أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مقداد مسعود - الشاعر السياب.. من خلال الروائي مهدي عيسى الصقر















المزيد.....


الشاعر السياب.. من خلال الروائي مهدي عيسى الصقر


مقداد مسعود

الحوار المتمدن-العدد: 8838 - 2026 / 9 / 24 - 20:47
المحور: الادب والفن
    


(أشواق طائر الليل) رواية مهدي عيسى الصقر
ثنائيات السرد
صدرت رواية (أشواق طائر الليل) عن دار الشؤون الثقافية العامة في 1995، اشتريتُ نسخة ً في بداية 1996 من المكتبة الأهلية في البصرة ودار حديثنا الأستاذ غازي فيصل حمود وأنا، حول الرواية ومؤلفها فأستاذ غازي قارئ متابع وليس فقط بائع كتب وصحف ومجلات. والمكتبة الأهلية لها تاريخ عريق وهي معلم من المعالم الثقافية في البصرة انبثقت في 1928 بجهود الحاج فيصل حمود (طيّب الله ثراه) ثم عدت للرواية في 2022 وقد استعرتها من الصديق زهير إسماعيل المتواجد أغلب الأحيان في المكتبة الأهلية. والآن في أيلول 2026 قراءتي الثالثة واستعارتي الثانية من صديقي زهير إسماعيل.
(*)
الرواية الأولى لمهدي عيسى الصقر هي (الشاهدة والزنجي) صدرت عن دار الشؤون الثقافية في 1988 وهي جاءت بعد مجموعات قصصية للقاص(مجرمون طيبون 1954. غضب المدينة 1960. حيرة سيدة عجوز 1986. الطبعة الثانية لرواية(الشاهدة والزنجي) صدرت عن المكتبة الأهلية في البصرة وصدر المطبوع في بيروت 2019 بطبعة أنيقة وأجمل من الطبعة الأولى. كما صدرت الطبعة الثانية من (وجع الكتابة) عند دار المكتبة الأهلية بمقدمة بقلم القاص والكاتب محمد خضير في 2024.وروايته ُ الثانية (رياح شرقية رياح غربية) انتهى من كتباتها الأخيرة في 1989 ولم تنشر إلا في 1998 في القاهرة (ساهمت مشكورة في طبع الرواية الكاتبة السيدة ماجدة حسين من مصر) النسخة المهداة لي وصلتني من خلال أستاذنا محمود عبد الوهاب. وجاء في الإهداء (الأخ العزيز مقداد مسعود مع التقدير... مهدي الصقر تشرين الأول 2002)
الرواية الثالثة هي (أشواق طائر الليل) دار الشؤون الوطنية، بغداد ، ط1 – 1995. أسفل الصفحة الأخيرة ص110 مكتوب زمن كتابة الرواية : بغداد – 25 آذار- 2 أيلول 1990
(*)
هذه السيرة الروائية للشاعر الخالد بدر شاكر السيّاب، لم يلملمها الروائي مهدي عيسى الصقر من الملفات والكتب. أو من أفواه المقربين للسيّاب. هذه السيرة جاءت من مصاحبة ورفقة بين مجموعة من أدباء البصرة (السيّاب. محمود عبد الوهاب. مهدي عيسى الصقر. وسعدي يوسف ومحمود البريكان). في 1948 أو 1949 ينشر مهدي عيسى الصقر قصة قصيرة (الطبيب الخافر) يقرأ السيّاب قصة ويخبرنا الصقر في كتابه (وجع الكتابة) :(أعجب بها الشاعر بدر شاكر السياب، الذي كان في البصرة، وكانت هذه القصة السبب في تعارفنا. وعن طريق السياب تعرفتُ على عدد من الشعراء والكتاب، منهم محمود البريكان وسعدي يوسف ورشيد ياسين الذي أقام في البصرة لفترة. وعبد الرزاق حسين ومحمد جواد الجوهري. وهكذا أصبحتُ جزءاً من حلقة الأدباء الشباب في المدينة) من هنا نقول لو كان كاتب الرواية، غير الروائي مهدي عيسى الصقر، لحشر ذاته وتكلّم عن علاقاته بالسيّاب... إلخ. لكن القاص والروائي مهدي عيسى الصقر حتى في (وجع الكتابة) كان يتكلم بتواضع البصريين عن صديقه ِ السيّاب. الصقر أختار لحظات الرمق الأخير للشاعر السيّاب. وقام بتوسيع ضيق اللحظات بتداعيات ذاكرة السيّاب في الأمكنة والأزمنة، ويحق لي القول أن الصقر كان بحق الصائغ الأمهر في روايته (أشواق طائر الليل)
في ص68 من كتابه (وجع الكتابة ) يفضي الصقر لنا حول هذه الرواية من خلال يومياته(17 آذار 1990 وضعت اليوم كلماتي الأولى على الورق، في محاولة لكتابة رواية جديدة. تنتابني حالة من القلق والحيرة، أسائل نفسي إن كانت الفكرة التي تشغلني منذ زمن، تصلح محوراً لرواية جديدة. الفكرة ما تزال رجراجة، وهي عن الأيام الأخيرة التي عاشها – أو بالأحرى عاناها- خارج حدود الوطن، شاعر عراقي معروف. وقد تشكل في ذهني هذا الشطران، عن الهاجس الذي كان المصدر الحقيقي لكن عذاباته، طوال أيام حياته القصيرة. تخيلت الشاعر يقول
هي صدت، وهو ضيعني
المرأة والوطن عذابي المستديم.)
(*)
سؤالي لوكان القاص والروائي مهدي عيسى الصقر قد انشغل بكتابة هذه الرواية بعد سقوط الطاغية: هل كان يكتفي بهذه الثنائية؟ الوطن والمرأة؟ وفي النص الروائي كمية كبيرة من المسكوت عنه !! مواقفه السياسية. كتابه (كنتُ شيوعيا) قصيدته بعد مقتل الشهيد الزعيم عبد الكريم قاسم!! مجازر 8 شباط 1963 وغيرها من الأمور.
(*)
تتكون الرواية من خمسة َعشر مقطعاً وخمسةَ عشر عنوانا فرعيا.
(*)
في أعلى الصفحة الأولى من الرواية ص5 ثمة شكل بيضوي مكتوب في داخله: (هي صدت، وهو ضيعني) وتحت هذا الكلام
نقرأ (المرأة والوطن عذابي المستديم). وتحت هذا الكلام بمسافة بيضاء نقرأ (المقطع الأول) ثم تنقسم الصفحة بخط أفقي وتحت الخط نقرأ العنوان الفرعي الأول (الاسم الأول للوهم)
(*)
يقول الصقر في ص69(أعمل على اغناء الرواية بمزيد من المشاهد الوصفية من أجل الكشف عن الحالة النفسية للشاعر، وهو سبيل الهجرة من وطنه) فعلاً كان الوصف جميلا وهو في الطريق الريفي الذي يوصل إلى بيت المهرّب، في المقطع الخامس من الرواية، والمعنون ( سراب امرأة.. سراب وطن) هذا خصوصا من ص26 إلى ص 29 من أجمل فصول الرواية فهو يكشف عن طيبة البصريين وكرمهم في طريق الخلاص، السياب يرى القرويات يخبزن تتداعى ذاكرة السيّاب وهو يتأمل هذا المشهد اللذيذ بضمير المخاطب (تابع طريقك بين البساتين تسترك أشجار النخيل، ولا تخف من الفلاحين. تنهض وتواصل السير من جديد فالطريق أمامك لا يزال طويلاً، والأصوات الهامسة ورائحة الأنهر والأشجار تلفك من كل جانب. أي حنين سوف يداهمك هناك. في الساعات الأخيرة من الليل، حين تهدأ أصوات المدن الغريبة ويخفت الضجيج وتهيج بك الذكريات في غرفتك المقفرة- أو في ساعات النهار حين تجوع وتشقى وتمزقك النظرات المستريبة! أنت تمشي هنا بين البساتين، بين أهلك، تشعر بوجودهم في كل مكان، في الماء، في الأرض، وفي أوراق الشجر ومع الظهيرة يعج الهواء من حولك بعبق الخبز الحار. التنانير الصغيرة بجوار بيوت الفلاحين أوقدت فيها نيران السعف والكرب، في وقت واحد تقريباً، كأن النسوة أتفقن فيما بينهن في كل القرى أن يخبزن لطعام الغداء في تلك الساعة من النهر. وتتناوشك تلك الرائحة الحلوة من كل جانب، تحملها الريح وتطوف بها من مكان إلى مكان، تدور بها على الرجال يعملون في الأرض والصبية يلعبون أمام البيوت والعجائز يصنعن المراوح والسلال من خوص النخيل في ظلال الجدران. باركوا الخبز يشوي التنانير! وتشعر بالجوع، تود لو ملكت في يمينك رغيفاً ساخناً من الخبز أُخرج تواً مِن التنور. تلمح امرأة بثياب سود تخبز بالقرب من أحد الأكواخ، صوت كفها وهي تضرب العجين يتردد في سكون البساتين، وفوهة التنور المستديرة المتفحمة الحافات مثل عين كبيرة حمراء تطرف بين خضرة الأشجار. أذهب إليها الآن. أفعل كما كنت تفعل في القرية. عندما كنت صبياً. قل لها خالة أنا جوعان، وسوف تمد يدها في جوف التنور المتوهج وتنتزع لك رغيفا يلهث بالبخار. وتقول لك خذ يا ولدي. أيكفيك هذا؟ غير أنك وقفت ترنو إليها من بعيد، يشلك الخجل. لقد افسدتك السنون وذهبت بتلك البساطة التي كنت تتواصل بها مع الناس وأنت صغير. الحياة التي عشتها في بغداد والمدن الأخرى جردتك من عفويتك تقريباً. وجعلتك حذراً، كثير التوجس، ترتاب في نوايا الآخرين ولا تستطيع أن تخمن ردود أفعالهم. تخاف أن تزجر أو تهان دون سبب. تلمحك الامرأة، إلا أنها لا تلتفت أليك في البداية، مشغولة بخبزها. تلقي نظرة عجلى على باطن التنور وتبل يدها بالماء ثم تمد ذراعها وتنتزع رغيفاً يوشك أن يحترق. تتابع أنت كل حركة من حركاتها الصغيرة فهي تذكرك بأمك حين تخبز الاستغراق نفسه وخفة اليد، تلقي المرأة بالرغيف الساخن فوق كومة من الخبز في طبق على الأرض وتدير رأسها أليك، تظلل عينيها بكفها لتراك جيداً. ربما أدهشتها وقفتك المشلولة. يأتيك صوتها مرحبا: تفضل أبني، تفضل.
تتشجع وتخطو صوبها، حين تدنو منها يلفك هواء حار يفوح برائحة الخبز.
تفضل، زلمتنا بالبيت.
تعتذر لها طريقك طويل ولا تستطيع البقاء.
إذن خذ هذا الخبز. اسند به قلبك.
تشعر وأنت تشكرها مرتبكا، بحرارة الرغيفين في لحم راحتيك. وحين تستدير وتمضي يودعك صوتها بالدعاء. تروح أنت بعد ذلك تمضغ خبزك الحار متلذذاً، متابعاً مسيرتك الطويلة، وكم وددت ساعتها لو جلست قليلاً تستريح على التراب في ظل نخلة تأكل خبزك متمهلاً، وتمد بصرك إلى صفحة شط العرب اللامعة من ثنايا الجذوع. غير أنك خشيت أن يدهمك الليل قبل أن تصل إلى قرية (سيحان) حيث يقيم المهرب عمار الخليفة، الرجل الذي سوف يساعدك على الخلاص) هذا النص بسعة صفحتين من الرواية ص28- 29. هذا النص تجنسه قراءتي قصة قصيرة متماسكة ومتناغمة .من جهة ثانية أن النص الروائي مسبوق بثلاث تجارب قصصية للمؤلف(مجرمون طيبون) 1954(غضب المدينة)1960
(حيرة سيدة عجوز)1986. كما أن(أشواق طائر الليل) هي الرواية الثالثة للروائي(الشاهدة والزنجي) 1988 و(رياح شرقية ، رياح غربية) ولم تنشر هذه الرواية إلا في القاهرة 1998 وجدت بذرة رواية (رياح شرقية، رياح غربية) في أحدى قصص(مجرمون طيبون)..

(*)
والروائي الصقر يحاول تجنب التوصيفات فهو يدرك ثمة توصيفات فعلا تنبعث الملل وأتفق كقارئ مع ما يقوله الصقر (تبقى الخطورة في الوصف الزائد هي احتمال الوصول بالنص إلى مرحلة الاملال، لكثرة التفاصيل الصغيرة)
(*)
في بداية الرواية، السرد يرصد امرأة يحاصرها الفراغ ويصيبها بالضجر ويطوقها بالصمت الثقيل. تهيمن عليها جدران بيض كالعدم ورائحة لا اسم لها يبثها جسد رجل ناحل راقد في تابوتٍ بصيغة سرير في مستشفى. هذا المشهد الموحش يجعل القارئ مع اللحظات الأخيرة من حياة الشاعر بدر شاكر السياب. وهنا مهارة الروائي مهدي عيسى الصقر. يدخلنا للنص بلا مقدمات ويجعل القارئ في الغرفة الأخيرة مع حياة السياب. السكون والسكوت والصمت والخطى التي تخطف في الممر وتنأى ثم تذوب والسكون في الغرفة له اسم آخر (ماء راكد في قاع نهر يغمر جسدها ويطبق على أنفاسها)
(*)
القارئ في مواجهة ثنائية سردية. في الغرفة ِ هناك رائحتان في الغرفة التي من غرفة المستشفى (كان الهواء يعبق من حولها بتلك الرائحة المألوفة في المستشفيات إلاّ أن هذه الرائحة لم تكن قادرة على أن تغطي على رائحة الفناء المنبعثة من جسد المريض في تداعيه المستمر يوماً بعد يوماً وساعة بعد ساعة) ومن الرائحتين يتشقق صوتان: كان للرائحتين ما يشبه وقع صوتين مختلفين – الموت والحياة يتجاوران إلا أنهما لا يمتزجان أبداً) بين الصوتين سدٌ منيع. وهناك صوت من نوع آخر.. صوت ميداني متحرك حركة حياتية يومية تتشكل من (أصوات السيارات والأصداء التي تصدر عن الناس في الخارج..). قبل هذه الثنائيات، واجهتنا الثنائية الكبرى والتي هي بمثابة العنوان التفسيري للرواية الذي أطره المؤلف داخل شكل بيضوي.
(هي صدت، وهو ضيعني. المرأة والوطن عذابي المستديم)
لو اكتفى مؤلف الرواية بثنائية واحدة لبقيت مغلقة أعني لو قال
(هي صدت، وهو ضيعني)!! لكن المؤلفَ، بالثنائية الثانية صنع مفتاحا للقارئ في قوله (المرأة والوطن عذابي المستديم) في ص21 تتكرر مفردة الوهم في شبه الجملة (في مطب الوهم) فالطالبات في جامعة بغداد يكتفين بحب أبياته الشعرية التي يتغزل بها لهن. الشاعر السيّاب تصدى للصدود والضياع بالقصائد. في ص25 الثنائية نفسها مع تغيّر لفظي طفيف (سراب امرأة.. سراب وطن)
(*)
لدينا ثنائية لونية رصدتها الممرضة (الجسد الناضب المطروح على بياض الفراش مثل شجيرة مقطوعة الجذور يبست أوراقها وتساقطت ولم يبق منها غير أغصان سود ملتوية) الثنائية مشكلّة من بياض الفراش وأسودادُ الجسدِ الذي نضبت قواه.
(*)
ثنائية الجسد الناضب (وجه المريض الشديد الشحوب يحمل ملامح وجه رجل بالغ إلا أن جسده المهدم في ضآلة جسد صبي مسلول)
وهناك ثنائية سكون الجسد والحماس الإبداعي (توقفت نظراتها عند عظام الأصابع وهي تستلقي دون حراك- بجلدها المصفر – فوق بياض الغطاء. كيف يتسنى لهذا الرجل أن يكتب – في ساعات صحوه بهذه اليد الواهنة؟ ومن أين يأتيه الدافع والرغبة للقيام بهذا العمل؟ وماذا تراه يكتب على أي حال؟)
(*)
في منتصف الصفحة السابعة ينتقل السرد من السارد العليم إلى ضمير المتكلم. ومن ص5 إلى منتصف ص7 أشبه بمقدِمة روائية من داخل النص. وضمير المتكلم مثبت بالأوراق التي سحبتها الممرضة من تحت وسادة المحتضر الشاعر السيّاب. من ربع الأخير من الصفحة السابعة إلى الصفحة الثامنة يكون كلام السيّاب موجها لأمه ولماذا جاءت به لهذه الدنيا!! وينقطع البث، لمّا الممرضة (فوجئت بباب الغرفة يفتح ورئيسة الممرضات تدخل عليها وتأمرها: أرجعيها إلى مكانها. قد يستيقظ من غيبوبته في أي لحظة) في نهاية الصفحة التاسعة يستيقظ من غيبوبته السيّاب ثم ينتقل النص من السرد إلى التحاور بين الممرضة والمريض والشفرة التي واجهتنا في الصفحة الأولى من الرواية ص5(الاسم الآخر للوهم) الشفرة تنفتح في ص 11 حين يسأل السياب الممرضة عن اسمها فتجيبه أسمي أمل.. هنا (غامت عيناه وتنهد. أمل. الاسم الآخر للوهم) شخصيا أن أسم الممرضة مقحم من قبل الروائي مهدي عيسى الصقر. وهذا الاقحام غير مبرر ربما ينفع في قصة أو رواية خمسينية. أما والراوية أصبحت صالحة للنشر في (بغداد 25 آذار- 2 أيلول 1990) فيفترض بالروائي غير ذلك.
(*)
تستوقفنا الثنائية التالية والسارد العليم، يقطع تحاورهما ويتدخل واصفا حال الممرضة (أدهشها كل ذلك الحنين إلى بلادهِ، وأوجعها الحزن في عينيه/ 12). في ص21 تظهر في السطر الأخير ثنائية أخرى والسارد يصف الممرضة (كأس الماء في يدها، تشعر بنداوة الماء على أطراف أصابعها، وبصلابة حبة الدواء وجفافها في راحة يدها الأخرى) هذه الثنائية في جسد واحد وهي ثنائية ليونة الحياة وطراوتها : كأس الماء. في اليد الثانية صلابة التوهيم وجفافها المتجسد في حبة الدواء. في 38 - 39 تظهر ثنائية المكان بين الريف والمدينة، بضمير المخاطب يكون السرد. وضمير المخاطب هو مونولج يبثه المتكلم (النهر يبدو ساكنا. جلست على فراشك تحدق مبهوراً. أمن أجل الإنسان خُلق كل هذا الجمال في الكون. كل هذه الروعة والبهاء؟ من أجلي أنا؟ شيء لا يصدقّ! مِن أجل مَن إذن؟ واحتواك المشهد بسحره الهادئ، كنت تشتم رائحة التربة المشبعة بالماء والجذور المنقوعة والبردي وبقايا الخبز المحترق الملتصق بجدران التنانير التي بردت في قيعانها رماد السعف والجذوع بعد خبز الغروب) ما بين القوسين: الحياة بهدوئها وليونتها ونقاء روائحها. بالضد من ذلك حين يكون السرد موجهاً إلى الطرف الثاني من الثنائية : (روائح لا مثيل لها في المدينة حيث البنزين ودخان السيارات التي تعمل بالغاز والقيء وبول السكارى في المنعطفات المظلمة بالقرب من حانات علاوي الحلة والعبة خانة والسعدون وشارع أبو نؤاس/ 39) لكن بسبب ظروف موضوعية فإن الفتى الريف شوهته المدنية باعترافهِ الشخصي (لقد أفسدتك السنون وذهبت بتلك البساطة التي كنت تتواصل بها مع الناس وأنت صغير. الحياة التي عشتها في بغداد والمدن الأخرى جردتك من عفويتك تقريبا. وجعلتك حذراً، كثير التوجس، ترتاب في نوايا الآخرين ولا تستطيع أن تخمن ردود أفعالهم/ 28).
(*)
يختفي السارد العليم وكذلك التحاور مع (المقطع الثاني المعنون (تراب الأرض) ويكون السرد بضمير المخاطب ( وهم يتحلقون حولك في تلك الحجرة الكبيرة المعتمة في بيتكم القديم الذي لجأت إليه في القرية. كأنهم يتهيأون لدفن عزيز، يتكلمون بأصوات خفيفة وجلة) السرد هنا هو سرد الماضي من سيرة الشاعر الشيوعي المطارد الذي تبحث عنه الحكومة الملكية.
(*)
في الرواية المرحلة التاريخية غير معلن عنها في سردياً بشكل مباشر. ثمة إشارة وامضة: (ربما تسلل أليك رجال الملك من جهة النهر وصادوك صيد الأرانب) والومضة الثانية ذاتية (إن أهلك يريدون أن يجنبوك عذاب السجن مرة ثانية وهذا ما تريده أنت أيضا) والمستشفى الذي يرقد فيه الشاعر السيّاب، غير معلن عنه. ربما لأسباب سياسية فالرواية مكتوبة بعد غزو الكويت في 1990
وضمير المخاطب هو ضمير المتكلم الذي يحاول كتابة شيئا من سيرته النضالية ويتضح ذلك من خلال منتصف ص15، حيث يتدخل السارد العليم ليخبرنا عن الممرضة (توقفت عن القراءة ورنت إلى وجه المريض...) في ص16 يومض السرد الغرائبي
وربما يمكن أن أطلق عليه سرد الروح (ونهضت أمك. تأملتك مسرورة. تأملتك لحظة طويلة، فخورة بطفلها الصغير يخرج إلى الدنيا. ثم قالت – قبل أن تعود إلى قبرها – ليحرسك الله يا ولدي أينما ذهبت/ ص16) هذا الظهور الروحي للأم أعيشه أنا شخصيا
. تظهر أمي وأنا بين اليقظة والنوم حين تظلم الدنيا بعينيّ، تكلمني هامسة وتمسد رأسي، فتشرق الدنيا كأنها تشرق بأمر من أمي.. الروائي مهد لظهورها، من خلال العودة لطفولة الشاعر.
وخوف الأم على ولدها في أيام العيد (أمسكوا بيديه جيداً. لا تدعوه يغيب عن أعينكم لحظة واحدة..).. في المقطع الثالث من الرواية المعنون(الأبواب كثيرة لكن الخروج مستحيل) السرد بضمير المخاطب والمحتوى السردي كابوس مرعب يطارد السيّاب في نومه: الطيور تحترق وسعف النخيل النجوم تنطفئ النخل متفحم مياه شط العرب تفور لا بشر في هذا المشهد المرعب وحده الصراخ يشق الفضاء صراخ الألم والفجيعة صراخ الحيرة والفزع
والسياب يركض، وحده ُ يركض عاريا وسط هذا الخراب ثم يجد نفسه في كهف وفي الكهف كثرة من الأبواب وكل باب يوصله إلى باب في هذه المتاهة فيصرخ مستغيثا طالبا النجدة من امرأة (امسكي بيدي واخرجيني من هذا التيه!) نلاحظ أن السيّاب لم يستعن برجل أو بجماعة من رجال العائلة بل طلب النجدة من امرأة من أمهِ فهي المخلّصة الكبرى في هذه اللحظة (من باطن العتمة تمتد إليه يد أمه، تخترق الأنفاق والأبواب، ويسمع صوتها الملهوف ينادي: تعال يا ولدي، تعال، تعال! وتأخذه إلى صدرها، تشدهُ إليها من رقاد طويل. وتختنق أصوات الحريق خارج الكهف، لم يعد يسمعها، يغطي عليها صوت أمه، رقيقاً حنوناً، يبعث الأمل والسلام إلى نفسه المضطربة.) هذا الفصل من الرواية ومن خلال حيلة الكابوس يجسد تلك المرحلة الشرسة من تاريخ العراق آنذاك
رواية (أشواق طائر الليل) أنها بطريقة مضمرة تحمل في داخلها الحقبة الشرسة من تاريخ العراق. شراسة الحكم الملكي، والشراسة ضد الثورة المغدورة ثورة 14 تموز 1958 خصوصا في انقلاب 8 شباط 1963 حيث تم إبادة قوى الخير في العراق الجمهوري الفتي. وبطبعة منقحة ومزيدة ينطبق على ما يكابده ُ العراق الآن أيضا. وظهور الأم يكتنز تأويلات غزيرة، كما أن ظهور رئيسة الممرضات يزيد المشهد عمقا وأسى فهذه الرئيسة فقدت ولدها في هذا المستشفى وتبذل جهودا إنسانية من أجل حياة السيّاب كتعويض.
(*)
في حلم يقظة وهو في القطار وتحديدا وهو يقف في الممر، وهناك امرأة على مقربة المرأة تنظر من خلف الزجاج وهو كذلك. السارد لا يتسلل إلى ذاكرة المرأة، بل إلى ذاكرة السيّاب فهو محور الرواية والشخصية الرئيسة. في ص53 ينقسم السرد إلى قسمين: النصف الأول يكون السرد بضمير الغائب والنصف الثاني من الرواية بضمير المخاطب يتسلل السارد إلى ذاكرة السيّاب، يبدأ السرد من آخر جملة في السرد الأول حين يقارن السارد العليم بين وجهيهما (وشتان بين وجهه ووجها!) فيكون السرد من خلال ضمير المخاطب:(ولكن من أدراك أنها كانت تنظر إلى وجهها.!؟ ربما كانت تفكر، تحلم، تتخيل ملامح حبيب فارقته، أو في طريقها إلى لقائه. أما أنت فليس بمقدورك أن تفكر بأي شيء آخر في العالم عندما تكون ثمة امرأة في الجوار.) ثم يتوجه الخطاب نحو القارئ (ود لو بقيا هكذا وحدهما، يناجيها بصمت، بأمل أن تفكر فيه، تستشعر عزلته وحرمانه. من يدري، ربما ابتسمت له برقة أو كلمته. قل لي أيها الغريب، هل تشعر بالضجر أنت أيضا؟)
وفي ص59 ينتقل الحوار من الذات إلى الحوار بين صوتين.: السياب والفتاة معلمة الرسم الانكليزية وتلاحظ قراءتي أن الصقر يوازن بين السرد بتنويعاته ليعين القارئ، في رحلة عذابه فهذه الرواية تجعل القارئ جالسا مع السيّاب في ساعته الأخيرة وأثناء القراءة تتداعى ذاكرة القارئ لما مر به مع هذه الغرف الموحشة وشخصيا كابدت في هذه الغرف عدة مرات، احتضر عمي في مستشفى الجمهوري في 1982 وأمي في 1986،وشقيقي في مستشفى التعليمي 2006 وحبيبي ولدي مهيار في مستشفى عتبة بن غزوان.وأنا أكتب عن الرواية بمشقة لهذا السبب.
(*)
المحاورتان متجاورتان والموضوع نفسه. في المقطع التاسع من الرواية تخبره الفتاة أنها مدرسة رسم. فيخبرها هو أنه شاعر



في المقطع العاشر من الرواية تسأله الممرضة: لماذا تركت وطنك؟
في المقطع الثاني عشر يكون التحاور مع رئيسة الممرضات ويسيران معا السرد والتحاور ويقوم السرد بتفكيك ما جرى ومن المتسبب للعلاقة الموهومة بين يوسف بن هلال والمرضة أمل.
وكذلك سيكون للتحاور والتنقل بين الأمكنة والأزمنة في المقطع الثالث عشر.
(*)
عنوان الرواية (أشواق طائر الليل) شخصيا أنحاز للعنوان الأول في مخطوطة مهدي عيسى الصقر (أكتب قصيدتك الأخيرة قبل حلول الليل) ص69 وجع الكتابة.

(*)
هل هي رواية تاريخية؟ ينهض هذا السؤال لأن الأحداث تشمل خمسينات القرن الماضي وسنوات من الستينات. والسؤال الثاني هل الرواية سيرة شخصية بصيغة رواية محورها الشاعر السياب؟
وكم نسبة المتخيل الروائي مقارنة بالوثائقي؟ هذه الأسئلة اوجهها للقارئ أما أنا فقد قرأتُ الرواية عدة مرات ورأيتها رواية تسحق طبعة ثانية أنيقة. وقدمتُ رؤيتي للرواية من خلال نزهتي الأخيرة. فيها.



#مقداد_مسعود (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سيادة الماء في قصص محمد خضير
- المعرفي الدؤوب عبد الغفار العطوي
- (الشاطئ الثاني) رواية مهدي عيسى الصقر
- الشاعر والناقد عبد الرزاق صالح (شمس النارنج) مقداد مسعود
- الناقد حيدر عبد الرضا.. و(هدوء الفضة)
- (واحتي هالة القمر) للشاعرة زهور دكسن
- كتابتك نوافذها واسعة
- رسالة ٌ على الرسالتين
- رسالتان
- شهلا العجيلي
- صباح الخير صديقي
- مجاذيف
- كتابتان عن نص واحد
- منظر طبيعي
- مالكولم دو شازال
- صديقي مقداد...
- تأملات
- مقدمة الدكتور مالك المطلبي
- (بيتزا النص)
- المسافر رقم (1)


المزيد.....




- معدات شحيحة وطموح بلا حدود.. طلاب غزة يتحدون الظروف لمواكبة ...
- مهرجان الموسيقى العربية يحمل اسم هاني شاكر.. ودرع تكريمه يثي ...
- مهرجان نيويورك يفتح أبوابه أمام -نازا- وأفلام -كان- وفينيسيا ...
- بعد غضب إسرائيل.. مخرجا -نازا- يتيحان الفيلم مجانا عبر الإنت ...
- إسرائيل: بعد شطب قائمتين عربيتين.. هل يغيب التمثيل العربي عن ...
- -سويوزمولتفيلم- يحتفل بتسعين عاما.. أفلام روسية تعبر الحدود ...
- مصر.. تطورات جديدة في مقتل الفنان سعيد مختار بعد اتهامه لزوج ...
- الفيلم الملحمي -الانتفاضة-.. حين يتحول الغضب إلى معركة لانتز ...
- رحيل الكاتب العُماني محمد بن عيد العريمي.. مسيرة أدبية بدأت ...
- مخرجون شباب من 9 دول بينها السعودية يجتمعون في موسكو لصناعة ...


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مقداد مسعود - الشاعر السياب.. من خلال الروائي مهدي عيسى الصقر