|
|
إعلان سياحي عن جرح لا يندمل
طارق الحلفي
الحوار المتمدن-العدد: 8839 - 2026 / 9 / 25 - 00:03
المحور:
قضايا ثقافية
قراءة في قصيدة "إعلان سياحي عن حاج عمران" لسعدي يوسف
من نقد المضمون إلى نقد اللغة
تُعدّ قصيدة "إعلان سياحي عن حاج عمران" لسعدي يوسف (1934–2021) من أنضج نصوص الرثاء السياسي في الشعر العربي المعاصر. كُتبت في أديس أبابا سنة 1983، أي في ذروة الحرب العراقية الإيرانية، وفي منفى الشاعر البعيد عن وطنه. تستقطب هذه القصيدة قراءات نقدية متعددة، يمكن ان تتناول أبعادها التاريخية والسياسية والفلسفية، الا ان مثل هذه القراءات تظل أسيرة منهج "نقد المضمون" الذي يخبرنا بما تقوله القصيدة، أكثر مما يحلل كيف تقوله. لذا احاول بهذه الدراسة ان اتجاوز هذا القصور من خلال مقاربة أسلوبية تركز على الآليات اللغوية الدقيقة التي تصنع معنى النص. الفرضية المركزية التي تحكم هذه القراءة هي أن القوة السياسية لهذه القصيدة لا تكمن في موضوعاتها: الحرب، الاحتلال، التاريخ، انما في كيفية تحويل هذه الموضوعات إلى تجربة لغوية يعيشها القارئ أثناء القراءة. لا يكتب سعدي عن التاريخ الدوري، بل يكتب بالطريقة التي تجعل التاريخ الدوري يُعاش في اللغة ذاتها. من هنا تنطلق الدراسة من أربعة محاور لغوية: (1) القوسان بوصفهما بنية نحوية للصدمة، (2) صيغة المضارع "يأتي" بوصفها آلية للزمن، (3) تداخل المستويات اللغوية الأربعة، (4) التكرار بوصفه بنية موشحية مكسورة. قبل ذلك، لا بد من تحليل عتبة العنوان بوصفها المفتاح الدلالي الأول للنص.
سخرية الإعلان في زمن الاحتلال
يفتتح سعدي يوسف نصه بمفارقة لغوية قاتلة: "إعلان سياحي": يستدعي هذا التركيب، بحكم اقترانه اللغوي المألوف، صور منتجعات خضراء وجبال ساحرة تدعو الزائر إلى الاستجمام. غير أن الهامش الذي وضعه الشاعر أسفل العنوان يفجّر هذه البراءة اللفظية دفعة واحدة: "حاج عمران" منطقة في كردستان العراق احتلتها القوات الإيرانية مؤخرًا." بهذه الجملة التوثيقية الجافة يتحول العنوان من دعوة إلى استجمام إلى سخرية سوداء قاسية. المكان الذي يُفترض أن يُعلَن عنه كمقصد سياحي هو في الحقيقة أرض محتلة، وساحة حرب ترتعش في حضرة الموت. هذه الحيلة الأسلوبية، تغليف مفردات البراءة كالإعلان والسياحة بمضامين العنف والاحتلال، تتكرر بأشكال متعددة طوال القصيدة، وتُعد من أخطر أدوات سعدي الساخرة، إذ تُترك اللغة الرسمية والإعلامية لتفضح نفسها بنفسها حين توضع في سياق مأساوي صريح.
تتسع هذه المفارقة حين يتجاوز مجال القصيدة حاج عمران إلى العراق بمدنه ومناطقه وذاكرته الحضارية بأسرها. يحدد العنوان نقطة انطلاق ضيقة، بينما يُظهر المتن اتساع الجرح، إذ تتصل القضية بمصير وطن كامل تتنازعه القوى، وتتراكم في أرضه آثار حروب متعاقبة لا تكف عن التكرار.. هكذا يؤدي العنوان وظيفة بنائية ودلالية معًا: يستدرج القارئ إلى توقع بعينه، ثم يضعه أمام تجربة تصدم ذلك التوقع، فيغدو فعل القراءة نفسه انتقالًا من صورة المكان المتخيلة إلى حقيقته المأزومة.
بنية الجرح في علامة ترقيم
أبرز الخصائص الأسلوبية لهذه القصيدة استخدام القوسين ( ). والسؤال هل هي دلالات على احتواء "مقاطع نثرية توثيقية" من اجل إحداث توترًا شعريًة؟ قد يبدو هذا صحيحًا، لكنه لا يكفي. الأهم هو وظيفة القوسين البصرية والدلالية معًا. لاحظ كيف يستخدم الشاعر القوسين في نص القصيدة: (كان المقتدرْ كلما شاغبه العامةُ أعطى جندَه الأموالَ حتى أكلوه... ( القوسان هنا يحيطان مقطع كامل، لكنهما لا يُغلقان بشكل متماثل. الجملة تنتهي بثلاث نقاط بعد إغلاق القوس، وكأن المقطع، ينزلق خارج احتوائه. هذا ليس اختيارًا عابرًا: القوسان في الكتابة الوظيفية يرمزان إلى "معلومة إضافية" أو "استطراد ثانوي". لكن الشاعر يضع بينهما العمود الفقري التاريخي للقصيدة "مقتل المقتدر، ثورة العامة، تفاصيل النهب والضرب". النتيجة: القوسان لم يعودا علامة ترقيم محايدة، بل أصبحا، قفصًا بصريًا، يحبس التاريخ داخله. المفارقة أن التاريخ، بحكم طبيعته المتفلتة، يرفض الاحتواء، فينزلق خارج القوس عبر النقاط الثلاث. هذا هو، الجرح النحوي: التاريخ لا يُغلق، والقصيدة تعرف ذلك. يتأكد هذا الاستخدام في المقطع الطويل الذي يوثق ثورة العامة في بغداد سنة 320 هـ، حيث يمتد القوس على مساحة نصية كبيرة، ثم يُغلق بصعوبة، وكأن الشاعر يحاول احتواء تاريخ من الفوضى والدم، فيفلت منه التاريخ في اللحظة الأخيرة. القوسان هنا ليسا مجرد حاوييّن، بل جسد نحوي للجرح: مفتوحان على التاريخ، عاجزان عن إغلاقه.
الفعل النحوي "يأتي" بوصفها آلية للزمن
الماضي يصبح حاضرًا في "يأتي" بصيغة المضارع. " يأتي المقدونيون تأتي قامةُ الإسكندرِ المُثلى ويأتي الروس يأتي البارازانيون يأتي الإنجليزيّ وتأتي طبقاتُ الأرض يأتي الشاه يأتي مدفعيونَ وضباطُ صواريخٍ. ويأتي جنرالٌ من وراءِ البحرِ تأتي امرأةٌ تبحثُ عن أبنائها.." لنلاحظ البنية: كل جملة تبدأ بـ ("يأتي" أو "تأتي")، ثم فاعل مختلف. هذا توازٍ نحوي صارم، وفي علم الأسلوب يُسمى "التوازي النحوي"ووظيفته هنا ليست جمالية فقط، بل، إدراكية.. التوازي يخلق وعيًا بأن كل هؤلاء الغزاة، رغم اختلاف أسمائهم وأزمنتهم، يشغلون الخانة النحوية ذاتها. الفرق بين "أتى" و"يأتي" ليس فرقًا زمنيًا فقط. "أتى" تعني: حدث وانتهى. "يأتي" تعني: حادث الآن، وأيضًا.. حادث دائمًا. وعندما يُكرَّر "يأتي"، "تأتي" في توازٍ نحوي صارم، فإن القارئ يعيش الزمن أثناء القراءة، لا فهمًا فقط. هذا هو الفرق بين الشعر والفلسفة: الفلسفة تخبرك بأن التاريخ دائري.. والشعر يجعلك تشعر بالدوران وأنت تقرأ.
ثم تأتي القائمة الحاسمة في نهاية القصيدة: " مندلي بعقوبة بغداد... في ترتيب هللينية العالم كان الطالب الإسكندر المترع من كأس أرسطو يمسح البلدان بالخيل وبالخمر ويبني مدنًا يهدمها من بعده الرهبان والضباط والبدو وكانت مندلي الدرب ... و«أنا باز» زينوفون: كانت مندلي الدرب ... وخيالة بوديوني: وكانت مندلي الدرب... لاحظ التكرار الثلاثي لعبارة "كانت مندلي الدرب". هنا لم يعد الأمر توازيًا نحويًا فحسب، بل أصبح لازمة صارمة تعيد تثبيت المكان نفسه في ثلاث حقب مختلفة: الإسكندر، زينوفون، بوديوني. المكان واحد (مندلي).. والدرب واحد.. والغزاة مختلفون. هذا هو القطع النحوي للتاريخ: الجملة نفسها تتكرر، والمحتوى التاريخي يتغير، فيتجسد الدوران في بنية اللغة ذاتها. كما ويجدر هنا الانتباه إلى أن هذا التوازي النحوي ليس محايدًا أيديولوجيًا. عندما يضع الشاعر "الإسكندر" و"زينوفون" و"بوديوني" في الخانة النحوية ذاتها، فإنه يساوي بينهم جميعًا بوصفهم غزاة: الفرسان المقدونيون والجنرال الروسي والضابط الإنجليزي كلهم "يأتون". هذا التوازي هو الفعل السياسي للقصيدة: إنه يرفض التمييز بين الغزاة، ويرفض أسطورة "الغزو التحريري" أو "الغزو الحضاري"
تداخل المستويات اللغوية.. أربع طبقات
ان " الـتوتر بين الشعري والوثائقي"، هو ثنائي مبسط. لذا يجب التمعّن في النص الذي سيكشف لنا عن أربع طبقات لغوية متمايزة:
الطبقة الأولى: اللغة التاريخية الكلاسيكية
" ففي محرم انتهبوا دار الوزير واصطبلَهُ. وفي جمادى الأولى اجتمع أهلُ الثغورِ والجبالِ إلى دارِ السلطانِ واستنفروا الناسِ ببغدادَ..." لاحظ استخدام "فـ" الاستئنافية، والبناء للمجهول، والمفردات الإدارية ("دار الوزير"، "اصطبل"، "الخراج"، "الثغور"). هذه محاكاة دقيقة لأسلوب النثر التاريخي العباسي: ابن الجوزي أو الطبري. الشاعر لا "يقتبس" من التاريخ، بل يستنسخ لغته، بما فيها من جفاف وتقريرية.
الطبقة الثانية: اللغة الصحفية السياسية
" أعادت هذه الأرض التي كانت لنا بيتًا ولو يومًا، ممرًا للغزاة؟ فريسة أخرى؟ أكان عليك أن تجدي لكِ الرجل المريض ولو بأفدح ما وهبت؟" الجملة قصيرة، استفهامية.. البنية أشبه بمقال افتتاحي.. لغة صحفية تتداخل مع الشعر لتخلق سخرية مريرة.. القضية التاريخية الكبرى تُصاغ بلغة العنوان الصحفي. ويظهر هذا أيضًا في عبارة: "اشترت بغداد قفازاتها من دار أزياء بباريس" جملة خبرية صحفية، لكنها تفضح ازدواجية النخبة.
الطبقة الثالثة: اللغة الغنائية-الحوارية
يا بلادًا بين نهرین بلادًا بين سيفين
استخدام "يا" الندبة، والتكرار، والبنية القصيرة هذه لغة الرثاء العربي الكلاسيكي.. من المراثي الجاهلية إلى رثاء المدن في الأندلس. لكنها هنا ليست نقية: إنها ملوثة بلغة الطبقات الأخرى.
الطبقة الرابعة: اللغة اليومية الساخرة
"أي العرب الأعراب في "بواتييه" كانوا السلف الصالح؟ أي العرب الأغراب في تلك القرى - النسيان كانوا الاشتراكيين؟"
"الأعراب" هنا مفردة ساخرة، والتضافر مع اسم المدينة الفرنسية "بواتييه" (موقع معركة تاريخية بين العرب والفرنجة سنة 732م) يخلق اصطدامًا لغويًا بين العامي والرسمي، بين العربي والفرنسي. وينضم إلى هذه الطبقة السخرية من "الحاج خير الله طلفاح" بوصفه "المنظر الرسمي المعتمد في بغداد"، والنصيحة الساخرة للرئيس الفرنسي ميتران بأن "يقرأ قراءة متأنية" مؤلفاته الكاملة.
المهم: هذه الطبقات ليست متجاورة، بل متصادمة. وعندما تتصادم لغة الرثاء مع لغة النشرة الإخبارية، لا يبقى الرثاء نقيًا، ولا تبقى النشرة محايدة. الاصطدام نفسه هو الفعل السياسي للقصيدة: إنه يفضح استحالة الحديث عن هذا الجرح بلغة واحدة نظيفة. إنها تعددية لغوية تعكس تعددية الأصوات في العراق نفسه، الأصوات التي تتقاطع وتتصادم وتتنازع الرواية.
التكرار: بنية موشحية مكسورة
ان وصف قراءة "يا بلادًا بين نهرين / بلادًا بين سيفين" بأنها "لازمة جنائزية". دقيق، لكنه يتجاهل في الوقت ذاته الوظيفة البنائية للتكرار. ماذا يظهر لنا تتبع مواضع هذا المقطع في القصيدة؟: - يظهر أولًا بعد مشهد الغزاة "يأتي المقدونيون..." - يظهر ثانيًا بعد مقطع "المقتدر" التاريخي - يظهر ثالثًا بصيغة موسعة: "بلادًا بين حاج عمران والبصرة / بين القتل والثورة"* - يظهر رابعًا قبل مقطع "لماذا حانة البحار" - يظهر خامسًا قبل السخرية من "ميتران" - يظهر سادسًا في مقاطع متفرقة لاحقة.. في كل مرة، يعمل هذا المقطع فاصلًا بنيويًا: يفصل بين مقطعين، ويربط بينهما في الوقت ذاته. هذا هو التقسيم الموشحي: (الذي هو شكل شعري أندلسي) يقوم على لازمة تتكرر بين الأدوار. لكن سعدي يكسره: اللازمة هنا تتغير.. "بين نهرين وسيفين" تصبح "بين حاج عمران والبصرة"، ثم "بين القتل والثورة". هذا التغيير في الثبات هو الاستعارة البنيوية للتاريخ الدوري: البنية واحدة (بلاد بين قطبين متصارعين)، لكن المحتوى يتغير (نهرين/سيفين، حاج عمران/البصرة، القتل/الثورة). الشكل نفسه يقول: الدورة ثابتة، الضحايا يتغيرون. ويتأكد هذا الوصف عند النظر في مقاطع أخرى تتكرر بنفس البنية: مندلي بعقوبة بغداد... هذه اللازمة الثلاثية تظهر عدة مرات، وتعمل كـ "إيقاع ذاكراتي" يربط المقاطع، ويؤكد أن الجرح موزع على الجغرافيا بأسرها. أسماء المدن هنا لا تُستدعى كأسماء على خريطة محايدة، بل كـ "وحدات" في خريطة الوجع التاريخي الممتد. كل اسم يفتح نافذة على طبقة من التاريخ، أو يستحضر أثرًا من آثار الصراع، أو يربط الحاضر بماضٍ لم تنقطع تداعياته بعد.
الجغرافيا ذاكرة للعنف
تتأسس جغرافيا القصيدة على حركة مستمرة بين الأمكنة: حاج عمران ومندلي وبعقوبة وبغداد والبصرة. يقول الشاعر: "بلادًا بين حاج عمران والبصرة بين القتل والثورة، بين القتل والثورة"
هنا تنتقل الجغرافيا من تحديد المسافة بين مكانين إلى تحديد المسافة بين حالتين تاريخيتين ووجوديتين. ويؤدي تكرار عبارة "بين القتل والثورة" وظيفة إيقاعية ودلالية معًا، يجعل الصراع حاضرًا في بنية القول نفسها. ان التكرار يعمل هنا بوصفه محاكاة لإلحاح تجربة يعجز الوعي عن تجاوزها، إذ تعيد عودة العبارة نفسها وضع القارئ أمام الجرح مرة بعد أخرى، وتمنع الحدث من الانغلاق داخل ماضٍ منتهٍ. وتتحول أسماء المدن إلى إيقاع ذاكراتي يربط المقاطع بعضها ببعض، ويؤكد أن الجرح موزع على الجغرافيا بأسرها لا محصور في بقعة بعينها.
دائرية الزمن ولا تاريخية العنف
يكمن الإنجاز الفكري الأعمق في رفض فكرة أن الحرب العراقية الإيرانية حدث استثنائي طارئ. فسعدي يبني قصيدته على أطروحة ضمنية: أرض ما بين النهرين محكومة بلعنة التكرار، والغزاة يتعاقبون عليها بأسماء مختلفة وجوهر واحد. مجسدًا هذا التصور بالجدول المقارن الذي يضعه في متن القصيدة: الأمين/ المأمون ابن حنبل/ المعتزلة قره قوينلو/ آق قوينلو عبد الكريم قاسم / عبد السلام عارف الأيس/ الليس* الاستخبارات الفرنسية/ البريطانية
صراعات دينية وسياسية وقبلية، قديمة وحديثة، مختلفة الأسماء، متطابقة البنية، تتقاسم استثمار الجغرافيا نفسها جيلًا بعد جيل. هذا الجدول تجسيد بصري للحتمية الدائرية: صراعات مختلفة الأسماء، متطابقة البنية. كما يضع الشاعر في مواجهة هذا الحضور المتصل سؤالًا وجوديًا موجعًا: "وهل نقدر أن نُزرق في آجرّ عشتار نبيذًا كان في أحداق جلجامش؟ بما يعنيه من تساؤل عن إمكان استعادة نقاء الأسطورة الأولى بعد كل هذا الخراب.
حين يتحول الهجاء إلى أداة معرفة
يتعدى سعدي الرثاء التاريخي إلى توجيه سهامه نحو معاصريه. يسخر من الازدواجية الطبقية للنخبة العراقية "اشترت بغداد قفازاتها من دار أزياء باريس" في مقابل جوع العامة، ويستحضر شخصية الحاج خير الله طلفاح بصفته "المنظر الرسمي المعتمد في بغداد" بلهجة تهكمية موجهة إلى الرئيس الفرنسي ميتران. وساخرًا منه باعتباره أحد "الاشتراكي" الأوروبي الذي يحتفل ويصفق للصاروخ الفرنسي "أكزوسيت" وهو يمسحه بالشمبانيا جذلًا. يبلغ الهجاء ذروته في لائحة "الحرس" الطويلة: "حرس سويسري لماري أنطوانيت الذكية وهي تحرس بيت مال المسلمين. حرس فرنسي لمكة والمدينة حرس أميركي لمن ورثوا بلاد النيل حرس سعودي لبغداد الرهينة حرس يهودي لبيروت التي استعصت على التفصيل حرس على بيتي حرس على صوتي حرس على الخلجان حرس على التيجان من «أبها» إلى «إفران» حرس على رمل الجزيرة حرس على كل المدارات التي تصل الجزيرة بالجزيرة > حرس على كل المطارات القريبة والبعيدة حرس على حبر الجريدة حرس على سجني حرس على السجان حرس على الزهرة حرس على تهويمة الخمرة حرس على الغصن حرس على وطني حرس إلهي لعبد الله، من شرق الفرات إلى بلاد النيل ماذا تبقى؟"
يخلق التكرار المتلاحق لعبارة "حرس على..." بنية إيقاعية تتسع تدريجيًا: تبدأ من البيت والصوت، ثم تمتد إلى الخلجان والتيجان والمطارات والجريدة والسجن والسجان والزهرة والغصن والوطن. ينقل هذا الاتساع الحراسة من وظيفتها الظاهرة بوصفها حماية إلى دلالة أكثر التباسًا: رمزًا للرقابة والإحاطة والسيطرة. ويبلغ المقطع ذروته في سؤال قصير مفتوح: "ماذا تبقى؟" بعد أن امتدت الحراسة إلى البيت والصوت والوطن والطبيعة، يصير السؤال عن المتبقي سؤالًا عن مساحة الحرية ذاتها. لا يقدم النص جوابًا مباشرًا، ويترك القارئ أمام نتيجة تتولد من تراكم الصور نفسه.
الرمزية العميقة.. الجسد الأنثوي والأرض الجريحة
يستدعي الشاعر صورة المرأة والأرض بوصفها بنية رمزية مركزية: "أنتِ البنتُ في تلك الجرار السومرية... أنتِ الماءُ والأسماء" الأرض هنا كائن أنثوي محمل بالخصوبة والجمال والقداسة الأولى، تستحضرها صور الجرار والخزف والجداريات، وهي في الوقت ذاته "منهكة، مدماة"، مثخنة بالجراح، مستنزفة القوى. تُنتج هذه الازدواجية بين الجمال الأصلي والإنهاك الراهن.. مفارقة مأساوية عميقة: الأرض التي وُلدت فيها الكتابة والحضارة والقانون، سومر وأوروك، هي ذاتها التي تحولت إلى ساحة قتل بالملايين. ولا يفوت الشاعر الإشارة إلى بعد نسوي خاص حين يسأل: "هل تحملها النسوة في أحشائهن؟ انتبهي يا وردة مسقية بالنهر والبحر" في نداء يحمل قلقًا على استمرار دورة الحمل والولادة والفقد نفسها، جيلًا بعد جيل، في أرض لا تكف عن ابتلاع أبنائها. ويتصل حضور المرأة والأطفال في القصيدة بهذه الصورة الأنثوية اتصالًا وثيقًا، إذ تنقل التجربة من مستوى الصراع السياسي المجرد إلى مستوى الحياة اليومية المهددة في تفاصيلها الصغيرة.. المرأة التي تبحث عن أبنائها ("تأتي امرأةٌ تبحثُ عن أبنائها")، والأطفال الذين يظهرون في سياقات الحرب والذاكرة ("ماذا يفعل الأطفال في وروك؟").
علم نفس النسيان الجمعي
من أخطر ما تطرحه القصيدة تشخيصها آلية "النسيان" بوصفها وسيلة دفاع جمعي مأساوية: "فالحربُ هنا منسيّةٌ منسيّةُ الأعوامِ والقتلى فمن يتذكر القتلى؟ ومن يتذكر الأعوام؟" يفكك هذا المقطع كيف تتحول الكارثة الجماعية، حين تطول وتتكرر، إلى رقم مجرد بلا وجه ولا اسم. الضحايا "الأسرى الذين استسلموا لله بالآلاف" يُختزلون في إحصائية باردة، والمفارز العسكرية "تقتاتُ بالمليون ممن قُتلوا" وكأن الموت الجماعي غدا غذاء روتينيًا لآلة الحرب المستمرة. هذا التبلد في الحس الجمعي هو ما يحاول الشاعر مقاومته بفعل الكتابة ذاته، إذ تصبح القصيدة وثيقة "استذكار مضادة للنسيان الرسمي"، فعلًا مقاومًا نفسيًا واجتماعيًا، يعيد للقتلى أسماءهم واحتجاجهم عبر لغة الشعر حين تعجز عن ذلك بيانات الإعلام الرسمي.
التناص والتعدد الصوتي
تستثمر القصيدة شبكة واسعة من الإحالات التاريخية والثقافية والسياسية. من أبرز مظاهر هذا التعدد إدراج مقطع منسوب إلى الشاعر الجنوب أفريقي دنيس بروتوس:
"لا أبطال لنا ولا حروب/ لنا، فقط، ضحايا حالة مقرفة/ يموتون بالقروح/ التي تتفتح تحت أمطار الحقد القاسية/ لا معارك لنا ولا أيام/ كي يسجلها التاريخ في ملحوظة بائخة..." لا يأتي هذا الإدراج من باب الإطالة، بل يوسع أفق القصيدة، ويربط مأساة حاج عمران بمآسي الشعوب المقهورة في كل مكان، فيمنح النص بعدًا أمميًا إنسانيًا يتعدى حدوده القطرية الضيقة. ان تتعدد الأصوات داخل القصيدة عبر النداء والاستفهام والاقتباس واستحضار الخطابات السياسية والعسكرية المتضاربة، يدفع النص الى الابتعاد عن الاعتماد في تشكله من صوت غنائي واحد مستقر، بل يتوزع بين أصوات عدة: صوت يستعيد المكان، وصوت يحتج على السلطة، وأصوات تاريخية وثقافية تستدعيها الذاكرة، وأصوات ضحايا تظهر في هيئة جماعية تارة وعبر صور فردية تارة أخرى. يُنتج هذا التعدد بنية أقرب إلى اللوحة المركبة، تتجاور فيها الشهادة الحية والاحتجاج والتذكر والمساءلة.
المقطع الختامي.. الكأس الباقية والرحلة المفتوحة
يستعيد المقطع الختامي حاج عمران بوصفه مكانًا للذاكرة والتجربة، ويعود إلى صورة الكأس المتصلة بالسقاة وتبدلهم، بينما تبقى هي حاضرة في دورة تتكرر فصولها بلا انقطاع:
"غير أن الكأس باقية. سيختلفُ السقاة، وربما اقتتلوا. سيمضي واحد، ويجيء آخر... ثم آخر، غير أن الكأس باقية."
تختزل هذه العبارة مفارقة الاستمرار والتبدل: يتغير الأشخاص ويتعاقب السقاة، بينما تظل البنية التي تنتج المأساة قائمة على حالها. تكتسب الكأس دلالتها من سياقها المتصل بالانتظار والاقتتال وتبدل القوى، فتغدو صورة مكثفة لاستمرار الدورة التي تحاصر الإنسان جيلًا بعد جيل. ثم يتجه النص إلى احتمالات الخلاص: " فلنرتفع في الروح عن يومنا المذبوح ولنعترف مرة بالدورة المرة ولتبدأ الرحلة من عتمة الليلة!"
تستمد هذه الخاتمة قوتها من التوتر بين "اليوم المذبوح" و"الارتفاع في الروح"، وبين الاعتراف بالدورة المرة والدعوة إلى بدء الرحلة. لا يُقدَّم الخروج من الأزمة بوصفه انتصارًا محققًا، بل يُطرح بوصفه ضرورة تستدعي الاعتراف بحقيقة الواقع أولًا، ثم محاولة تجاوزه لاحقًا. تظل "عتمة الليلة" نقطة البداية الجديدة، بما تحمله من غموض ومشقة، وتفتح في الوقت نفسه أفق الحركة، فتنتهي القصيدة على عتبة انتقال لا على يقين نهائي.
لماذا يستحق هذا النص أن يُقرأ اليوم
قد يتصور القارئ أن نصًا كُتب سنة 1983 عن حرب بعينها استهلكه الزمن، غير أن عبقرية سعدي يوسف تكمن في كونه لم يكتب عن حرب واحدة، وإنما كتب عن "نمط الحرب" ذاته، عن كيفية تحول الأوطان الغنية بتاريخها إلى ساحات لتصفية حسابات الآخرين، وعن كيفية دفع الفقراء ثمن قرارات النخب، وعن تواطؤ القوى الكبرى، شرقًا وغربًا، على استثمار جراح الشعوب المفتوحة.
ان القيمة التربوية للنص تكمن في أفقها الذي يمنح القارئ أداة لفهم الحاضر عبر طبقاته التاريخية المتراكمة، ويوسع أفق مأساة حاج عمران من الخاص العراقي إلى العام الإنساني، حين يربطها بمآسي الشعوب المقهورة في كل مكان. ويحرضه على عدم النسيان!
موسوعية سعدي يوسف ولغته الشعرية
النص يمثل نموذجًا لما يمكن أن يُسمى "موسوعية سعدي يوسف الشعرية": أي قدرته على الجمع، في نص واحد، بين الأسطورة السومرية والتاريخ العباسي والجغرافيا السياسية المعاصرة والنقد الأدبي الذاتي والإحالة إلى شعراء عالميين معاصرين كدنيس بروتوس، من دون أن تتفكك وحدة النص أو ينهار الإيقاع الذي بُنيت عليه القصيدة. هذه السعة المعرفية لا تتحول عند سعدي إلى تقعر أو استعراض ثقافي فارغ، لأنها تظل مشدودة دائمًا إلى لغته الشعرية المميزة، وعلى المستوى المعجمي، الذي يجمع في القصيدة بين جزالة المفردة الفصيحة العريقة (الأحقاد، الدرابزين، المقصورة) وسلاسة الجملة اليومية شبه النثرية. وعلى مستوى الصورة، التي تتجاور غنائية الصورة الرومانسية القديمة (الوردة، النهر، الأغصان) وقسوة المفردة الحربية الحديثة (الرشاش، الصاروخ، المدارات). ان هذا المزج يمنح "قصيدة اليومي" عند سعدي يوسف قدرتها على الاقتراب من القارئ العادي من دون أن تفرط بعمق الرؤية الفكرية. وعلى المستوى الإيقاعي، يعمل التكرار بوصفه بديلًا عن الوزن التقليدي، فيمنح النص نبضًا داخليًا يشبه اللازمة الموسيقية. كما أن توظيف الجملة الاعتراضية بين قوسين يخلق إيقاعًا متقطعًا يحاكي تقطع الذاكرة ووقفات التأمل أمام الكارثة.
تقييم نقدي
تتجلى أبرز خصائص هذه القصيدة في قدرتها على وصل مستويات متباعدة من التجربة داخل بناء شعري واحد: تجمع التاريخ بالجغرافيا، والذاكرة بالحاضر، والصورة الشعرية بالتفاصيل السياسية والعسكرية. كما تبرز فاعلية التكرار بوصفه عنصرًا بنائيًا يربط المقاطع ويمنحها إيقاعًا احتجاجيًا متصاعدًا، كما يوسع استدعاء أسماء المدن والحضارات والشخصيات أفق القصيدة. كذلك تمنح المقاطع التي تستحضر الضحايا والحراسة والتعذيب التجربة بعدها الإنساني والسياسي الكامل، فيما يتيح المقطع الختامي الانتقال من الاحتجاج إلى أفق الرجاء، من دون إلغاء ثقل المأساة المتراكمة. غير أن كثافة الأسماء التاريخية والجغرافية والسياسية تجعل بعض المقاطع شديدة الاتكاء على معرفة القارئ بالسياقات التي تستدعيها، وتقتضي الانتقالات السريعة بين الأزمنة والأمكنة والخطابات قراءة متأنية لتتبع العلاقات التي تصل أجزاء النص بعضها ببعض، كما تنتمي هذه السمات إلى طبيعة المشروع الشعري نفسه، الذي يختار التعدد والتراكم وسيلة لتمثيل واقع مشظى، لا إلى قصور في البناء.
حين تصبح اللغة مسرحًا للتاريخ
حاولت في هذه القراءة كشف أن القوة الحقيقية لقصيدة "إعلان سياحي عن حاج عمران" ليست في موضوعاتها: الحرب، الاحتلال، التاريخ بل في كيفية تحويل هذه الموضوعات إلى تجربة لغوية. سعدي لا يكتب عن التاريخ الدوري، بل يكتب بالطريقة التي تجعل التاريخ الدوري يُعاش في اللغة ذاتها. والقوس الذي لا يُغلق، والفعل الذي لا يمضي، واللازمة التي تتغير، والمستويات اللغوية التي تتصادم.. هذه ليست زخارف، انها آلات دقيقة لتصنيع الوعي التاريخي. وهنا تكمن راهنية النص: في زمن تتكرر فيه الحروب على الأرض ذاتها، اننا لا نحتاج إلى من يخبرنا بأن التاريخ يعيد نفسه. نحن نحتاج إلى من يجعلنا نسمع إعادة الدوران في نبرة الجملة، ونرى الجرح في انحراف القوس، ونلمس الزمن في تكرار الفعل "يأتي" ثم ان "حاج عمران" لا تبقى موضعًا جغرافيًا معزولًا في هذا النص، بل تتحول إلى نقطة تتقاطع عندها مسارات العراق التاريخية والسياسية والإنسانية كلها. وتتجلى الرؤية المركزية للنص في صورة البلاد الواقعة بين النهرين والسيفين، صورة تجمع إرث الحياة والحضارة إلى واقع الاقتتال، وتعري التوتر بين ما تمنحه الأرض من إمكانات وما تتعرض له من عنف متجدد. فمن خلال استعادة المدن والضحايا والأصوات، تقاوم القصيدة اختزال المكان إلى ساحة عسكرية أو خبر عابر، وتعيد إليه كثافته الإنسانية والتاريخية كاملة، كما تتجاوز القصيدة بهذا حدود الإعلان الذي يوحي به عنوانها، لتقدم قراءة شعرية لأرض تتنازعها القوى، وذاكرة تقاوم المحو، وإنسان يبحث عن موضع آمن في تاريخ لم يكف عن امتحانه. وتبقى الرحلة التي تدعو إليها في ختامها مفتوحة، معلقة بين عتمة الواقع وإمكان الارتفاع في الروح. **
............... ملاحظة توثيقية اعتمدت في القراءة هذه على نص قصيدة "إعلان سياحي عن حاج عمران" لسعدي، كما وردت في الأعمال الشعرية الكاملة للشاعر، الجزء الثاني، الصفحات من 299 إلى 312/ والقصيدة مرفقة ادناهَ!
***
القصيدة
إعلان سياحي عن "حاج عمران"*
للشاعر سعدي يوسف
مَقدونيون في منعطف النسيم أو خيّالةٌ روسٌ يجرّون بغالًا أو رعاةُ الماعزِ الماكرِ يمضون برشاشاتهم والجبنةِ البيضاء... هل أشعلَها عبدُ السلام البارازاني كما يشعلُ عودَ التبغ؟ لا تتركُ راوندوزُ إلا حسرةً مدبوغةً بالجوز في الكفّينِ أيُّ الشجراتِ استنطقتْ للنقشبنديين نجمَ القطبِ؟
يأتي المقدونيون تأتي قامةُ الإسكندرِ المُثلى ويأتي الروس
يأتي البارازانيون يأتي الإنجليزيّ وتأتي طبقاتُ الأرض يأتي الشاه يأتي مدفعيونَ وضباطُ صواريخٍ. ويأتي جنرالٌ من وراءِ البحرِ تأتي امرأةٌ تبحثُ عن أبنائها .... (في هذه الزاويةِ - التيه من العالم صارت سُفنُ العالم أحجارًا، وفي الزاوية - التيهِ أقامَ المجلس القوميُّ للأحقاد بستانًا من الأحجارِ والبارودِ. برقٌ من وراءِ النهرِ. وردٌ من بخاري. سبحةٌ من «قم». وجهٌ أرمني.ٌّ هدأتْ أمواجُ «فانَ». ارتجف الناقوسُ في الهدأةِ. سريانٌ. يزيديون. عنفٌ تركمانيٌّ. وفلاحون من آشورَ. ما أحلى نبيذَ القريةِ. الأنصارُ في كهفٍ. وبوب دينار في الميراج ۲۰۰. (
يا بلادًا بين نهرین بلادًا بين سيفين بلادًا لم تكد تُعلنُ عن خارطةِ للضوءِ حتى انطفأتْ مئذنةُ القادمِ من سومرَ أو سورِ «الرَّها» ... أيةُ هللينيةٍ بيضاءَ - سمراءَ أقامت مشغلًا للخمرِ والفخارِ؟ من أولِ حاجِّ عمرانَ حتى أولِ البحرِ أقامت مدنًا ... حين مات الإسكندر كانت ثلاثمائة بلدةٍ ومدينة في بلاد ما بين النهرين تحمل اسمَه). ) يا بلادًا بين نهرین بلادًا بين سيفين بلادًا مُرّةً، تافهة الحكّامِ... (كان المقتدرْ كلما شاغبه العامةُ أعطى جندَه الأموالَ حتى أكلوه) ... ـ في سنة ٣٢٠ هـ قُتل المقتدرُ، إذ اشتدتْ ثورةُ العامة في بغدادَ. ففي محرم انتهبوا دار الوزير واصطبلَهُ. وفي جمادى الأولى اجتمع أهلُ الثغورِ والجبالِ إلى دارِ السلطانِ واستنفروا الناسِ ببغدادَ، وذكروا ما ينالُهم من الدَيلمِ والرومِ، وأن الخَراجَ إنما يؤخذُ منهم ومن غيرِهم ليُصانَ به عامةُ الناس ويُدفعَ عدوهُم عنهم، فثارَ الناسُ معهم، وساروا إلى الجامعِ بمدينةِ المنصورِ، وكسروا درابزينَ المقصورةِ وأعوادَ المنبرِ، ومنعوا الخطبةِ وضربوا الخطيبِ لأنه يدعو لرجلٍ لا ينظرُ في أمورِ المسلمينَ قد اشتغلَ بالغناءِ والزنا عن النظرِ في أمورِ الحرمينِ والثغورِ. وفي جمادى الآخرة سوَّدَ الهاشميونَ وجوهَهُم، وانتشروا في الطرقِ يطالبونِ بأرزاقهم، وصاحوا: الجوعَ الجوعَ. واشتدَّ تهيجُ العامةِ، وحملوا أصنافَ الحديدِ - يا بلاداً بين نهرین بلاداً بين سيفين ارتعى أعشابك الفجة أطفال «نصيبين». ونامت وردة الكلدان في قداسها المنسي ... هل تحملها النسوة في أحشائهن؟ انتبهي يا وردة مسقية بالنهر والبحر. أردنا مرةً أن نصبح التاريخ. لكنا انتظرنا ... ثم مر الصبح والتاريخ. مر الروم والديلم. بيزنطة أو مكة، والحلاج والحجاج من يوقظ في هذي السباخ الوردة الأولى؟ وهل نقدر أن نزرق في اجر عشتار نبيذا كان في احداق جلجامش؟ آه يا بلاداً بين نهرین بلاداً بين سيفين بلاداً كلما استنفرت الأسلاف دقت طبلة الأجلاف .... قوميون لم يستنطقوا التاريخ إلا في قطار الموت. بعثيون في بحبوحة التعذيب يقتاتون بالمليون ممن قتلوا ) كان الشيوعيون معصوبين مشدودين كالموتى، وإذ تصحو مع الفجر المريض مفارز الإعدام تشتد الأغاني. يا دماً في بابل: ما الفرق بين مفارز الأعوام والإعدام؟ لو كانت يدي كالجذر لاستوقفت ثيراني مجنحة، لأوقفت الغزاة مسمرين بسحر الهتي وأبنائي على أسوار أوروك...) ولكن، يا بلاداً بين نهرین بلاداً بين سيفين بلاداً بين حاج عمران والبصرة بين القتل والثورة بين القتل والثورة كانت ساعة التوقيت أمضى منكِ ... أمضى من رضا ساعاتك المائية. استسلمت للبدو الألى جاؤوا من الأطراف، من تلك القرى الملقاة بالحرف الكبير على خرائط عسكريي العالم القاسي. العواصم عبر بحر الروم كانت تحكم الساعات، والأجلاف يندفعون من تلك القرى المتوحشات إليكِ أنتِ البنت في تلك الجرار السومرية. أنتِ أنتِ النبتة الخزف الجميلة في الجداريات. أنتِ الماء والأسماء ... لكن العواصم أحكمت توقيتها ... وأتى البداة وأنت منهكة مدماة بلاد بين نهرین بلاد بين سيفين : لماذا حانة البحار. خيل الموصل. ديانا. وحفريات آشور. ملوك «الحضر». السريان. شقلاوة باب الشيخ. شلالات بيخال. سماء المنتهى الزقورة. البردي في الأهوار. فهد. والعشائر. واللينينيون والطيار في الميغ. وأهل الكوفة. المنفي في «السلمان». والجندي في مقهى بسامراء. والعمال في الميناء -أمسوا كلهم في غابة للوحش؟ ماذا يفعل الأطفال في «أوروك»؟ ماذا يرتجي الكاهن؟ والعراف؟ والأسرى الذين استسلموا لله بالآلاف؟ والقتلى؟ أيأتون بلاداً بين نهرين بلاداً بين سيفين؟ اقتنت أحجار كردستان ميكانزم تدمير الربيئة لم تكن فيتنام بالجغرافيا. في سواره توكه كانت العربات وهي تحمل هاونات الفرقة العشرين تجهش كالبغال. يقول جندي احتياط: لستُ أدري كيف لا يتمرد العرفاء؟ أمس استسلمت إحدى السرايا تحت جنح الليل. اخرس أيها الجندي. واخرس أيها النخل الممزق بين خرمشهر والأهواز. صوتي عمة فقدت بنيها. طفلة تختص في المنفى. وكردستان تنأى في مضائقها، وتسألنا ديانا عن ديانا . . . ... يا بلاداً بين نهرین بلاداً بين سيفين اشترت بغداد قفازاتها من دار أزياء بباريس. ترى هل كان جاك شيراك %10% Monsieur؟ وهذا الاشتراكي الذي يمسح بالشمبانيا صاروخ أكزوسيت؟ أي العرب الأعراب في "بواتييه" كانوا السلف الصالح؟ أي العرب الأغراب في تلك القرى - النسيان كانوا الاشتراكيين؟ ) إني أنصح السيد فرانسوا ميتران رئيس الجمهورية الفرنسية بأن يقرأ قراءة متأنية - ولا بأس بأن يساعده ريجيس دوبريه - المؤلفات الكاملة للحاج خير الله طلفاح، المنظر الرسمي المعتمد في بغداد.) يا بلاداً بين نهرین بلاداً بين سيفين أعادت هذه الأرض التي كانت لنا بيتاً ولو يوماً، ممراً للغزاة؟ فريسة أخرى؟ أكان عليك أن تجدي لكِ الرجل المريض ولو بأفدح ما وهبت؟ عليك يا أرضي السلام عليك، يا أرض، السلام ... * "لا أبطال لنا ولا حروب/ لنا، فقط، ضحايا حالة مقرفة/ يموتون بالقروح/ التي تتفتح تحت أمطار الحقد القاسية/ لا معارك لنا ولا أيام/ كي يسجلها التاريخ في ملحوظة بائخة/ لنا، فقط أسرى يُقتلون في ليال عمياء/ وحوادث موت في الظلام/ ولكن حين تقترب الساعة/ وننادي أولئك الذين ماتوا في سبيل أرضنا/ فإن هؤلاء الذين هم بلا أسماء/ ولا أسلحة/ سيقفون مع المقاتلين الذين يحققون الظفر الأخير". دنیس بروتوس شاعر من جنوب أفريقيا * مندلي بعقوبة بغداد. ... في ترتيب هللينية العالم كان الطالب الإسكندر المترع من كأس أرسطو يمسح البلدان بالخيل وبالخمر ويبني مدناً يهدمها من بعده الرهبان والضباط والبدو وكانت مندلي الدرب ... و «أنا باز» زينوفون: كانت مندلي الدرب ... وخيالة بوديوني: وكانت مندلي الدرب...
قره قوینلو آق قوینلو عبد الكريم قاسم عبد السلام عارف الأيس الليس
الأمين المأمون ابن حنبل المعتزلي الاستخبارات الفرنسية الاستخبارات البريطانية
فرس وأتراك. وأتراك وأتراك. مماليك وأجناد بويهيون. أعراب لهذا أو لهذا. سُنَّةٌ. صابئة. شيعة آل البيت. عيارون. كلدان. نساطرة. ملاحدة. بهائيون. عُبّاد شموس. وحروريون . . . والإسكندر المترع من كأس أرسطو جاءنا من مندلي يوماً وخيالة بوديوني و" أنا باز» زينوفون. * هولاكو أتى أيضاً .... مندلي بعقوبة بغداد. * قد يعترض الضباط في الأركان. فالطائرة السمتية، الروسية الآن، تغطي حاج عمران، وبشت آشان ... تغطي مندلي. تبلغ مهران. وهذي الحرب ليست كحروب الزمن الغابر فالحرب هنا منسية منسية الأعوام والقتلى فمن يتذكر القتلى؟ ومن يتذكر الأعوام؟
والضباط في الأركان: نحن هنا نحارب في بلاد لم تكن يوماً لنا. بيرمام أم تركيت؟ فليحترق شجر الأخامص وليحترق ماء المسيل تكريت باقية وبغداد السبيل. * مندلي بعقوبة بغداد... والأوراق تدخل في مهازلها وبغداد القتيل هي القتيل * حرس سويسري لماري أنطوانيت الذكية وهي تحرس بيت مال المسلمين. حرس فرنسي لمكة والمدينة حرس أميركي لمن ورثوا بلاد النيل حرس سعودي لبغداد الرهينة حرس يهودي لبيروت التي استعصت على التفصيل حرس على بيتي حرس على صوتي حرس على الخلجان حرس على التيجان من «أبها» إلى «إفران» حرس على رمل الجزيرة حرس على كل المدارات التي تصل الجزيرة بالجزيرة حرس على كل المطارات القريبة والبعيدة حرس على حبر الجريدة حرس على سجني حرس على السجان حرس على الزهرة حرس على تهويمة الخمرة حرس على الغصن حرس على وطني حرس إلهي لعبد الله، من شرق الفرات إلى بلاد النيل ماذا تبقى؟ * ربما في «حاج عمران سألنا بعضنا عن كأسنا، هذي الذي نحن
مبتدئين كم كان المغني خافتا يتطاول البردي ... والرشاش منكفئ، وتلتز الصخور ولا بنادق. نحن سلمنا لحانا (مجد آشور) إلى من ليس يعرف كيف ينتفُها. وعلّمناه. علمناه كيف يكون سيافاً. وقلنا للصديق الكذبة السوداء. نحن الآن ننتظر انتهاء حماقة الكأس العجيبة. ربما في «حاج عمران عرفنا أن هذي الكأس باقية. سيختلفُ السقاة، وربما اقتتلوا. سيمضي واحد، ويجيء آخر ... ثم آخر، غير أن الكأس باقية. ومن يدري؟ لعل قيامة أخرى ستعتقنا من التسآل. من يدري؟ لعل تعادلاً من دوننا) يقضي بإيقاف الوباء . . . ونحن؟ متقدون بالأسلاف نحن، مهيأون لوردة في الروح، كشافون مكشوفون، جوابو معابر. ... غير أن الأرض أفدح أن عبء النيزك المنقض أفدح، أن كل رصاصنا في هذه الأيام أضأل من رصاصة بندقيتنا القديمة. فلنرتفع في الروح عن يومنا المذبوح ولنعترف مرة بالدورة المرة ولتبدأ الرحلة من عتمة الليلة!
أديس أبابا، ۱۹/۸/۱۹۸۳
....................... * «حاج عمران» منطقة في كردستان العراق احتلتها القوات الإيرانية مؤخراً.
#طارق_الحلفي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
قبل أن يذبل القلب/ رواية جديدة للروائية سعاد الراعي
-
حين يُزهر الصمت كرزًا
-
حين تتحول الحشرة إلى استعارة كبرى لاغتيال المكان والذاكرة
-
صَيفُ الطفولةِ
-
جَمعَه
-
حكايات الطريق-... حين تتحوّل السيرة الذاتية إلى شهادة على زم
...
-
قراءة نقديّة وتحليل بنيوي لقصة -كشك الحكاية- للأديبة سعاد ال
...
-
مطالعة تعريفية لكتاب: المستوطنات والثقافات الأولى من بلاد ال
...
-
في قبضةِ الشاشة
-
قراءة في -النخلة العمة وأبناؤها الأشقياء
-
الراية القتلى
-
الحمولة الذاتية والصدق الوجداني
-
حين يغدو التعليم مختبراً للوعي الإنساني
-
رواية -الحرز- لسعاد الراعي
-
عتبات الفقد وأنطولوجيا النسيان
-
- الانسان الذي سبق الثورة ـ الجوانب الإنسانية في سيرة سلام ع
...
-
قصيدة -كوبنهاجن-
-
الانسان الذي سبق الثورة
-
اقنعة المكائد
-
تقديم مطالعة لرواية بين غربتين للروائية الاديبة سعاد الراعي
...
المزيد.....
-
مراسلة CNN تصف شعورها لحظة استعادتها حق الدخول إلى البيت الأ
...
-
للدفعة الخامسة.. اختبارات الأكاديمية العسكرية تحرم طلاب مصر
...
-
ترامب يشيد بـ-صداقته العظيمة- مع شي.. والرئيس الصيني: علينا
...
-
-أريد إحداث تغيير-.. آيزنكوت يطرح رؤيته لإسرائيل وأولويات حك
...
-
التحالف بقيادة السعودية يعلن اعتراض صواريخ باليستية من اليمن
...
-
الدفاع الروسية: السيطرة على دوبروبوليه ستعجّل تحرير جمهورية
...
-
ترامب يشيد بشي وزوجته ويكشف محور مباحثاتهما
-
العليمي يؤكد قدرة الجيش على تحرير كامل الأراضي اليمنية
-
أوكراني يقتل كاهنا ويهاجم مصلين داخل دير في بولندا
-
السجن 16 عاما لسمساري أسلحة بريطاني ويوناني بتهمة عقد صفقات
...
المزيد.....
-
ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري
/ حكمت الحاج
-
الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي
/ كريم الوائلي
-
تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة
/ كريم الوائلي
-
التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت
...
/ كريم الوائلي
-
أزمة التعليم في العرا ق
/ كريم الوائلي
-
منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث
/ كريم الوائلي
-
حرير فراشة الحكايات
/ ميرفت الخزاعي
-
الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين
/ فؤاد عايش
المزيد.....
|