عزالدين بوغانمي
(Boughanmi Ezdine)
الحوار المتمدن-العدد: 8836 - 2026 / 9 / 22 - 18:01
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
تفترض هذه القراءة أن الملف قد يحتوي فعلًا على إخلالات مالية وقانونية. لكن وجود مخالفات لا يلغي البعد السياسي للقضية، لأن الانتقائية في اختيار التوقيت، والأشخاص، والتكييف القانوني، وشدة التّدبير تمنح الملف وظيفة سياسية تتجاوز مجرد كشف التجاوزات.
بعبارة أخرى، هناك مستويان ينبغي الفصل بينهما:
المستوى الأول: هل وقعت مخالفات مالية أو إدارية؟ وهذا تحسمه وثائق الملف والمحاكمة.
المستوى الثاني: لماذا اتّخذت السلطة هذا الملف، في هذا الظرف، أداة لإيقاف المنظمين وإضعاف حركتهم تلك؟ وهذا سؤال سياسي لا تجيب عنه المحاسبة وحدها.
أولًا: هاجس القدرة على تنظيم الأسطول
لا تبدو السلطة معنية بـ"أسطول الصمود" كجزء من حراك عالمي لنصرة القضية الفلسطينية، بقدر ما تُشغلها النواة و"بِنية الشّبكة" التي تمكّنت من تنظيم الأسطول. فهذه البنية تجمع عناصر يعتبرها النظام مسائل شديدة الحساسية أمنيًا:
* القدرة على جمع تبرعات هائلة من الجمهور خارج القنوات الرسمية.
* إدارة أموال عبر شبكة مدنية غير حكومية.
التواصل مع فاعلين أجانب ومنظمات عابرة للحدود.
* تعبئة الشارع حول قضية تحظى بإجماع شعبي واسع.
* تحويل التعاطف مع فلسطين إلى قدرة تنظيمية ومادية.
* امتلاك خطاب سياسي مستقل عن الدولة، حتى عندما يلتقي مع الخطاب الرّسمي (المُعلـن) في الموقف من الكيان المحتل.
من هذه الزاوية، يمثل الأسطول تجربة لبناء قدرة مستقلة. وهذه القدرة هي موضع القلق الحقيقي. فحسّاسية المسألة، بالنسبة إلى السلطة، توجد في "تمكّن الناشطين" من إنشاء شبكة تمويل وتعبئة واتّصال لا تمر عبر الدولة، حتى وإن كان نشاطها مُنصبًا على الدفاع عن غزة حصرًا.
وهنا يكمن الفرق بين التضامن الذي تسمح به السلطة، والاقتدار على التعبئة الذي تخشاه. الأول يكون في شكل بيانات رسمية، أو مسيرات مرخصة، أو انشطة تحت إشراف الدولة. أما الثاني فيتخذ صورة منظمة مستقلة، عابرة للحدود، وقادرة على جمع المال والتأثير في الرأي العام. ولذلك يخشى العقل الأمني الحاكم أن تتحول القضية الفلسطينية إلى مجال تنافس على من يملك حق تمثيلها وإدارة التعبئة بشأنها.
لماذا يمثل ذلك خطرًا من منظور السلطة؟
لأن الشبكة التي نجحت في تنظيم الأسطول يمكن، من حيث الإمكان التنظيمي، أن تتحول لاحقًا إلى شبكة تعمل في ملفات أخرى:
- مقاومة الحكم الفردي.
- دعم قضايا اجتماعية أو نقابية.
- تنظيم حملات ضغط دولية.
- جمع أموال لمناطق منكوبة، بما قد يخلق أجسامًا بديلة في ظل عجز الدولة عن الإغاثة المطلوبة.
- التنسيق بين جمعيات وناشطين خارج البنية الرسمية.
يعني حتى لو لم يكن لدى المنظمين مشروع لمنافسة السلطة أو الاستيلاء على المجال العام، فإن الغريزة الأمنية تنظر إلى قدرتهم المُتاحة كتهديد، ولا تنظر إلى نواياهم. فالمنطق الأمني لا يسأل فقط: ماذا فعلت هذه الشبكة؟ بل يطرح سؤالًا أبعد: ماذا يمكن أن تفعل مستقبلًا إذا بقيت خارج السيطرة؟
وبناءً على هذا الفهم النسبي -الذي لا يدّعي الاكتمال- يمكن قراءة الإيقافات بوصفها محاولة لتفكيك النواة التنظيمية للأسطول، أكثر منها معاقبة أفراد على أخطاء مالية. فاستهداف أعضاء الهيئة التسييرية أو المنظمين الرئيسيين يوجه ضربة إلى الذاكرة التنظيمية، وشبكة العلاقات المواطنية والخارجية، ومصادر الاتصال والتمويل، والقدرة على إعادة إنتاج النشاط.
ثانيًا: الإيقاف كإشارة إلى الخارج
لا ينبغي المبالغة بالقول إن هناك تعليمات من واشنطن أو بروكسل حتى تتصرف السلطة بطريقة تستجيب لتوقعاتهما. فالأنظمة في بلداننا كثيرًا ما تمارس ما يمكن تسميته "الامتثال الاستباقي": اتخاذ إجراءات قبل وصول طلب صريح، لإثبات أنها تفهم أولويات الشركاء الدوليين، وتؤدي الوظيفة المطلوبة منها، وتتعاون في مكافحة المخاطر الدولية.
وفي الحالة التونسية، تتركز هذه الأولويات في ثلاثة ملفات مترابطة: السيطرة على الحدود والمجال البحري، مراقبة حركة الأموال والتحويلات والتبرعات، ومكافحة الشبكات التي قد تُصنف أمنيًا باعتبارها غير رسمية أو كما توصف "عالية المخاطر".
وقد عمّقت الشراكة الأوروبية التونسية في ملف الهجرة هذا المنحى، إذ دعمت قدرات المراقبة والاعتراض البحري وإدارة الحدود في تونس، وتعقب حركة الأموال. وهذا يعني أن السيطرة على المجال البحري والحدود ومسارات الأموال لا تمثل شأنًا داخليًا محضًا، إنما أصبحت جزءًا من وظيفة إقليمية متبادلة بين تونس وأوروبا.
من هنا يكتسب ملف الأسطول دلالة إضافية. فهو، بهذا المعنى، حركة بحرية دولية تنطلق من المجال التونسي أو ترتبط به، وتتحرك خارج ترتيبات الدولة، وتتجه نحو منطقة شديدة الحساسية أمنيًا وسياسيًا. وبالتالي قد ترى السلطة أن عليها إثبات قدرتها على:
مراقبة استعمال المجال البحري.
معرفة مصادر التمويل ومساراته.
منع تحرك جماعات دولية لا تمر عبر قنوات الدولة.
إخضاع الجمعيات والمنظمين لمعايير شفافية صارمة.
عدم السماح بتحول تونس إلى منصة لوجستية لنشاط إقليمي مستقل.
وهكذا يصبح إنهاء النواة الصلبة التي نظمت الأسطول رسالة مزدوجة: رسالة داخلية إلى الجمعيات والمنظمات المدنية في تونس، ورسالة خارجية إلى الشركاء الدوليين، مفادها أن الدولة التونسية لا تفقد السيطرة على الحدود أو حركة الأموال، ولذلك تشدد الرقابة على المجال العام.
ثالثًا: توظيف الهاجس الدُّولي لتجريم "المُروق" على إرادة السلطة
من المعلوم أنه بعد 11 سبتمبر، استثمرت الأنظمة العربية اتِّساع مفهوم الإرهاب وغموضه في الدوائر الغربية لترتيب أوضاعها الأمنية الداخلية، وتشديد الخناق على الفضاءات العامة بذريعة مكافحة الجريمة الإرهابية. ولا ننسى أن مجال الاشتباه توسع في الغرب بعد طوفان الأقصى، حيث باتت الدول الأوروبية، على وجه الخصوص، تتحسّس مخاطر انعكاس نتائج الإبادة الجماعية في غزة، في شكل موجات أعمال إرهابية انتقامية على ترابها. ولذلك ضاعفت الرقابة على:
التحويلات المالية غير الرسمية.
الجمعيات التي لا تملك هياكل محاسبية واضحة.
الحملات العابرة للحدود.
الجهات التي تتعامل مع فاعلين مصنفين أو محاصرين.
التبرعات التي يصعب تتبع مسارها النهائي.
في هذا السياق، لا تحتاج السلطة إلى اتهام منظمي الأسطول بالإرهاب، لكنها تستفيد من المنظومة الأمنية المرتبطة بمكافحة الإرهاب وتمويله. فيكفي أن تُقدم الملف باعتباره متعلقًا بـ"تدفقات مالية مشبوهة"، أو "غسيل أموال"، أو "تمويل غير منظم"، وهي عبارات تمنح القضية وزنًا أمنيًا يتجاوز طبيعتها القانونية ويُفسد وجهها التضامني.
الأهم هو أن هذا النوع من التكييف يحقق أربع فوائد للسلطة:
1/ يجعلها تتفادى الاتهامات الغربية بانتهاك حقوق الإنسان.
2/ ينقل النقاش من سؤال: "هل التضامن مع فلسطين مشروع؟" إلى سؤال: "هل الأموال موثقة ومصدرها مشروع؟"
3/ يجعل أي دفاع سياسي عن الموقوفين يبدو، في نظر بعض الأطراف الدولية، دفاعًا عن الإفلات من الرقابة المالية.
4/ يسمح بتقديم تونس باعتبارها دولة تتعاون مع المعايير الدولية في مكافحة غسل الأموال وتمويل العنف والشبكات غير الرسمية.
رابعًا: الأسطول في نظر بروكسل وواشنطن:
تتمثل مصلحة الاتحاد الأوروبي المباشرة في إدارة الهجرة والحدود، ومراقبة الأموال، ومنع تحول الضفة الجنوبية للمتوسط إلى مجال لشبكات غير منضبطة. وفي هذا الإطار، قد تكون بروكسل مرتاحة لأي إجراء يثبت أن تونس تسيطر على المجال البحري والمالي.
بالنسبة إلى واشنطن، ترتبط الأولوية الأمريكية أكثر بمكافحة الإرهاب والتمويل والشبكات العابرة للحدود، والحفاظ على تعاون أمني قابل للتنبؤ. وقد تنظر واشنطن أيضًا بإيجابية إلى إجراءات تظهر أن السلطات التونسية تراقب التمويلات والجهات غير الرسمية.
خامسًا: دلالة الإيقاف الطويل
إذا كانت المخالفات مالية وإدارية، فإن السؤال الأكثر إحراجًا للسلطة لا يتعلق بسبب استمرار الإيقاف التحفظي لهذه المدة، مع بقاء القضية في طور التحقيق وعدم صدور إدانة نهائية. وهنا تظهر الوظائف السياسية المحتملة للإيقاف:
منع إعادة تنشيط الشبكة أثناء التحقيق.
ردع المتبرعين والمتطوعين والفاعلين المدنيين.
إرباك الحملة إعلاميًا ولوجستيًا.
إرسال رسالة إلى بقية الجمعيات بأن العمل العابر للحدود مكلف.
استنزاف المعتقلين وأسرهم ومحاميهم.
حتى لو كان التحقيق مشروعًا في أصله، فإن طول الإيقاف قد يحول التدبير الاحتياطي عمليًا إلى عقوبة سابقة للمحاكمة. وهذا جانب من موضع النقد الحقوقي والسياسي. وبالعموم لا يُفهم إيقاف منظمي "أسطول الصمود" فقط من خلال المخالفات المالية الواردة في الملف، ولا فقط من خلال نظرية المؤامرة الخارجية. فالملف يقع عند تقاطع ثلاثة مستويات: إخلالات تنظيمية ومالية. ورغبة السلطة في تفكيك شبكة مدنية مستقلة قادرة على جمع المال والتحشيد والتواصل الدولي. وحاجة النظام إلى إظهار نفسه أمام الشركاء الغربيين باعتباره ممسكًا بالحدود والتمويلات والحركات العابرة للحدود.
وفي هذا الإطار، قد يكون القضاء المالي آستُخدم لمعالجة مخالفات فعلية، لكنه أُعطي في الوقت نفسه وظيفة سياسية وأمنية تتجاوز محاسبة الأفراد، إلى إحكام القبضة الأمنية على المجال العام.
#عزالدين_بوغانمي (هاشتاغ)
Boughanmi_Ezdine#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟