أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - طارق الحلفي - حين تتحول الحشرة إلى استعارة كبرى لاغتيال المكان والذاكرة














المزيد.....

حين تتحول الحشرة إلى استعارة كبرى لاغتيال المكان والذاكرة


طارق الحلفي

الحوار المتمدن-العدد: 8770 - 2026 / 7 / 18 - 16:47
المحور: قضايا ثقافية
    


مطالعة تعريفية:
صدرت الطبعة الأولى من رواية "الخنافس" للأديبة سعاد الراعي

تدخلنا الرواية إلى عالمها السردي من بوابة صادمة.. إذ لا تجعل من زحف الخنافس مجرد حادثة غرائبية تستثير الدهشة، وإنما تؤسسه منذ الصفحات الأولى بوصفه رمزًا كثيفًا لعدوانٍ منظم يستهدف المكان والإنسان معًا.
ومنذ هذا المدخل، يتضح أن الرواية لا تنتمي إلى أدب الرعب أو الفانتازيا بقدر انتمائها إلى الرواية الرمزية الواقعية، التي تستعير الحشرة لتكشف آليات أكثر خطورة من الاحتلال المباشر، تتمثل في تفكيك المجتمع من داخله، وتلويث براءته، واقتلاع جذوره التاريخية.
تنجح الكاتبة في بناء استعارة مركزية متماسكة. فالخنافس ليست كائنات طبيعية خرجت من جوف الأرض، بل هي نتاج فعلٍ بشري خفي، تُزرع عمدًا في البيئة المحلية بواسطة أيادٍ مجهولة تستغل الأطفال، وتغريهم بالحلوى والمال كي يتحولوا، دون وعي، إلى أدوات لإنتاج الكارثة.
تبلغ الرمزية ذروتها.. إذ يصبح الخطر الحقيقي ليس الحشرة، وإنما قابلية البراءة للاستغلال، وتحويل الضحية إلى وسيط في صناعة الخراب. وبهذا تتجاوز الرواية بعدها الحكائي لتقدم قراءة عميقة لآليات الاختراق الاجتماعي والثقافي التي تبدأ من استهداف الأجيال الجديدة.
ولا تلبث الرواية أن تكشف عن مقصدها الواقعي، حين يتبين أن الغزو الحيوي ليس سوى مقدمة لتهجير السكان والاستيلاء على الأرض. عند هذه النقطة تتداخل الرمزية بالواقعية في نسيج واحد؛ فالبيت لم يعد بناءً ماديًا، بل صار وعاءً للذاكرة، ومستودعًا للعلاقات الإنسانية، وسجلًا حيًا لتاريخ العائلات.. ومن ثم فإن الدفاع عن البيوت يتحول إلى دفاع عن الهوية، وعن حق الإنسان في البقاء داخل المكان الذي صاغ وجدانه عبر الزمن.
وتمنح الرواية هذا المعنى بعدًا إنسانيًا واسعًا من خلال شخصياتها، التي لا تؤدي وظيفة درامية فحسب، بل تمثل منظومة من القيم الأخلاقية والاجتماعية. فالعم أبو عواد يجسد الذاكرة الجمعية والوفاء للأرض، والشيخ حسين يمثل الضمير الثقافي المقاوم الذي يدرك أن الكلمة الحرة لا تقل أثرًا عن الفعل، بينما يجسد صلاح قيمة البر والوفاء الأسري، وتتحول جدعة الخبازة إلى أيقونة للصمود اليومي، حيث يصبح الخبز نفسه رمزًا لاستمرار الحياة في وجه محاولات الإخضاع. أما الطفلة ياسمين فتقف في قلب الرواية بوصفها رمز المستقبل.. فهي الضحية الأولى لمحاولة تدجين البراءة، لكنها في الوقت نفسه تمثل إمكانية الخلاص حين تُستعاد الحقيقة قبل فوات الأوان.
أبرز مواطن القوة في الرواية قدرتها على تحويل التفاصيل اليومية إلى علامات رمزية نابضة بالدلالة. فشجرة الزيتون، والياسمين، ورائحة القهوة، والخبز الساخن، والساحة، والأزقة القديمة، جميعها لا تؤدي دورًا وصفيًا عابرًا، وإنما تتآزر لتكوين فضاء روحي يواجه السواد الزاحف. لذلك تبدو الأشياء البسيطة أكثر قدرة على المقاومة من أدوات القوة المادية، لأن الرواية تؤكد أن المجتمعات لا تُهزم ما دامت قادرة على حماية ذاكرتها الجماعية وشبكة علاقاتها الإنسانية.
وعلى المستوى الفني، يميل الأسلوب إلى لغة شعرية مشبعة بالاستعارات والصور البلاغية، حتى يكاد السرد يتحول أحيانًا إلى نشيد طويل للمكان. ورغم أن هذه الكثافة اللغوية تمنح النص نبرة جمالية عالية، فإنها لا تنفصل عن وظيفتها الدلالية، إذ تجعل المكان كائنًا حيًا يتنفس ويقاوم، وتمنح الشخصيات بعدًا ملحميًا ينسجم مع طبيعة الصراع الذي تخوضه.
رواية " الخنافس " تتجاوز حكاية غزو الحشرات إلى مساءلة مصير المجتمعات حين تتعرض لمحاولات الاقتلاع الممنهج. إنها رواية عن الذاكرة قبل أن تكون عن المكان، وعن الإنسان قبل أن تكون عن الأرض، وعن مقاومة تبدأ من التمسك بالقيم الصغيرة التي تصنع المعنى الكبير. ومن خلال هذا البناء الرمزي المحكم، تنجح الكاتبة في تقديم نص يقرأ الواقع بعيون الأدب، ويمنح القارئ تجربة تتجاوز المتعة السردية إلى التأمل في أسئلة الهوية والانتماء والمصير.
* تقع الرواية في 132 صفحة من القطع المتوسط؛
* قدم للمجموعة الباحث والكاتب صباح كنجي؛
* صمم غلاف الرواية ونسقها واخرجها طارق الحلفي؛
* تمت طباعة المجموعة في مطبعة نحن نطبع " باكنانغ "/ المانيا.
**



#طارق_الحلفي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- صَيفُ الطفولةِ
- جَمعَه
- حكايات الطريق-... حين تتحوّل السيرة الذاتية إلى شهادة على زم ...
- قراءة نقديّة وتحليل بنيوي لقصة -كشك الحكاية- للأديبة سعاد ال ...
- مطالعة تعريفية لكتاب: المستوطنات والثقافات الأولى من بلاد ال ...
- في قبضةِ الشاشة
- قراءة في -النخلة العمة وأبناؤها الأشقياء
- الراية القتلى
- الحمولة الذاتية والصدق الوجداني
- حين يغدو التعليم مختبراً للوعي الإنساني
- رواية -الحرز- لسعاد الراعي
- عتبات الفقد وأنطولوجيا النسيان
- - الانسان الذي سبق الثورة ـ الجوانب الإنسانية في سيرة سلام ع ...
- قصيدة -كوبنهاجن-
- الانسان الذي سبق الثورة
- اقنعة المكائد
- تقديم مطالعة لرواية بين غربتين للروائية الاديبة سعاد الراعي ...
- صراع الذكاء
- -حين تكون القصيدة مفتوحة كأفق وملمومة كقطرة ماء- (2)
- قصائد رقمية


المزيد.....




- كيف يغيّر الطقس شديد الحرارة خريطة السفر في آسيا
- هدد دول الخليج.. الحرس الثوري يستشهد بجملة قرآنية في تحذيره ...
- البيت الأبيض يحسم الجدل: لا خلاف بين ترامب وفانس بشأن إيران ...
- هذه فرصتنا الأخيرة لهزيمة اليمين الصاعد في بريطانيا – في الغ ...
- تحذير من هجمات محتملة في ألمانيا.. هل تتحول الاستخبارات إلى ...
- افتتاح محطة -سومبا- للمياه الجوفية بجامعة جوبا بمنحة مصرية
- سوريا.. الدفاع المدني يواصل البحث عن 4 مفقودين في نهري البلي ...
- إسرائيل تخصص مرابض جديدة لطائرات التزود بالوقود الأمريكية بع ...
- واشنطن تعلن تطبيق عقوبات جديدة على السودان
- صدمة في أوساط المصريين بالسعودية إثر وفاة 6 شباب داخل سكنهم ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - طارق الحلفي - حين تتحول الحشرة إلى استعارة كبرى لاغتيال المكان والذاكرة