|
|
الحركة الإبداعية التونسية المعاصرة :الشاعر التونسي سليمان بن تملّيست
عطا درغام
(Atta Dorgham)
الحوار المتمدن-العدد: 8843 - 2026 / 9 / 29 - 23:07
المحور:
مقابلات و حوارات
الحركة الإبداعية التونسية المعاصرة :"الشاعر التونسي سليمان بن تملّيست في حوار الوفاء والوجيعة: الكلمة قدرٌ لا خيار، والقصيدة بيت الروح الذي نسكنه حين تضيق بنا الجغرافيا" حوار:عطا درغام "نلتقي اليوم بقامة شعرية تونسية استثنائية، صاغت من طين جزيرة جربة وهدوء بحرها دستوراً للوفاء والكلمة الصادقة على مدار أكثر من أربعة عقود. ضيفنا هو الشاعر والمهندس سليمان بن تملّيست، أحد مؤسسي بيت محمود درويش للشعر بجربة. يمثل بن تملّيست حالة إبداعية فريدة؛ إذ جمع بين دقة الهندسة الريفية وعذوبة الأدب العصامي، متمرداً على بريق النشر الورقي ومحتفظاً بأكثر من مئة نص كذخيرة حية من النور والوجع. في هذا الحوار المعمق، نرحل مع قلمه بين أصالة العمود وحرية النثر، لنفكك معاً فلسفة الكبرياء النوراني وعلاقة الحرف بالوجود..." ️ المحور الأول: التشكّل العصامي وجدليّة الهندسة والأدب س- أستاذ سليمان، تبدو سيرتك مدهشة في جمعها بين صرامة ومنطق الهندسة الريفيّة، وبين عذوبة الأدب العصامي؛ كيف يتقاطع معمار الأرض وتخطيطها مع معمار القصيدة وهندسة حروفها في وجدانك؟ ربّما يبدو الأمر للوهلة الأولى تناقضًا بين عالمين: عالم الأرض بما فيه من حساب ومسافات ومقاييس، وعالم الشعر بما فيه من إحساس وخيال وانفعال. لكنّني، في تجربتي، لم أشعر يومًا بأنّهما متناقضان. الهندسة علّمتني الدقّة، والانتباه إلى التفاصيل، واحترام العلاقات بين الأشياء؛ والشعر علّمني أن وراء هذه العلاقات الظاهرة عالمًا آخر تسكنه الروح. حين أبني نصًا، أشعر أحيانًا أنّني أمارس نوعًا آخر من الهندسة؛ أبحث عن موضع الكلمة، وعن المسافة بين الصورة والصورة، وعن الإيقاع الذي يمنح الجملة توازنها. غير أنّ القصيدة، بخلاف البناء الهندسي، لا تقبل دائمًا أن تُقاد بالعقل وحده؛ ففي لحظة معيّنة يتدخّل الحدس والموسيقى والشعور، ويصبح النصّ هو الذي يقودني. س- وصفت نفسك بأنّك عصامي في مجال الأدب، ومع ذلك نالت نصوصك إعجاب النقّاد لصفائها اللغوي؛ هل ترى أنّ العصاميّة تمنح المبدع حرية وتفرّدًا بعيدًا عن قوالب المدارس الأكاديمية؟ العصاميّة لم تكن خيارًا واعيًا اتّخذته منذ البداية، وإنّما راودتني دون وعي منّي، ثم أدركت معناها لاحقًا في مسيرتي. ولعلّني اختزلت ذلك في عبارتي: «ما زلت أجهلني... حين يجيء الشعر مخاضًا... حين يكتُبُني»؛ فالشعر كان يأتي أوّلًا كتجربة داخليّة، ثمّ يأتي دوري في الاشتغال عليه ومنحه أدواته الفنية.لكنّ العصاميّة لا تعني الكتابة بالفطرة وحدها أو الاستغناء عن المعرفة؛ فقد سعيت دائمًا إلى توفير آليّات الاشتغال على النصّ من خلال القراءة، والإنصات، والتجربة، والمراجعة، والتعلّم المستمر. لذلك أرى أنّ العصامي الحقيقي هو من يجعل من جهله الأول دافعًا إلى المعرفة، ومن موهبته مشروعًا دائمًا للتعلّم والنضج ومع مرور الأعوام تتطوّر التجربة. س- كتبت المقال والخاطرة قبل أن تستقرّ رحلتك عند شواطئ الشعر؛ كيف كانت ملامح تلك الانتقالات الأولى؟ كانت انتقالات طبيعيّة أكثر منها قرارات واعية. بدأت بالكلمة في صورتها النثريّة، بالمقال والخاطرة، ثمّ وجدتني شيئًا فشيئًا أبحث عن كثافة أكبر وعن موسيقى أعمق. كان الشعور أحيانًا يتجاوز قدرة النثر على احتوائه، فأجدني أميل إلى الشعر.لم تكن هناك لحظة واحدة قلت فيها: الآن أصبحت شاعرًا. الشعر جاء تدريجيّا، مثل شيء كان يتكوّن في الداخل قبل أن اكتشف اسمه. س- ذكرت أنّك كنت تسمع القصيدة قبل أن تدوّنها؛ كيف يولد النصّ لديك؟ غالبًا ما تبدأ القصيدة عندي من إحساس أو صورة أو جملة موسيقية أو أيّ استفزاز ما. أحيانًا أسمع شطرًا أو عبارة في داخلي قبل أن أعرف إلى أين ستقودني، ثمّ يبدأ الحوار بيني وبينها.لذلك لا أستطيع القول إنّ القصيدة فكرة ذهنيّة خالصة، ولا إنّها انفعال خالص. هي لحظة تلتقي فيها الفكرة بالشعور، ثمّ تأتي اللغة لتمنحهما شكلًا قابلًا للحياة. س- قلت: «لم أكتب الشعر لأتجمّل به، بل لأنّ الكلمة كانت فيّ قدرًا لا خيارًا»؛ كيف يواجه الشاعر المعاصر هذا القدر في زمن أصبح فيه كثيرون يتجمّلون بالشعر طلبًا للشهرة؟ الشعر، في رأيي، لا ينبغي أن يكون وسيلة للزينة الاجتماعيّة أو لصناعة صورة عن الذات. حين يصبح الشعر وسيلة لإثبات الحضور أو تحصيل الشهرة، يفقد شيئًا من جوهره.أنا لا أدين من يبحث عن الانتشار، لكنّني أميّز بين أن يكون الانتشار نتيجة طبيعيّة لجودة العمل، وبين أن يصبح الانتشار هو الغاية من الكتابة.الشاعر في النهاية لا يستطيع أن يخدع القصيدة طويلًا، قد يخدع القارئ لحظة، وقد تصنع المنصّات شهرة عابرة، لكنّ النصّ الجيّد وحده يستطيع أن يعيش. 🏛️ المحور الثاني: معماريّة النصّ والترحال بين أشكال القصيد س- تنقّلت بين العمود والتفعيلة والقصيدة النثريّة؛ من أيّ فضاء معرفيّ تنبع هذه القدرة على ترويض الأشكال؟ أنا لا أتعامل مع الأشكال الشعريّة باعتبارها مذاهب متصارعة، وإنّما باعتبارها إمكانات متعدّدة للتعبير. الفكرة أو الحالة عندي هي التي تبحث عن شكلها.حين تكون التجربة محتاجة إلى الوزن والقافية، لا أتردّد في الذهاب إلى العمود، وحين تحتاج إلى إيقاع أكثر اتّساعًا أجدني في شعر التفعيلة، وحين أشعر أنّ التجربة لا تحتمل قيدًا موسيقيّا ظاهرًا أتركها للنثر.المهمّ عندي ألاّ ارتدي الشكل بدل أن ارتدي التجربة. س- هل ترى أنّ الصراعات القديمة بين أنصار العمود والنثر كانت صراعات واهية أمام جوهر الصدق الشعري؟ إلى حدّ بعيد، لقد استهلكنا وقتًا طويلًا في سؤال: أيّهما أفضل؟ بينما السؤال الأهمّ هو: أين الشعر؟ يمكن أن نجد قصيدة عموديّة مدهشة، وقصيدة نثريّة لا تحمل من الشعر إلاّ الاسم، والعكس صحيح. الشكل لا يمنح النصّ شعريّته وحده وجواز العبور إلى الجودة. الشعريّة شيء أعمق، تتعلّق باللغة والصورة والإيقاع والرؤية والقدرة على خلق أثر في وجدان القارئ. س- يجمع معجمك بين الفصحى والدارجة التونسية؛ كيف توظّف الدارجة دون أن تفقد القصيدة نبلها الجمالي؟ اللغة عندي ليست طبقة واحدة، الفصحى تمنحني فضاء واسعًا من البيان والإيقاع، والدارجة التونسية تحمل ذاكرة المكان وحرارة اليومي وروحه.لكنّني لا أستعمل الدارجة لمجرد الاستعراض المحلي، وإنما حين أشعر أنّها أصدق في حمل المعنى. بعض الأشياء إذا قيلت بلهجة أهل المكان احتفظت برائحتها الإنسانيّة، بينما قد تفقد شيئًا من عفويتها إذا نقلت إلى الفصحى.والجمال ليس حكرًا على الفصحى، كما أنّ استعمال الدارجة ليس مبررًا لضعف اللغة. المسألة في النهاية هي قدرة الشاعر على جعل اللغة، أيًا كانت، جزءًا من جمال النصّ وخلاصة القول أجدني أكثر في الفصحى. س- كيف توازن بين الاحتفالي والوطني والوجداني والتأمّلي؟ الخيط الناظم في تجربتي ليس الموضوع وإنّما الإنسان. قد أكتب في الوطن، أو الحبّ، أو الأمّ، أو المكان، أو الوجع، لكنّني في كلّ الحالات أبحث عن الإنسان الكامن وراء الموضوع.لذلك لا أرى التنوّع تشتّتًا بالضرورة، إذا كانت الرؤية واحدة، يمكن أن تتعدّد الموضوعات دون أن تفقد التجربة هويّتها. س- قلت إنّ «القصيدة بيت الروح الذي أسكنه حين تضيق بي الدنيا»؛ إلى أيّ مدى يمكن أن تكون وظيفة الشعر ملاذًا للإنسان؟ الشعر ليس علاجًا لكلّ شيء، لكنّه يستطيع أن يكون ملجأ آمنا يمنح الإنسان مساحة يتنفّس فيها بعيدًا عن ضجيج العالم.نحن نعيش في زمن سريع ومادّي، ولذلك يصبح الشعر نوعًا من استعادة الإنسان لحقّه في التأمّل والإصغاء. القصيدة لا تغيّر العالم، لكنّها قد تغيّر الطريقة التي ننظر بها إلى العالم، وهذه ليست وظيفة صغيرة. 🏛️ المحور الثالث: جغرافيا المكان وتأسيس المنارات س- كيف انصهرت جربة في تجربتك الشعريّة؟ جربة ليست عندي مجرّد مكان ولدت أو عشت فيه، وإنّما ذاكرة كاملة، البحر، الضوء، النخيل، القرية، الناس، الحكايات، وحتّى الصمت الذي يهبط على الجزيرة في بعض اللحظات؛ كلّ ذلك يدخل إلى الكتابة بصورة أو بأخرى.قد لا أذكر جربة في النصّ صراحة، لكنّها تكون حاضرة في حساسيّة النصّ وفي صوره وفي إيقاعه. المكان الحقيقي لا يحتاج دائمًا إلى أن يُسمّى حتّى يكون حاضرًا. س- كنت من مؤسّسي بيت محمود درويش للشعر في جربة؛ كيف نبعت الفكرة؟ نبعت الفكرة من إيمانٍ بأنّ الثقافة لا ينبغي أن تظلّ حبيسة المراكز الكبرى، وأنّ جربة، بما تزخر به من طاقات إبداعية، تحتاج إلى فضاء يجمع المبدعين والمبدعات والقرّاء، ويتيح للكلمة أن تتحوّل إلى فعل ثقافيّ حيّ. ومن هذا الهاجس تأسّس بيت محمود درويش للأدب بالمركز الثقافي والسياحي المتوسّطي بحومة السوق جربة، يوم 20 سبتمبر 2014، بمبادرة من ثلّة من المبدعين والمبدعات من الجهة، سعياً إلى إيجاد فضاء مفتوح على مختلف الأجناس الأدبيّة، يحتفي بالكلمة والجمال، ويتيح تبادل التجارب والخبرات، والاستفادة من النقد الأدبي بما يثري العمل الإبداعي ويسهم في الارتقاء به. أمّا اختيار اسم محمود درويش فلم يكن اعتباطيّاً؛ فقد كان رمزاً لشعر يتجاوز الجغرافيا، ويزاوج بين الجمالي والإنساني، ويجعل من الحرية والكرامة والوطن والمنفى أسئلة شعريّة تتجاوز حدود المكان.ولم يكن هدفنا أن نقلّد درويش، بل أن نستمدّ من تجربته ما يؤكّد قدرة الشعر على ملامسة القضايا الكبرى دون أن يفقد شعريّته وجماله. لذلك ظلّ البيت منفتحاً على محيطه الوطني والعربي، حريصاً على مدّ جسور التواصل مع مختلف التجارب الإبداعيّة، إيماناً بأنّ الثقافة تزدهر بالحوار والتنوّع والانفتاح. س- قرئت نصوصك في برامج إذاعيّة وطنيّة في بداياتك؛ كيف تقيّم دور الإعلام اليوم؟ ج- الإعلام كان في مراحل سابقة يمتلك قدرة أكبر على اكتشاف الأصوات الجديدة وإعطائها مساحة. اليوم اتّسعت المنصّات، وهذا أمر إيجابي، لكنّ اتّساع المجال لم يعن بالضرورة ارتفاع مستوى الاختيار.أصبح كلّ شاعر تقريبًا قادرًا على الوصول إلى الجمهور، وهذا مكسب من جهة، لكنّه يجعل مسؤوليّة القارئ أكبر؛ لأنّه مطالب بالتمييز بين الانتشار والقيمة. س- وهل ما زالت المهرجانات الثقافيّة منابر حيّة؟ يمكن أن تكون كذلك، إذا خرجت من البروتوكول إلى الفعل الثقافي الحقيقي. المهرجان الذي يكتفي بالمنصّة والكلمات الرسميّة ينتهي بانتهاء الحفل، أمّا الذي يخلق حوارًا بين المبدع والجمهور ويترك أثرًا في الذاكرة، فهو الذي يستحقّ أن يسمّى فعلًا ثقافيًّا. 🏛️ المحور الرابع: العزلة عن النشر الورقي وسلطان الذاكرة الرقمية س- تجاوزت نصوصك المئة، ومع ذلك لم تصدر ديوانًا مطبوعًا؛ لماذا؟ لا أعتقد أنّ المسألة زهد في الكتاب الورقي بقدر ما هي تأجيل،أو ربّما كنت دائمًا أشعر أنّ النصّ يحتاج إلى أن ينضج قبل أن يوضع بين دفتي كتاب.كما أنّني لم أكتب طوال هذه السنوات وأنا أضع مشروع الديوان نصب عيني، كنت أكتب لأنّني أحتاج إلى الكتابة لا غير. كما تراكمت النصوص بعد ذلك وأصبحت أمام مسؤوليّة الاختيار والمراجعة ولم اتّخذ موفقا بعد. س- هل فقد الكتاب الورقي قداسته أمام الفضاء الرقمي؟ لا. أعتقد أن الكتاب الورقي سيظلّ محتفظًا بمكانته. الرقمي سريع ومتاح ويمنح الكاتب جمهورًا واسعًا، لكنّ الكتاب يمنح النصّ حياة مختلفة، ويضعه في سياق قابل للحفظ والتوثيق.لا أرى علاقة صراع بينهما، المستقبل، في اعتقادي، سيكون للتكامل بين الورقي والرقمي. س- هل أنصفتك المنصّات الرقمية؟ أنصفتني بقدر ما أتاحت لي الاقتراب من القارئ، وجعلت النصّ يخرج من عزلته ليدخل في حوار مباشر مع من يقرأه، وفي بعض هذه المنصّات وجدت قراءات جادّة من نقّاد ومهتمّين، كانت ملاحظاتهم وإضاءاتهم إضافة حقيقيّة إلى التجربة، ودفعتني أحيانًا إلى إعادة النظر في النصّ وتطويره.لكنّني أتحفّظ على مساواة كثرة التفاعل بالقيمة الأدبيّة؛ فالإعجاب جميل، والتعليق يفرح الكاتب ويحفّزه، غير أنّ المجاملة لا تصنع نقدًا، وكثرة التفاعل لا تعني بالضرورة جودة النصّ. ما يعنيني في النهاية هو أن أجد قارئًا حقيقيّا يدخل إلى النصّ لا ليجامله، بل ليحاوره ويكشف ما فيه من جمال وما يحتاج إلى مراجعة. س- هل تخشى على إرث أربعة عقود من الضياع؟ لا، فجلّها مدوّن على الورق وما تحتضنه الذاكرة الرقميّة الكثير، لكنّها ليست بالضرورة ذاكرة آمنة، لأنّ ما ينشر اليوم قد يختفي غدًا وسط ملايين النصوص.كهاوٍ لم أفكّر بعد في جمعها ونشرها ورقيّا. س- حين تقرأ نصًا كتبته قبل ثلاثين عامًا، هل تراه ما زال يمثّلك؟ أراه يمثّلني في تلك اللحظة، لأنّي لا أريد أن أفرض على سليمان الشاب وعي سليمان اليوم.قد أجد في النصّ القديم ما افتخر به، وقد أجد ما كنت سأكتبه بطريقة مختلفة اليوم، وهذا طبيعي. الإنسان نفسه يتغير، ومن حقّ القصيدة أن تحمل آثار المرحلة التي ولدت فيها. 🏛️ المحور الخامس: كبرياء النور وتعرية الزيف س- قلت إنّ كبرياءك هو «كبرياء النور لا الترفّع»؛ كيف توازن بين التواضع وعزّة الحرف؟ التواضع عندي لا يعني أن أنكر قيمة ما أكتب، كما أنّ الثقة بالنفس لا تعني أن أضع نفسي فوق الآخرين. فالشاعر مطالب بأن يؤمن بما يكتب، وإلاّ كيف يمنح قصيدته شيئًا من روحه؟ لكنّه مطالب، في المقابل، بأن يدرك أنّ قصيدته ليست نصًّا مقدّسًا، وأنّها تظلّ مفتوحة للنقد والمراجعة والتطوير.وعزّة الحرف في نظري أن احترم ما أكتب، وأن أحرص على أن يكون جديرًا بالقراءة، لا أن أطلب من الآخرين تعظيمه. فالقيمة الحقيقيّة للنصّ لا يصنعها غرور صاحبه، بل ما يتركه في وجدان قارئه وما يثيره من أسئلة وتأمّلات. س- ما الذي يهدّد إنسانيّة الشعر اليوم؟ أكثر ما يهدّدها، في رأيي، أن يتحوّل الشعر إلى سلعة أو إلى وسيلة لصناعة صورة عن الذات. حين يصبح عدد الإعجابات أهمّ من جودة القصيدة، وحين يصبح التصفيق أهمّ من الحقيقة، يبدأ الشعر في فقدان روحه.وأخشى كذلك من المجاملة التي تمنع الشاعر من رؤية أخطائه. فالشاعر لا يحتاج دائمًا إلى من يقول له: ما أجملك؛ أحيانًا يحتاج إلى من يقول له: هنا أخطأت. س- كيف يستخلص المبدع من الألم نورًا؟ ليس المطلوب من الشاعر أن يتاجر بوجعه، وإنّما أن يحوّله إلى معرفة إنسانيّة تتجاوز حدود الذات. فالألم الشخصي لا يصبح شعرًا إلا حين يخرج من خصوصيّته، ويجد فيه الآخرون شيئًا من ذواتهم وتجاربهم.قد أبكي في قصيدة فقدَ شخصٍ عزيز، لكن إذا استطاع قارئ لم يعرف ذلك الشخص أن يشعر بالفقد من خلال النصّ، فقد تحوّل وجعي الشخصي إلى تجربة إنسانيّة مشتركة.وقد لا يكون الوجع وجع الشاعر أصلًا؛ فقد تكون المأساة من نصيب الآخر، ودور الشاعر أن يُنصت إليها، ويستبطن مشاعرها، ثمّ يعيد صياغتها شعريًّا بما يجعل النصّ مرآةً لتلك الحالة، وقادرًا على بلوغ وجدان القارئ.هنا يصبح الشعر، في جوهره، انتقالًا من ألم الذات إلى إنسانيّة الألم. س- أين تقع جمرة الوجع في تجربتك؟ الوجع حاضر في كلّ تجربة إنسانيّة، لكنّني لا أبحث عنه بحثًا مصطنعًا. هناك أشياء في الحياة تترك ندوبها، وبعضها لا يجد طريقه إلى الكلام إلاّ بعد سنوات.والشعر بالنسبة إليّ ليس تسجيلًا للألم، بل إعادة صياغة له. أن تأخذ ما يؤلمك وتحاول أن تمنحه معنى، هذه واحدة من وظائف الكتابة. س-وفي نص «أماه.. وأنا ألقاكِ»، كيف يعيش الشاعر رصيف الانتظار الطويل بعد ذلك الحلم؟ الأم لا تغادر أبناءها تمامًا حين تغادر الحياة؛ فهي لا ترحل من الذاكرة، بل تنتقل إليها، وتسكن في التفاصيل الصغيرة، في نبرة صوت، وفي رائحة مكان، وفي أشياء عابرة لا نكتشف قيمتها إلاّ بعد أن نفقد أصحابها.ذلك الحلم كان بالنسبة إليّ لحظة استثنائيّة؛ شعرت فيه أنّ من غادرتني قد عادت إليّ للحظات، وأنّ المسافة بين الغياب والحضور قد انكسرت، ثم جاء أذان الفجر ليوقظني من الحلم ويعيدني إلى الحياة. ولعلّ في ذلك التزامن معنى لا يزال يسكنني: أنّ الحنين، مهما كان موجعًا، لا ينبغي أن يتحوّل إلى إقامة في الغياب؛ فالحياة تستمرّ، وما نملكه تجاه من أحببناهم أن نحملهم في أرواحنا ونواصل الطريق بما تركوه فينا.وأمّي، على وجه الخصوص، لم تكن بالنسبة إليّ أمًّا فحسب؛ فقد عشت معها، منذ ولادتي، معنى الأبوة والأمومة معًا. كانت حضنًا وأمانًا وسندًا، وكانت حضورًا يملأ جوانب الحياة، لذلك فإنّ رحيلها لم يكن فقدان شخص عزيز فحسب، بل فقدان جزء من العالم الذي عشت فيه. ومع ذلك، يبقى بعض الأحبّة أكبر من الغياب؛ يرحلون عن أعيننا، لكنّهم يظلّون فينا، نعيش بهم وإن لم يعودوا يعيشون بيننا. أمّا كلمتي لكلّ مكروب، فهي: لا تستسلم للّيل الذي أنت فيه، قد لا نعرف متى يأتي الفرج، لكنّنا نعرف أنّ الإنسان لا يستطيع أن يعيش بلا أمل. أحيانًا يكون الصبر نفسه شكلًا من أشكال المقاومة، ويكون اليقين نورًا صغيرًا يكفي لكي نواصل الطريق. 🏛️ المحور السادس: الشاعر والناقد... بين الكتابة ومراجعة الذات س- أنت شاعر وتمارس القراءة النقديّة للنصوص؛ كيف غيّرت القراءة النقديّة علاقتك بشعرك؟ غيّرتها كثيرًا، حين أصبحت أقرأ النصوص بعين نقديّة، أصبحت أكثر قسوة على نصوصي أنا أيضًا. صرت أعرف أنّ الحبّ الذي يحمله الشاعر لقصيدته لا ينبغي أن يمنعه من رؤية عيوبها.وأعتقد أنّ أجمل ما يمكن أن يفعله المبدع لنفسه هو أن يتعلّم كيف يقول عن نصّه: هذه العبارة زائدة، وهذه الصورة لم تنجح، وهذا البيت يحتاج إلى مراجعة. س- هل يستطيع الشاعر أن يكون ناقدًا عادلًا لنفسه؟ بصعوبة، لكنّه يستطيع أن يتعلّم كيف يقترب من ذلك. فالشاعر حين يكتب يكون قريبًا جدًا من نصّه، محكومًا بانفعاله وبتجربته، ولذلك يصعب عليه أن يرى عيوبه بالوضوح نفسه الذي يرى به عيوب الآخرين. لكنّ المسافة الزمنيّة تساعد كثيرًا؛ فالقصيدة التي أحبّها اليوم قد أعود إليها بعد سنوات، فاكتشف فيها ما لم أكن قادرًا على رؤيته لحظة كتابتها.ولهذا لا أؤمن بأنّ الشاعر يصل يومًا إلى مرحلة يكتمل فيها؛ فكلّ نصّ جديد ينبغي أن يكون اختبارًا لما تعلّمه، وفرصة لاكتشاف ما يجهله. وربّما يكون وعي الشاعر بحدود تجربته، واستعداده لمراجعة نصّه، أحد أشكال النضج الحقيقي. س- هل تستطيع تقبّل النقد القاسي؟ إذا كان نقدًا حقيقيّا، نعم. ما أرفضه ليس القسوة، وإنّما التجريح. فهناك فرق بين أن تنتقد النصّ وأن تهين صاحبه.وأنا شخصيّا أفضّل النقد الذي يقول لي أين أخطأت ولماذا، لأنّ هذا النوع من النقد يمكن أن يجعلني أفضل. س- ما الذي تغيّر في مفهومك للشعر خلال أربعة عقود؟ في البداية كنت أرى الشعر باعتباره وسيلة للتعبير عن المشاعر، اليوم أراه أوسع من ذلك بكثير. الشعر بالنسبة إليّ رؤية للعالم، وطريقة في فهم الإنسان، ومحاولة لاكتشاف ما وراء الأشياء.ربّما كنت في بداياتي أبحث عن القصيدة، أمّا اليوم فأشعر أنّني أبحث من خلالها عن نفسي وعن معنى وجودنا في هذا العالم. س- لو عاد بك الزمن إلى سليمان الشاب، ماذا تقول له؟ أقول له: اكتب، ولا تستعجل الوصول، اقرأ أكثر، واستمع أكثر، ولا تجعل التصفيق معيارك.وأقول له أيضًا: لا تخف من الخطأ، لكن لا تحوّله إلى عادة، ولا تتوقّف عن التعلّم، لأنّ أجمل ما في الرحلة أن تكتشف في كلّ مرحلة أنّك ما زلت في بدايتها. 🏛️ المحور السابع: الشعر في زمن الصورة والسرعة س- ماذا بقي للشعر في زمن الصورة والفيديو والسرعة؟ بقي الإنسان، ولذلك بقي الشعر.قد تتغيّر الوسائل، وقد تتغيّر طريقة وصول القصيدة إلى القارئ، لكنّ الحاجة الإنسانيّة إلى التعبير عن الحبّ والفقد والحرية والقلق والأمل لن تختفي.فالشعر لا ينافس الصورة في سرعتها، ولا ينبغي له أن يفعل. وهو يمنح الإنسان شيئًا آخر: لحظة يتوقّف فيها عن الاستهلاك ويبدأ في التأمّل. س- هل يحتاج الشعر إلى جمهور واسع؟ ليس بالضرورة، أتمنّى طبعًا أن تصل القصيدة إلى أكبر عدد ممكن، لكنّني أؤمن أنّ قارئًا واحدًا يقرأ بعمق قد يكون أهمّ من مئة إعجاب عابر.الشعر ليس استفتاءً شعبيًا، بل قيمته لا تقاس دائمًا بعدد الذين صفّقوا له. س- ما الذي تخشاه على الشعر العربي؟ أخشى عليه من الاستسهال، ومن الخلط بين الحرية والفوضى، وبين البساطة والسطحيّة، وبين التجديد وهدم كلّ ما سبقه.وأخشى أيضًا من المجاملات التي تجعل الشاعر يعتقد أنّه بلغ ما لم يبلغه أحد.لكنّني في المقابل متفائل؛ لأنّني أرى أنّ هناك أصواتًا حقيقيّة ما زالت تكتب، وهناك قرّاء حقيقيّين يبحثون عن النصّ الجيّد، مهما ارتفع ضجيج الرداءة. س- ولو طلبنا منك اختصار أربعة عقود من الكتابة في ثلاث كلمات، ماذا تختار؟ الصدق، والوجع، والنور.الصدق لأنّني لم أستطع أن أكتب إلاّ من شيء أؤمن به أو أشعر به.والوجع لأنّ الكتابة كثيرًا ما تبدأ من سؤال أو جرح أو فقد أو قلق.والنور لأنّني لا أريد للشعر أن يكون مجرّد مرآة للألم؛ أريده أن يحاول الخروج منه، وأن يمنح القارئ شيئًا من الأمل، ولو كان صغيرًا.وفي النهاية، ربما لم أكتب كلّ هذه السنوات لأقول للناس إنّني شاعر، وإنّما لأنّني كنت أحتاج إلى الشعر كي أفهم شيئًا من نفسي، وشيئًا من العالم، وشيئًا من الإنسان. س- هل من كلمة تختم بها هذا الحوار وتوجّهها إلى مريدي الإبداع؟ أقول لكلّ من يطرق باب الإبداع: لا تستعجل أن تُسمّى مبدعًا، بل انشغل بأن تصبح جديرًا بهذا الاسم. اكتب لأنّ في داخلك شيئًا يستحقّ أن يُقال، لا لأنّك تريد أن تُرى أو أن يُصفَّق لك.اقرأ كثيرًا، وأنصت أكثر، ولا تخف من مراجعة نفسك؛ فالموهبة وحدها لا تكفي، وما لا تصقله القراءة والتجربة والنقد قد يبقى مجرّد رغبة جميلة، ولا تجعل كثرة الإعجاب معيارًا لقيمة ما تكتب؛ فقد يصفّق لك كثيرون ولا يضيفون إلى نصّك شيئًا، وقد يقول لك قارئ واحد: «هنا أخطأت»، فيمنحك ما هو أثمن من التصفيق كلّه. وأقول لهم أيضًا: لا تستعجلوا الوصول. الإبداع رحلة طويلة، وكلّما ظننت أنّك بلغت نهايتها اكتشفت أنّ أمامك طريقًا آخر. تواضع أمام الكلمة، واحترم القارئ، ولا تتوقّف عن التعلّم.أمّا أنا، وبعد هذه العقود، فما زلت أرى نفسي في بداية الطريق؛ ما زلت أبحث، وأخطئ، وأراجع، وأتعلّم، وربّما أجمل ما يمنحه لنا الإبداع هو أنّه يبقينا في حالة سؤال دائم.فاكتبوا بصدق، واشتغلوا على ما تكتبون بصبر، ودعوا الزمن وحده يحكم على ما يستحقّ أن يبقى.
#عطا_درغام (هاشتاغ)
Atta_Dorgham#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الحركة الإبداعية التونسية المعاصرة:مع الشاعرة التونسية سلوى
...
-
الحركة الإبداعية التونسية المعاصرة:عادل لطيفي في حديث من الق
...
-
الحركة الإبداعية التونسية المعاصرة: حوارٌ مع حارس اللحظة اله
...
-
الحركة الإبداعية التونسية المعاصرة: حوار مع الشاعر التونسي ع
...
-
الحركة الإبداعية التونسية المعاصرة:مع الشاعرة التونسية فائزة
...
-
الحركة الإبداعية التونسية المعاصرة:مع الشاعر التونسي محمد عل
...
-
الحركة الإبداعية التونسية المعاصرة: حوار مع الشاعر التونسي ن
...
-
الحركة الإبداعية التونسية المعاصرة:مع الشاعرة مجيدة محمدي
-
الحركة الإبداعية التونسية المعاصرة: مع الشاعر التونسي محمد ا
...
-
الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة: حوار مع عبد المجيد عبوبي
-
الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة:حوارٌ مع الشاعر والمربي س
...
-
الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة: حوار مع الشاعرة المغربية
...
-
الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة: لقاء مع الفنان التشكيلي
...
-
الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة:مع عبد المؤمن الزياني
-
الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة:عبد اللطيف النيلة في حوار
...
-
الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة:مع الشاعر الناقد فرحات نز
...
-
الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة: : مع الشاعر عبدالرحمان ا
...
-
الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة: : حوار عميق مع الشاعر وا
...
-
الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة:حوار مع الشاعر المغربي مح
...
-
الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة: . إضاءات على مسيرة الشاع
...
المزيد.....
-
مسلسلات تركية.. موعد عرض الموسم الـ2 من مسلسل -تحت الأرض-
-
غوتيريش يعرب عن قلقه من تزايد الضحايا المدنيين جراء الضربات
...
-
بريطانيا تكشف نتائج تفتيش المركبات قرب قاعدة فيرفورد الأمريك
...
-
كوكايين وممرضات بدلا من الأطباء.. تفتيش يكشف مخالفات خطيرة ف
...
-
طهران توجه رسالة تحذيرية لدول المنطقة وتكشف عواقب زيارة نتني
...
-
واشنطن تفرض عقوبات على 10 أفراد وكيانات بتهمة إمداد وزارة ال
...
-
بلوتوث: اسم تقنية وراءه قصة تاريخية تعود إلى ألف عام، فما هي
...
-
غزة ومقاومة المضادّات الحيويّة
-
تعرّف على فاطمة الزهراء المنصوري أول رئيسة للحكومة في تاريخ
...
-
رصد استئناف السعودية تحميل النفط من ينبع بعد إعادة تشغيل خط
...
المزيد.....
-
رزكار عقراوي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول كتابه: ال
...
/ رزكار عقراوي
-
تساؤلات فلسفية حول عام 2024
/ زهير الخويلدي
-
قراءة في كتاب (ملاحظات حول المقاومة) لچومسكي
/ محمد الأزرقي
-
حوار مع (بينيلوبي روزمونت)ريبيكا زوراش.
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
رزكار عقراوي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: أبرز الأ
...
/ رزكار عقراوي
-
ملف لهفة مداد تورق بين جنباته شعرًا مع الشاعر مكي النزال - ث
...
/ فاطمة الفلاحي
-
كيف نفهم الصّراع في العالم العربيّ؟.. الباحث مجدي عبد الهادي
...
/ مجدى عبد الهادى
-
حوار مع ميشال سير
/ الحسن علاج
-
حسقيل قوجمان في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: يهود الع
...
/ حسقيل قوجمان
-
المقدس متولي : مقامة أدبية
/ ماجد هاشم كيلاني
المزيد.....
|