أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - اسعد عبدالله عبدعلي - قصة قصيرة : فخٌّ في المقعد الخلفي














المزيد.....

قصة قصيرة : فخٌّ في المقعد الخلفي


اسعد عبدالله عبدعلي

الحوار المتمدن-العدد: 8837 - 2026 / 9 / 23 - 12:18
المحور: الادب والفن
    


في ذلك الحيّ القاسي، حيث تتشابك الأزقة كأوردةٍ يابسةٍ يطؤها الغبار، كان الفتى يمرُّ بجسده النحيل وثيابه التي أكلها الشحب. في الخامسة عشرة من عمره، لا يملك سوى قلبٍ كصفحةِ ماءٍ سكونية، وأحلامٍ تتضاءلُ كلما اصطدمت بثقل الفقر المعشعش في جدران بيته. كان يمشي بحثاً عن لمسة حنانٍ غائبة، أو كلمةٍ دافئة ترمّم السور المتداعي لوحدته الخانقة.

كان البيت خاوياً إلا من أنفاس الجدران المظلمة؛ فالأب طريدُ لقمة العيش من فجر اليوم حتى مغيبه، يعود جثةً يعلوها الإعياء، حاسباً الساعات ليبدد شقاءه في نومٍ كالموت، بينما الأم غارقة في عتمة شاشة هاتفها الباردة، تفصلها العوالم الافتراضية عن ذلك الظمأ الروحي الذي ياكل قلب ولدها الصغير.

وفي ظهيرةٍ غائمة، توقفت عند حافة الطريق عربة "تكتوك" ينبعث منها أزيزٌ مبحوح. كان يقودها رجلٌ في ثلاثينيات العمر، في وجهه ابتسامة مريبة تُخفي خلف طياتها شراسة الذئاب ومكر الطرقات. أطل من نافذته المفتوحة ورمق الفتى ونبس بنبرةٍ طافحة بالخداع:
— "اصعد يا بني.. أنت ابن حيّنا، ومن واجبي أن أحملك معي وأكون في خدمتك."

صعد الفتى بصفاء نيةٍ فطريّة، يظن أن الأيام سالمت أخيراً غربته، وأن في هذا العالم الموحش من يلتفت إلى ضياعه.

لم تكن تلك سوى البداية. أخذ الرجل يتلقّفه عند أطراف الحي كل يوم، ينقله من مكان إلى آخر، ويبثّ في مسامعه سموماً متواريةً تحت عباءة المودة. كان يزين له أنهما غريبان في مجتمعٍ صلفٍ لا يفهم رقة قلوبهما ولا يرحمهما، حتى تمكن الخداع من الفتى وسلّمه قياد ثقته بلا حذر.

ثم أطبقت الليالي السوداء سُدفها. استدرجه الوحش في ليلةٍ خلت من أعمدة النور ومن الرحمة، إلى بقعةٍ قصيّة يُنكرها الضوء وتجللها العتمة. هناك، سحق براءته وانتهك أثمن ما يملكه الآدمي من حرمة، ولم يقف عهر الجريمة عند ذلك الحد، بل وثّق فاجعته بصورٍ عبر هاتفه لتكون وثيقة عذابه الدائم. وبدمٍ يقطر برودة، أهوى على أذنه بهمسٍ كشفرة السكين:
— "إن أطعتني ظلّ هذا سرنا المكتوم.. وإن عصيتني فضحتك بين الداني والقاصي."

رَجَع المراهق إلى البيت كمن يسحب جثته على الأرصفة. تحول جسده الصغير إلى كتلةٍ من الوجع الصامت، يتقلب على جمر خيارين أحلاهما علقم: إما الاستسلام لهذا الذئب والانحدار في مهاوي الهاوية، وإما الفضيحة التي ستسحق كرامة عائلته وتتركها حطاماً.

نظر إلى أمه المنكفئة على وهج هاتفها المصنوع من الزجاج والحديد، وإلى أبيه الغارق في سُهاد التعب الشديد، فشعر بغربةٍ شديدة تجتاح كيانه، وبأنه خنق داخل حصارٍ من الظلمة لا يملك منه نفاداً.

لم يطق ذلك الجسد الغض كل ذلك القهر الشديد، ولا اتسع عقله الصغير لتحمل حجارة الخيانة التي انهالت على رأسه بغتة. وفي هدوء الليل الخانق، حين تصمت المدينة وتنام العيون، قرر أن يطوي هذه الصفحة المعتمة، وأن يرحل بما تبقى من كرامته المنسوكة، تاركاً وراءه دنيا غفلت عنه، حتى أودت بحياته ليلةٌ واحدة لم يجد فيها من يمد له يد النجاة.



#اسعد_عبدالله_عبدعلي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عجلة التكتوك مصيدة لانتهاك براءة الاطفال والمراهقين:
- مسرحية الشاشة: الوطني بإرث بعثي يحارب المقاومين
- كتاب مفقود وشاي ساخن
- قصة قصيرة// صفعة الحقيقة
- المرجعية الصالحة وأعداء الظل
- أبو هريرة بين ظلال الصفة وبلاط الأمويين: قراءة في مهنة وضع ا ...
- شغف تحت سقف الورق: كيف تبتكر بغداد ضوءها؟ -معرض بغداد الدولي ...
- قصة قصيرة / صك من زفر
- كابوس تأخر الراتب, وبيض نصف مقلي
- سيكولوجية الاستعلاء السياسي تقديس الذات وشيطنة الاختلاف في ا ...
- قصة قصيرة/ عبيد الدينار
- حين يُحاصر الخوف خطى الفتيات: ثورة ضمير بوجه التحرش
- قصة قصيرة/ كابوس الحياة
- -انهيار الأخلاق الرقمية-/ ظاهرة الشتائم والطعن بالأعراض بسبب ...
- -رواتب الموظفين على صفيح ساخن- ستة حلول لازمة السيولة النقدي ...
- تحت لهيب تموز
- الاردن في قلب العاصفة - انكشاف العش السرّي
- اخطاء الزعيم عبدالكريم التي عجلت بسقوط حكمه
- كيف تحولت القواعد الامريكية إلى عبء استراتيجي؟
- قصة قصيرة/ كتاب طائر وكباب مستجاب


المزيد.....




- جينيفر لوبيز تعيد أجواء السينما الإيطالية الأنيقة إلى ميلانو ...
- نيكيتا ميخالكوف يتحدث عن جائزة -الفراشة الماسية- في منتدى ال ...
- وزير التعليم العالي والقائم بعمل وزير الثقافة يتفقد مقر جامع ...
- غوليكوفا: منتدى الثقافات المتحدة في بطرسبورغ يجمع 70 دولة وي ...
- سر تواصل ليمور الإندري في غابات مدغشقر.. يستخدم تقنية صوتية ...
- فنانون يحتجون على تقليص الإنفاق الثقافي بالموسيقى والرقص وال ...
- ماكرون: هدنة غزة -مسرحية مخزية- وعار علينا جميعا
- اتحاد الأدباء يحتفي بالأعمال المسرحية للراحل محمد علي الخفاج ...
- شبه عارية.. بطلة روسيا كنوروز تنتقد سلوك الممثلة الأمريكية س ...
- احتجاجات في القامشلي تطالب بالاعتراف باللغة الكردية لغة رسمي ...


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - اسعد عبدالله عبدعلي - قصة قصيرة : فخٌّ في المقعد الخلفي