلًا وتقيًا أهم من مجرد الانتماء إلى مؤسسة دينية أو الالتزام بطقوس شكلية.
ولهذا ارتبط مشروع هربرت بما سماه بعض الباحثين الألوهية الأخلاقية (Ethical Theism)، حيث أصبحت الفضيلة والأخلاق جزءًا أساسيًا من الدين الطبيعي.
4. ضرورة التوبة
المبدأ الرابع هو أن الإنسان إذا ارتكب الشر فعليه أن يتوب عنه.
فالدين الطبيعي عند هربرت لا يعني أن الإنسان يستطيع أن يفعل ما يشاء دون مسؤولية أخلاقية، بل يعني أن هناك معيارًا أخلاقيًا عامًا، وأن الإنسان مسؤول عن أفعاله.
5. وجود الجزاء بعد الموت
المبدأ الخامس هو الاعتقاد بوجود نوع من الجزاء، أي الثواب والعقاب، بعد الحياة الدنيا.
وبذلك يصبح السلوك الأخلاقي مرتبطًا بفكرة العدالة الإلهية.
وقد أصبحت هذه المبادئ الخمسة، وفق الدراسات التاريخية، الأساس الذي ستتطور حوله الربوبية الإنجليزية في القرن الثامن عشر.
رابعًا: هل هذه المبادئ الخمسة هي الدين كله؟
هنا تظهر الفكرة الأكثر أهمية في مشروع هربرت.
كان يرى أن هذه المبادئ تمثل جوهر الدين الطبيعي، وأن الكثير من التفاصيل التي نجدها في الأديان التاريخية جاءت في مراحل لاحقة نتيجة التقاليد والمؤسسات والتفسيرات البشرية.
ولهذا حاول أن يبحث عن الدين في صورته البسيطة الأولى، قبل أن تتراكم عليه الطقوس والعقائد والتفاصيل المذهبية.
وفي كتابه عن أديان الأمم، حاول أن يبحث تاريخيًا في معتقدات الشعوب القديمة، لكي يبين وجود عناصر مشتركة بينها، رغم اختلاف طقوسها وأساطيرها ومؤسساتها.
وبذلك انتقل السؤال من:
أي دين هو الصحيح؟
إلى سؤال أكثر تجريدًا:
ما العناصر التي تشترك فيها الأديان المختلفة؟
وهذه النقلة مهمة جدًا في تاريخ فلسفة الدين.
خامسًا: هربرت والوحي
لم يكن موقف هربرت من الوحي بسيطًا.
فهو لم يطرح المسألة بطريقة ساذجة تقول إن كل ما يسمى وحيًا باطل، وإنما حاول التمييز بين الحقيقة التي يستطيع العقل إدراكها بصورة عامة وبين الادعاءات الخاصة التي يقدمها شخص أو جماعة باعتبارها وحيًا إلهيًا.
فإذا قال شخص:
««لقد أوحى الله إليّ بهذا الأمر.»»
فإن المشكلة تصبح: كيف يستطيع الآخرون التحقق من هذا الادعاء؟
وهنا يعطي هربرت أهمية كبيرة للمبادئ العامة التي يمكن للإنسان إدراكها، بدلًا من جعل الحقيقة الدينية متوقفة بالكامل على تجربة خاصة لشخص واحد.
وتشير الدراسات إلى أن هربرت كان أكثر تعقيدًا من مجرد رفض الوحي؛ فقد كان يميز بين ما يتوافق مع العقل وما يتجاوزه، وكان يرى أن تسجيل الوحي ونقله تاريخيًا يظل مسألة تحتاج إلى النظر في الشهادة والرواية.
سادسًا: العقل في مواجهة السلطة الدينية
تكمن أهمية هربرت في أنه نقل مركز الثقل في المعرفة الدينية.
فبدلًا من أن تكون المؤسسة الدينية هي نقطة البداية الوحيدة:
الكنيسة → العقيدة → الإنسان
أصبح لدينا نموذج مختلف:
العقل والطبيعة → معرفة المبادئ الدينية → الإنسان
وهذا لا يعني أن هربرت كان يدعو ببساطة إلى إلغاء الدين، بل كان يريد تنقية الدين من العناصر التي لا يستطيع العقل تبريرها.
ومن هنا كان مشروعه جزءًا من التحول الذي شهدته أوروبا الحديثة نحو إخضاع الموروث الديني للفحص العقلي.
سابعًا: هربرت ودراسة الأديان المقارنة
من أهم أعمال هربرت كتاب:
De Religione Gentilium
الذي نُشر في أمستردام سنة 1663.
حاول هربرت فيه أن يقدم دراسة لما يمكن وصفه بأنه تاريخ طبيعي للدين، من خلال فحص الأديان القديمة ومعتقدات الأمم.
وكان هدفه البحث عن المبادئ المشتركة الموجودة خلف الاختلافات الدينية.
وقد وجد – بحسب تفسيره – أن الاعتقاد بإله أعلى والعبادة والأخلاق والتوبة والجزاء تظهر بصورة أو بأخرى في التقاليد الدينية المختلفة.
وهنا يمكن ملاحظة بداية مهمة في التفكير الحديث:
دراسة الدين بوصفه ظاهرة إنسانية وتاريخية قابلة للمقارنة.
وهذا الاتجاه سيتطور لاحقًا بصورة كبيرة في فلسفة الدين وتاريخ الأديان.
ثامنًا: الدين الطبيعي عند هربرت
الدين الطبيعي هو قلب المشروع الهربرتي.
والمقصود به أن الإنسان يستطيع الوصول إلى مجموعة من الحقائق الدينية الأساسية من خلال طبيعته وعقله.
فهو لا يحتاج بالضرورة إلى معرفة كل التفاصيل اللاهوتية لكي يكون متدينًا.
والنتيجة هي تصور لدين بسيط يقوم على:
الله + العبادة + الأخلاق + التوبة + الجزاء.
أما الاختلافات بين الطوائف والمذاهب والأنظمة اللاهوتية فقد تكون، من وجهة نظره، إضافات تاريخية فوق هذا الجوهر البسيط.
وهذا هو السبب في أن هربرت أصبح شخصية محورية في تاريخ الربوبية الإنجليزية.
تاسعًا: هربرت والكنيسة
كان موقفه من العقائد الكنسية نقديًا، وإن لم يكن مشروعه مجرد هجوم مباشر على المسيحية.
فهو رأى أن المؤسسات الدينية يمكن أن تضيف إلى الدين عناصر تتجاوز المبادئ الطبيعية التي يستطيع الإنسان معرفتها.
وتشير الدراسات التاريخية إلى أن موقفه من العقيدة الكنسية كان سلبيًا بوضوح، وأنه رفض أن تكون السلطة الكنسية هي المعيار النهائي للحقيقة الدينية.
وهذا لا يعني أن هربرت كان يريد تحويل الإنسان إلى ملحد، بل العكس:
كان يريد أن ينقل الدين من سلطة المؤسسة إلى العقل والدين الطبيعي.
عاشرًا: هربرت والفضيلة
تحتل الأخلاق مكانة مركزية في مشروعه.
فإذا كان هناك إله، وإذا كان الإنسان قادرًا على معرفة وجوده، فإن العبادة الحقيقية ينبغي أن تظهر في السلوك.
وهنا تصبح الأخلاق أكثر أهمية من الانتماء الطائفي.
فالمهم ليس فقط أن يقول الإنسان:
««أنا أؤمن.»»
بل أن تتحول عقيدته إلى:
«فضيلة وتقوى وسلوك أخلاقي.»
وهذه الفكرة ستجد صدى قويًا في الربوبية اللاحقة، التي كثيرًا ما حاولت اختزال الدين إلى الإيمان بالله والأخلاق الطبيعية بدلًا من النزاع حول العقائد اللاهوتية التفصيلية.
الحادي عشر: هربرت والربوبية الإنجليزية
لا يمكن فهم الربوبية الإنجليزية في القرن الثامن عشر دون فهم هربرت.
فقد أصبحت مبادئه الخمسة نوعًا من الأساس الفكري الذي استند إليه الربوبيون اللاحقون.
وقد وصفته بعض المصادر بأنه «أبو الربوبية الإنجليزية»، لأن أفكاره حددت إلى حد كبير نطاق النقاش الذي سيطرت عليه الربوبية الإنجليزية فيما بعد.
لكن من المهم عدم مساواته تمامًا بربوبيين لاحقين مثل توماس بين أو بعض مفكري القرن الثامن عشر.
فهناك فرق زمني وفلسفي بين هربرت وبين الربوبية الناضجة في عصر التنوير.
الأدق إذن أن نقول:
«هربرت أحد أهم الممهدين للربوبية الإنجليزية، وليس مجرد نسخة مبكرة مطابقة لربوبيي القرن الثامن عشر.»
الثاني عشر: أهمية هربرت في عصر التنوير
تكمن أهمية هربرت في أنه طرح سؤالًا سيصبح مركزيًا في الفلسفة الحديثة:
«ما الذي يمكن للعقل الإنساني أن يعرفه عن الدين دون الاعتماد على السلطة الدينية؟»
ومن هذا السؤال تتفرع مجموعة من القضايا:
- هل يمكن إثبات وجود الله بالعقل؟
- هل الأخلاق تحتاج إلى وحي؟
- هل الدين الطبيعي ممكن؟
- هل توجد مبادئ دينية عالمية؟
- هل يمكن التمييز بين الدين الأصلي والإضافات التاريخية؟
- ما قيمة الوحي الخاص؟
- هل يمكن لمؤسسة دينية أن تحتكر الحقيقة؟
- ما العلاقة بين الدين والعقل؟
وهذه الأسئلة ستصبح من صميم فلسفة التنوير.
الثالث عشر: نقد مشروع هربرت
على الرغم من أهمية مشروعه، فإنه لم يخل من المشكلات.
أولًا، إذا كان الإنسان يستطيع الوصول إلى المبادئ الدينية الخمسة بصورة طبيعية، فكيف نفسر الاختلاف الكبير بين الأديان والثقافات؟
ثانيًا، هل وجود بعض الأفكار المشتركة بين الأديان يثبت فعلًا أنها تمثل الحقيقة الدينية؟
فقد يكون التشابه نتيجة تشابه التجربة الإنسانية، وليس بالضرورة نتيجة امتلاك جميع البشر معرفة دينية فطرية واحدة.
ثالثًا، إذا كان العقل قادرًا على معرفة وجود الله، فهل يستطيع أن يحدد صفات هذا الإله بدقة؟
رابعًا، حتى إذا قبلنا المبادئ الخمسة، فإنها لا تجيب عن كل الأسئلة الدينية الكبرى.
فهي لا تقدم، مثلًا، تفسيرًا تفصيليًا لـ:
- طبيعة الله.
- كيفية خلق العالم.
- طبيعة الحياة بعد الموت.
- طبيعة الوحي.
- مصدر المعجزات.
- العلاقة بين الله والتاريخ.إدوارد هربرت من تشيربوري: مؤسس الدين الطبيعي وإرهاصات الربوبية الإنجليزية
#محمد_ابراهيم_عرفة (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟