أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عزالدين بوغانمي - المعارضة التونسية ومتلازمة ستوكهولم















المزيد.....

المعارضة التونسية ومتلازمة ستوكهولم


عزالدين بوغانمي
(Boughanmi Ezdine)


الحوار المتمدن-العدد: 8837 - 2026 / 9 / 23 - 17:20
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


عندما تدافع الرّهينة عن مُختطفها، لماذا تتشبّث المعارضة الديمقراطية بجماعة إرهابية؟

غرّد معالي وزير التربية الأسبق الدكتور ناجي جلّول على صفحته صباح اليوم الأربعاء 23 سبتمبر 2026، فكتب: "حكومة فاشلة، ومعارضة عاجزة. فما العمل؟"

جوابي على هذه الحيرة، هو أن اللغز الذي يحير المراقبين، يتعلّق بسؤال آخر أكثر جذريّة من جهة إعادة بحث الوقائع.
فمنطق السياسة والحياة يقول بأن المعارضة الديمقراطية واليسارية، التي عاشت عشر سنوات تحت رعب الاغتيالات والتكفير والملاحقة، ترتاح فور إزاحة الجماعة الإرهابية التي كانت تُرهبها. ولكن ما حدث هو أن القسم الأهم من تلك المعارضة نفسها تحوّل من "ضحية مُهدَّدَة" إلى "مُدافع عن القاتل" في أسابيع معدودة. وكلّ العوامل السياسية التي أحاطت بهذا التحالف أُشبعت بحثًا، غير أن الموضوع يتجاوز التناقض السياسي وعدم التماسك المنطقي إلى لغز نفسي-سياسي عميق. والجواب يكمن في آلية موثّقة في علم النفس هي : "رابطة الصدمة"، أو ما يُعرف ب"متلازنة ستوكهولم".

فماذا حدث بالضبط؟
خلال عقد من الزمن، عاشت المعارضة تحت تهديد الجهاز السرّي لحركة النهضة الذي اغتال لطفي نقض وشكري بلعيد ومحمد البراهمي ومئات من الجنود والأمنيين. وجميع رموز المعارضة اليوم، بما في ذلك معالي وزير التربية صاحب التغريدة، كانوا على قائمة الاغتيالات، وعاشوا سنوات طويلة تحت الحماية الأمنية اللصيقة. وكان التكفير، مُمنهج، وأصوات الأئمة تنطلق من أبواق المساجد لتُحوّل المعارض والعلماني إلى "مرتد" و"كافر" و"عدو الإسلام" حلالُ الدّم، ويستحق الموت. وكان تدمير المؤسسات على قدم وساق، ثم كان تزوير الانتخابات عبر الأموال الفاسدة المُتدفّقة من دول معلومة، والخراب الاقتصادي، والتحالف مع المهربين والمجرمين. وكانت القاعدة اللوجستية للإرهاب تتمدّد، من اختراق الداخلية والعدل وبقية مؤسسات الدولة، وشراء الذِّمم، إلى التمويل وجلب السلاح والتدريب وشبكات التواصل مع الارهابيين في الجبال ...

كلّ هذا حدث أمس القريب، ولم يحدث في آواسط القرن العشرين. ومع ذلك حين ثار الشعب في 25 جويلية وأضرم النار في مقرّات جحور القَتَلَة، وأدرك الجيش أن الدّولة باتت على حافة التفكّك، تمّت إزاحة الجماعة. فكانت هذه اللحظة الذهبية للمعارضة، وفرصة لتصحيح المسار، واستعادة الشرعية، وبناء بديل ديمقراطي حقيقي على أنقاض "ديمقراطية الجهاز السري".
لكن بدل ذلك، حدث ما يبدو "غير عقلاني": المعارضة ارتمت في أحضان الجماعة، واعتبرت ما حدث "انقلابًا على الديمقراطية"، ومنذ ذلك الحين وهي مستميتة في الدفاع عن النهضة لإعادتها للحكم.

النتيجة: الشعب اليوم ضد السلطة القائمة لأنها فاشلة بكل المقاييس، لكنه يحقد أكثر على المعارضة التي تدافع عن الحاكم السابق الذي أفسد تطلعات التوانسة وسفك دماء الأبرياء وتاجر بأبنائهم في أسواق التسفير.

تفسير ذلك أن "رابطة الصدمة" هي نوع من التعلق العاطفي المرضي يتشكّل بين الضحية والمُعتدِ، عبر دورات من الخوف المزمن، تتخلّله فترات انفراج، ثم عودة للتهديد، ثمّ وعود بالأمان، ثم عودة للتهديد، ثم حماية انتقائية، فعودة الرّعب من جديد ... وهكذا دواليك.

في حالة المعارضة التونسية، إضافة إلى عوامل أخرى متعدّدة حكمت هذا التحالف الغريب مع الأفعى، منها الانتهازية والجشع والقابلية للتوظيف والاستخدام من أجل المنافع، أيضا مثّلت "رابطة الصدمة" عاملا إضافيا لا ينبغي إغفاله. وقد قامت على أربع آليات:
1/ التطبيع مع الخطر
بعد سنوات من العيش تحت التّهديد بالقتل، أصبح الخطر "خلفية طبيعية"، تدفع للتّحالف مع مصدر الخطر، بحيث يُعاد تفسيره كـ"ضرورة سياسية"، وليس كاستسلام.

2) الخوف من ردّة الفعل الدّموية
سقوط النّهضة في 2021 خلق فزعًا أمنيًّا وسياسيًّا غير مُعلن، جعل جزءًا أساسيا من المعارضة تُفضّل البقاء في صفّ العدوّ خوفًا من انتقامه.

3) إعادة صياغة السّردية
ولتخفيف التمزق الأخلاقي والنّفسي، وإخفاء هذا التناقض الشنيع وغير المفهوم، نشأت أفكارًا خفيّة من نمط ("كنتُ خائفًا منهم" والآن "أنا حليف لهم") وتُعاد صياغة السّردية في العلن لتصبح: "هم تغيّروا"، "هم انتهوا"، "ما حدث أخطر من بقائهم في السلطة". وقد تعزّزت هذه السّرديات عندما تبيّن أنّ السلطة الحاكمة عازمة على إعادة ترسيخ الحكم الفردي السُّلطوي، وانقطع كلّ أمل في مُشاركة الأحزاب في سلطة قيس سعيّد، الذي سيتبين أنه بلا رؤية ولا مشروع ولا تدبير.

4) الهوية المندمجة
بعد سنوات من تجربة حكم الإسلاميبن، وسنوات من الشعور بالعجز أمام حركة اخترقت كل أجهزة الدولة، وتملك فوق ذلك جهازا مسلحا يتجسّس ويراقب ويقتل ويفلت من العدالة بكل سهولة، ترسخت قناعة استحالة الوُصول للكرسي دون موالاة الاسلاميين، حتّى أصبحت هوية هذا النمط من المعارضة مرتبطة بالنّهضة. فمجرّد فصل نفسها عنها يُشعِرها بفقدان الوزن واختفاء شرط الوُجود.

في مفاتيح الحل:
1) الاعتراف بالمرض
لا يمكن علاج مرض لم يتم تشخيصه. ولهذا يتعين على المعارضة أن تفهم ما أصابها، بما جعلها تُبرّر تشبّثها بمجموعة إجرامية. وبدون هذا الاعتراف لن تتمكّن من التعافي أبدًا.

2) إعادة تعريف حركة النهضة
اليوم، المعارضة ترى النهضة "شريكًا ضروريًّا". يجب إذن إعادة تعريفها كجماعة إرهابية اغتالت، كفّرت، سرقت، زوّرت، دمّرت. وبدون إعادة تعريف الأشياء كما هي على حقيقتها يبقى التشبّث بها مُبرّرًا.

3) فكّ الارتباط
الخطوة الضرورية الثالثة في مسار التّعافي هي فكّ الارتباط من خلال أفعال مرئية: القطع التنظيمي، القطع السردي، القطع الوظيفي، وذلك ببناء بدائل سياسية وأمنية. وبدون فكّ الارتباط، تبقى المعارضة "شريكًا" في جرائم النهضة في نظر شعبها.

4) استعادة ثقة الشعب
الثقة تُستعاد بالخطاب وبالأفعال اليومية الميدانية، وأولها وأهمها، هو النزول إلى قضايا المواطنين الحقيقية: غياب الخدمات، الفقر، البطالة، غلاء المعيشة، ومعاناة الناس بصفة عامة، وضمن هذه المطالب الشعبية، وجزء منها تندرج معركة الديمقراطية ضد الحكم الفردي السلطوي الفاشل. وهذا يحتاج وعي جديد، تحالفات جديدة مع فاعلين غير ملوّثين. وبدون استعادة ثقة الشعب، ستبقى المعارضة نخبوية معزولة، وبلا وزن.

خلاصة القول، وجوابا على تغريدة معالي وزير التربية الأسبق الناجي جلّول هذا الصباح "سلطة فاشلة ومعارضة عاجزة. فما العمل؟"
المعارضة في مفترق تاريخي أمام خيارين: إما البقاء في رابطة الصّدمة، ضحية بالأمس، شريك المجرم اليوم، معزولة ومنبوذة غدًا. أو أن تتحوّل إلى بديل موثوق، له من الشجاعة ما يمكنه من الاعتراف بالخلل، وإعادة تعريف العِلّة، وفكّ الارتباط بها، واستعادة ثقة التّوانسة. ولن يذكرها التاريخ بما قالته في الخُطب والشعارات الجوفاء والديمقراطية المعلقة في السماء بلا أساس اجتماعي، بل بما فعلته في هذه اللحظة الحاسمة.
فهل تجرؤ على فك رابطة الصدمة، أم تبقى أسيرة الجهاز السرّي؟



#عزالدين_بوغانمي (هاشتاغ)       Boughanmi_Ezdine#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة في خلفية إيقاف هيئة تنظيم الأسطول وأبعاده
- بين فشل السلطة وعُقم المعارضة والأمعاء الخاوية: قراءة في ثنا ...
- الثّورة بين حتميّة الدّاخل ومكائد الخارج
- بين فخ النضال المشترك وذُعر عودة -العدو. لماذا لا يُحسم الصر ...
- بين البوصلة المفقودة وفقه الضرورة المُزوّر
- في عناد التاريخ الذي لا يُرد.
- تاريخ البايات في تونس: لا شيطنة ولا تمجيد، قراءة في سياقها
- لا أحد يقبل بسقوط النظام الإيراني باستثناء الكيان الصهيوني
- هنري كيسنجر ونظام صدام حسين: هندسة الانعطاف الكبير - كيف شكل ...
- الإمارات هي خيمة التهديد للأمن الجزائري، وليس القُراد الملتص ...
- بغض النظر عن الوسائل: المشروع هو أساس النهوض
- تونس العطشانة: لماذا ينقطع الماء والكهرباء لساعات طويلة في ه ...
- وراء مضيق هرمز، مخطط صهيوني لتفكيك إيران وتصفية القضية الفلس ...
- هل سقطت الهدنة؟
- تشييع الإمام استفتاء على المشروع: إيران بين نقد الداخل ومواج ...
- في مضيق هرمز، كأن التاريخ يعيد سيناريو السويس.
- وهم نزع السلاح: لماذا تخسر بيروت معاركها السياسية؟
- إضاءات سريعة حول مشروع -إسرائيل الكبرى- وطبيعة الصراع في الش ...
- طوفان الأقصى أجبر السعودية على إعادة تعريف عدوّها
- الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وسياسة حافّة الهاوية


المزيد.....




- الشرع: الجولان أرض سورية.. وفرصة السلام التاريخية قائمة لمن ...
- هيئة بحرية: إصابة سفينة شحن بمقذوف مجهول في مضيق هرمز
- زاخاروفا لكندا وأوكرانيا: اتفاقياتكم لا تجدي نفعا
- LG تكشف عن جهاز تكييف ذكي في معرض IFA برلين
- -نحن وإيران جسد واحد-.. الحوثيون: باب المندب خط أحمر وسنضرب ...
- البصل.. ماذا تقول الدراسات العلمية عن فوائده الصحية؟
- واشنطن وطهران تفتحان باب التفاوض مجددًا.. هل تنتهي الحرب؟
- قاصرو سبتة.. هل تعيدهم إسبانيا إلى المغرب؟
- كيف يسعى فيرجيل فان دايك لإفساد بداية كلوب مع ألمانيا؟
- -من أجل شي جين بينغ-.. ترامب يخرق بروتوكولا عمره 60 عاما


المزيد.....

- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عزالدين بوغانمي - المعارضة التونسية ومتلازمة ستوكهولم