محمد ابراهيم عرفة
الحوار المتمدن-العدد: 8841 - 2026 / 9 / 27 - 17:59
المحور:
الادب والفن
في إحدى الممالك كان يحكم ملك يدعى هارت، وكان له ابن عم يدعى أستر، وكان أستر الوريث الشرعي للحكم بعد هارت، كما كان أقرب الناس إليه. كان أستر رائع المظهر، قوي الشخصية، وذكيًا، وكان هارت يثق به ثقة كبيرة.
وفي إحدى المرات، كان أستر وهارت يتحدثان عن تصدي المملكة لأعدائها، وكيف أن المملكة تتوسع يومًا بعد يوم.
قال أستر:
"إن مملكتنا تتوسع كل يوم، يا هارت، وأعتقد أننا سنحكم العالم يومًا ما."
ابتسم هارت وقال:
"وهل تظن أن حكم العالم أمر سهل؟"
أجاب أستر:
"إذا امتلكنا أقوى جيش، فلن يستطيع أحد الوقوف في طريقنا."
قال هارت:
"إذن سأعطيك فرصة لإثبات ذلك. سأرسلك للاستيلاء على آخر مدن مملكة الأرض الخضراء، وبعدها نستطيع التوسع نحو الممالك الأخرى."
أجاب أستر بثقة:
"لن أخذلك."
نفذ أستر أوامر هارت، وذهب إلى المدينة، فوجد جيشًا هزيلًا يدافع عنها. عرض على أهلها الاستسلام مقابل الأمان، فاختار حاكم المدينة الاستسلام.
لكن أستر، بعدما دخل المدينة، أمر جنوده بالاستيلاء على أموال أهلها، وقتل من قاومهم، وأصبحت المدينة غارقة في الدمار والفوضى.
وفي أثناء الليل، كان أستر يتجول في المدينة، فوجد بوابة قديمة غريبة.
سأل أحد الناجين:
"ما هذه البوابة؟"
أجابه الرجل:
"لا أحد يعرف حقيقتها. لكن هناك أسطورة تقول إن خلفها نمرًا رجلًا يمنح قوة عظيمة لمن يراه جديرًا بها."
أعجب أستر بالفكرة وقال:
"إذن ربما تكون هذه القوة هي ما أحتاج إليه."
دخل أستر البوابة برفقة مجموعة من الجنود، وما إن دخلوا حتى وجدوا مخلوقات عجيبة وأرواحًا تطوف في المكان.
وكلما تقدموا، كانت بعض المخلوقات تخطف أحد الجنود حتى بقي أستر وحده تقريبًا.
وفي النهاية وصل إلى شجرة ضخمة يسكنها النمر الرجل.
قال النمر الرجل:
"لماذا أتيت؟"
أجاب أستر:
"أريد القوة."
قال النمر:
"وما الذي ستفعل بها؟"
قال أستر:
"سأجعل مملكتي أعظم مملكة في العالم."
قال النمر:
"وهل ستستخدمها لحماية الناس أم لإخضاعهم؟"
ابتسم أستر وقال:
"أنا أستحق القوة أكثر من أي شخص آخر."
اقترب النمر الرجل منه وقال:
"إذن أنت لا تبحث عن القوة... بل عن وسيلة تمنح غرورك شكلًا جديدًا."
ثم وضع يده على رأس أستر.
قال:
"سأمنحك قوة تحكم في النباتات، فإن كنت جديرًا بها بقيت لك، وإن لم تكن جديرًا بها أصابتك اللعنة."
فقد أستر وعيه.
وعندما استيقظ، وجد أن وجهه قد أصبح قبيحًا ومشوهًا.
صرخ:
"ماذا فعلت بي؟!"
أجابه النمر الرجل:
"لقد أردت قوة الطبيعة، لكن قلبك لم يكن صالحًا لحملها."
قال أستر:
"كيف أفك اللعنة؟"
قال النمر:
"تخلص من الظلم الذي في قلبك، وعندها سيعود إليك ما فقدته."
عاد أستر من البوابة، لكن الجنود الذين معه كانوا ينظرون إليه بخوف واشمئزاز.
وعندما عاد إلى المملكة، استقبله هارت بصدمة.
قال هارت:
"أستر... ماذا حدث لك؟"
أجاب أستر:
"إنها لعنة.
نظر إليه هارت طويلًا، ثم قال:
"لم أعد أعرف الرجل الذي أمامي."
فقال أستر:
"هل صار وجهي عارًا عليك؟"
أجاب هارت:
"لم يكن وجهك هو ما جعلك عزيزًا عليّ."
ثم أبعده عن حاشيته.
أما حبيبته السابقة، فتركت أستر بعدما رأت مظهره الجديد.
خرج أستر من المملكة، وارتدى قناعًا يخفي وجهه، وظل يسير وحيدًا في الغابات.
وفي إحدى الليالي جلس تحت شجرة وبكى.
قال:
"كنت أخشى أن يفقد الناس احترامهم لي... ولم أفكر يومًا في الأشخاص الذين فقدوا كل شيء بسببي."
وبينما كان يسير في الغابة، سقط من مكان مرتفع وفقد وعيه.
وعندما استيقظ وجد نفسه في قرية تابعة لمملكة كان هارت يستعد لغزوها.
وجد أهل القرية في حالة يرثى لها، وكانت القرية تفتقر إلى المحاربين، ولم يكن فيها إلا عدد قليل من الرجال وكثير من النساء والأطفال.
ساعد أستر أهل القرية في أعمالهم، وحمل الطعام، وأصلح بعض البيوت، ودافع عن القرية من اللصوص.
وهناك التقى بفتاة تدعى مارى.
كانت مارى شجاعة وذكية، ولم تكن تثق بأستر في البداية.
قالت له:
"أنت غريب عن هذه القرية. لماذا تساعدنا؟
قال أستر:
"لأنكم تحتاجون إلى المساعدة."
قالت:
"وهل كنت ستقول الشيء نفسه لو كنت ما زلت مع جيش المملكة؟"
سكت أستر.
فقالت:
"إذن هناك شيء تخفيه."
لم يجبها.
ومع مرور الأيام أصبحت مارى تراه يساعد الناس باستمرار.
وفي أحد الأيام خرجا معًا لجمع الأعشاب.
قالت مارى:
"لماذا ترتدي القناع دائمًا؟"
قال:
"لأنني لا أريد لأحد أن يرى وجهي."
قالت:
"ولماذا تخاف من نظرات الناس؟"
أجاب:
"لأنني كنت أظن أن الإنسان يستطيع أن يعرف قيمته من نظرات الآخرين إليه."
قالت مارى:
"وأنت؟ هل عرفت قيمتك الآن؟"
ابتسم أستر وقال:
"بدأت أعرفها."
بدأت علاقة أستر ومارى تتطور ببطء.
كانت مارى أول شخص يعامله كإنسان، وليس كملك سابق أو رجل مشوه.
وفي إحدى الليالي، جلسا قرب النهر.
قالت مارى:
"أستر، هل تستطيع أن تخبرني الحقيقة؟"
قال:
"عن ماذا؟"
قالت:
"عن نفسك."
ظل صامتًا طويلًا، ثم خلع قناعه لأول مرة أمامها.
نظرت مارى إلى وجهه، لكنها لم تبتعد.
قال أستر:
"هذا أنا."
قالت:
"كنت أعرف أن هناك شيئًا تخفيه."
قال:
"هل تشعرين بالاشمئزاز؟"
أجابته:
"لا."
قال:
"لماذا؟"
قالت:
"لأنني رأيت منك أشياء كثيرة قبل أن أرى وجهك."
ثم أخبرها أستر بحقيقته كاملة، وأنه ابن عم الملك هارت، وأنه كان قائدًا في جيشه، وأنه شارك في غزو المدن التي كان أهلها أبرياء.
غضبت مارى وقالت:
"إذن أنت واحد منهم."
قال:
"كنت واحدًا منهم."
قالت:
"كم مدينة دمرتها؟"
قال:
"لا أعرف."
قالت:
"وكم شخصًا مات بسبب أوامرك؟"
خفض أستر رأسه وقال:
"لا أعرف."
قالت:
"وهذا أكثر ما يخيفني."
ثم تركته ومضت.
ظل أستر جالسًا وحده، لكنه لم يغضب منها، لأنه أدرك أنها كانت محقة.
وفي اليوم التالي وجد مارى تساعد الأطفال في القرية.
اقترب منها وقال:
"لن أطلب منك أن تسامحيني."
قالت:
"ولماذا؟"
قال:
"لأنني لا أستحق أن يغفر لي أحد لمجرد أنني ندمت."
نظرت إليه مارى وقالت:
"إذن ماذا ستفعل؟"
قال:
"سأثبت أنني تغيرت."
ومنذ ذلك اليوم أصبحا يعملان معًا في حماية القرية.
وفي أحد الأيام هاجمت مجموعة من جنود هارت القرية.
أراد أستر أن يقتل قائدهم لعدواة كانت بينهما ، لكنه توقف في اللحظة الأخيرة.
قالت مارى:
"لماذا توقفت؟"
قال:
"لأنني أعرف الآن الفرق بين الدفاع عن الناس وبين الانتقام."
ولكنه شعر بأنه يحتاج إلى قوة أكبر لمواجهة مملكة هارت فأخبره الناس أن يذهب إلى حكيم يعيش في الجبال.
ذهب أستر ومارى إليه برفقة شاب يدعى جون.
أخبرهم الحكيم أن أستر لن يستطيع مواجهة هارت بقوته الحالية.
وقال:
"إذا أردت حماية هذه الأرض، فعليك أن تبحث عن الرجال النمور الأربعة."
قال أستر:
"ومن هم؟"
قال الحكيم:
"كل واحد منهم يحرس قوة من قوى الطبيعة."
ثم شرح لهم:
"رجل النمر في الشمال يمنح قوة البرق.
ورجل النمر في الشرق يمنح قوة الحمم البركانية.
ورجل النمر في الغرب يمنح قوة الماء.
ورجل النمر في الجنوب يمنح قوة تحكم بالنباتات."
بدأت رحلة أستر ومارى وجون.
وفي طريقهم، كانت مارى تساعد أستر على التحكم في غضبه.
وفي إحدى المرات غضب أستر من جون بعدما أخطأ في الطريق.
قال أستر:
"أنت لا تعرف ما تفعله!"
فرد جون:
"وأنت لا تزال تتصرف كقائد جيش.
سكت أستر.
ثم قال:
"معك حق."
ضحكت مارى وقالت:
"يبدو أنك بدأت تتعلم."
قال أستر:
"أنا أتعلم منك."
قالت:
"ومن قال إنني معلمة؟"
قال:
"لأنك أول شخص جعلني أرى نفسي كما أنا."
ابتسمت مارى.
وعندما وصلوا إلى رجل النمر الأول، اختبر أستر بشجاعته.
ثم حصل على قوة البرق.
وفي الشرق، واجه اختبار الغضب أمام رجل النمر الذي يمنح قوة الحمم البركانية.
كان عليه أن يسيطر على غضبه بدلًا من إطلاق القوة بلا تفكير.
وفي الغرب، تعلم من رجل النمر صاحب قوة الماء أن القوة يمكن أن تكون مرنة، وأن الإنسان يستطيع أن يتراجع دون أن يكون ضعيفًا.
أما في الجنوب، فقابل رجل نمر صاحب قوة تحكم في النباتات الذى سعد بتغييره للأفضل فمنحه القوة
وبعد رحلتهم الطويلة، امتلك أستر قوى الطبيعة الأربع، لكنه لم يعد يستخدمها بغرور.
وعندما عاد إلى القرية، اكتشف أن جيش هارت اقترب منها.
قال أستر:
"لقد حان الوقت."
قالت مارى:
"هل أنت مستعد؟"
أجاب:
"لأول مرة في حياتي، لا أريد أن أنتصر من أجل نفسي."
قالت مارى:
"إذن من أجل من؟"
نظر إلى أهل القرية وقال:
"من أجلهم."
اندلعت المعركة الحاسمة بين أستر وجيش هارت.
استخدم أستر البرق لإيقاف تقدم الجيش، والحمم لتدمير أسلحة الحرب، والماء لحماية المدنيين، والرياح لتفريق جنود هارت.
وفي النهاية وصل إلى هارت.
قال هارت:
"كنت ابن عمي وأقرب الناس إليّ، والآن جئت لتأخذ عرشي."
قال أستر:
"لم آت لأخذ عرشك."
قال هارت:
"إذن لماذا؟"
قال:
"جئت لأوقفك."
قال هارت:
"وهل أصبحت الآن مدافعًا عن الناس؟"
أجاب أستر:
"كنت أظن أن الملك هو من يملك الناس، ثم تعلمت أن الملك الحقيقي هو من يحميهم."
اندلعت المعركة بينهما، واستطاع أستر هزيمة هارت وإبعاده عن المملكة.
بعد انتهاء الحرب، لم يطلب أستر العرش مباشرة.
قال له أهل المملكة:
"أنت الوريث الشرعي، اجلس على العرش."
أجاب:
"لا أريد أن أحكم لأنى انتصرت على الملك السابق ، بل أريد أن أحكم إذا اختار الناس أن أكون ملكهم."
وبعد فترة من إعادة بناء المدن، اختار الناس أستر ملكًا عليهم.
وفي يوم تتويجه، وقفت مارى إلى جانبه.
قال أستر:
"لو لم ألتقِ بك، لربما بقيت الرجل الذي كنت عليه."
قالت مارى:
"بل ربما كنت ستجد طريقك يومًا ما."
قال:
"لكنني كنت سأضيع وقتًا طويلًا."
ابتسمت مارى.
ثم قال أستر:
"هل تقبلين أن تكوني إلى جانبي في هذه المملكة؟"
قالت:
"بشرط."
قال:
"ما هو؟"
قالت:
"ألا تصبح مثل هارت."
ضحك أستر وقال:
"أعدك."
وبعد سنوات، تزوج أستر من مارى، وأصبحا يحكمان المملكة معًا.
ثم بدأ أستر في تحرير الممالك الأخرى التي كان هارت يخطط لغزوها، لكنه لم يفعل ذلك بالحرب، بل عقد معها العهود وأعاد إليها استقلالها.
وهكذا أصبح الرجل الذي أراد في الماضي أن يحكم العالم بالقوة، ملكًا تعلّم أن أعظم قوة ليست في السيطرة على الناس، بل في القدرة على حمايتهم.
#محمد_ابراهيم_عرفة (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟