أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - خلف علي الخلف - السلفية الشعرية الجديدة في سوريا














المزيد.....

السلفية الشعرية الجديدة في سوريا


خلف علي الخلف

الحوار المتمدن-العدد: 8836 - 2026 / 9 / 22 - 13:57
المحور: قضايا ثقافية
    


في الدراسات الحديثة، تُستخدم "السلفية" غالبًا للإشارة إلى تيارات إسلامية سنية حديثة تسعى إلى إعادة تشكيل الاعتقاد والممارسة الدينية وفق قراءة مثالية للأجيال الأولى. وقد تتخذ أشكالًا مختلفة، منها السلفية العلمية، والسلفية الحركية، والسلفية الجهادية، مع اختلافات كبيرة بينها. تتفق السلفيات على مرجعية الماضي والقياس عليه بوصفه النموذج المعياري الكامل الذي يُقاس عليه، بالرغم من أنها كلها مجرد قراءات تأويلية للنص الإسلامي الثابت.

السلفية الدينية، في نشاطها الدعوي، لا ترفض الحداثة الحياتية، فهي لا تعارض استخدام وسائل الحياة المعاصرة. لكن معظم التيارات السلفية تتبنى موقفًا نقديًا حادًا معارضًا من الحداثة الفكرية والفنية، ويذهب بعضها إلى التطرف، إذ يرى فيها خروجًا عن المرجعية الدينية أو عن التصورات الأخلاقية الموروثة، وهي مجرد تأويلات فردية حاولت فرضها تلك الجماعات، وفشلت لأنها تعاند مسيرة الحياة.

ما جرى في مهرجان الشعر العربي الذي نظمته وزارة الثقافة السورية يستحق التوقف. فهو ليس مجرد فعالية شعرية عادية، كالأمسيات التي تتابعت في المراكز الثقافية في المحافظات، إنه محاولة لإعادة رسم صورة دمشق. يُعدّ مهرجان الشعر العربي مؤشرًا إلى تصور ثقافي آخذ في التشكل، يحاول المتنفذون في القطاع الثقافي فرضه حسب توجهاتهم السلفية الثقافية. من خلال المهرجان، رسموا تصورًا يعيد قصيدة النظم العمودية إلى موقع التعريف بالشعر، ويقدمها كأنها المعيار الطبيعي والأصيل، فيما يُدفع المنجز الشعري العالمي الحديث إلى الهامش، أو يُعامل كأنه انحراف عن الشعر، لا أحد وجوه تطوره الكبرى.

المشكلة هنا ليست في القصيدة العمودية. فهي جزء أصيل من التراث العربي، وفيها تجارب عظيمة لا يمكن إنكارها. المشكلة تبدأ حين تتحول إحدى صيغ الشعر السالفة إلى تعريف وحيد للشعر، وحين يُختزل تاريخ القصيدة في العودة إلى الوزن والقافية، كأن قرنًا كاملًا من التحولات الشعرية في العالم لم يحدث.

الشعر العربي نفسه لم يتوقف عند العمود. قصيدة التفعيلة، وقصيدة النثر، والتجارب التي أعادت النظر في اللغة والصورة والإيقاع وبنية القصيدة، كلها أسهمت في توسيع مفهوم الشعر العربي، وربطه بالتحولات الكبرى التي عرفها الشعر العالمي. إقصاء هذا المنجز لا يعيد للشعر عافيته، إنه يعيد رسم حدوده وفق ذائقة سلفية ثقافية تفرض تصورها من خلال السلطة التي بيدها. الأكثر دلالة أن يكون ضيوف المهرجان أصحاب تجارب بائسة لا ترقى حتى إلى مستوى النظم الجيد، فقد فرّق العرب بين النظم والشعر منذ البدء.

إن بلاد الشام والعراق نقلت الشعر العربي الحديث إلى آفاق رحبة، منسجمة مع الاتجاهات العالمية في المسار الشعري. وإذا كانت هذه البلاد قد قدمت، قديمًا وحديثًا، شعراء رفيعي المستوى في الشعر العمودي، فإنها قدمت أعلام قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.

إن بعض التجارب البائسة التي قُدّمت في ذلك المهرجان بوصفها "الشعر" لم تعد تجد مكانًا لها في أي وسيلة نشر محترمة، حتى في بريد القراء. الأكثر بؤسًا أن تُقدَّم تلك الأصوات شعراء وشاعرات، وهم لم يقدموا سوى نظم طافح بالركاكة، ومضمون طافح بالخواء المعرفي. إن فرض نمط شعري بأكثر نماذجه بؤسًا هو تمامًا ما فعلته السلفية الدينية المتطرفة حين استحكمت بالسلطة هنا أو هناك، ففرضت نموذجها المنغلق في الحياة بقوة السلطة. إن مشاركة نماذج بائسة فكرًا وأسلوبًا، حتى بمعايير النظم، حدثت وتحدث على الدوام. لكن أن تُختصر تجربة الشعر العربي والمنجز الشعري العربي أو العالمي إلى هذا الشكل، فهذا يعيد تعريف دمشق ثقافيًا، بجعلها عاصمة ثقافية للشعرية السلفية التي تخلت عنها جميع البلاد العربية.

القصدية كانت واضحة، أن تتحول اختيارات كهذه إلى إعلان ضمني عن الذائقة التي تريد المؤسسة الثقافية السورية اعتمادها وتعميمها، وجعلها المعيار التام الذي يُقاس عليه.

هذه هي ملامح السلفية الشعرية، ليست بالضرورة سلفية في شكل القصيدة، ولا حتى في موضوعها، إنما في فرض تصورها لما ينبغي أن يكون عليه الأدب، ولما يجوز أن يدخل في تعريف الشعر، ولما ينبغي استبعاده. إنها تبدأ من الحنين إلى نموذج واحد، ثم تنتهي إلى سلطة معيارية تضع الأدب في خانة الحلال والحرام الجمالي، والأصيل والدخيل، والصحيح والمنحرف.

سوريا ليست بحاجة إلى من يأتي ليعلم السوريين الشعر، بنماذج رثة لا تجد مكانًا إلا في شبكات التواصل، كما لو أن البلاد لم تنتج شعراء ومجددين ومدارس أدبية، ولم تكن جزءًا من الحراك العربي الحديث في الثقافة والفكر. سوريا بلد متعدد في لغاته وبيئاته وذاكرته وتقاليده، وهذه التعددية لا تُدار بفرض ذائقة واحدة، ولا تُختزل في صورة ثقافية مستوردة من خارج تجربتها.

نحن بحاجة إلى مهرجانات تفتح المنابر، لا إلى مهرجانات تضيق بها. نحتاج إلى أصوات جديدة في الشعر، في قصيدة التفعيلة، والنثر، والعمودي إن وُجد، بالرغم من أنه استنفد زمنه وجمالياته وبلاغته. نحتاج إلى أصوات مجددة، إلى التجارب المحلية والعربية والعالمية، وإلى حوار نقدي يختبر قيمة القصيدة، بدلاً من أن يمنحها شرعيتها مسبقًا من شكلها وحده.

الثقافة التي تستحقها سوريا هي التي تثق بإبداع السوريين، وتعرف أن استعادة العافية الثقافية لا تعني استعادة الماضي كسلفية ثقافية معيارية يُقاس عليها الحاضر، ولا تحويل التراث إلى سلطة رقابية على الحاضر. الشعر ليس ثوبًا واحدًا يُفرض على الجميع، ولا منبرًا لتكريس لون ثقافي واحد. الشعر فضاء للاختلاف، وكلما اتسع هذا الفضاء، اتسعت سوريا نفسها.



#خلف_علي_الخلف (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نحو قراءة تاريخية لهويات السريان والآشوريين والكلدان
- السريان وتأميم التاريخ والتراث المسيحي السوري
- تاريخ اسم سوريا وتحولات النسبة: من سوري جغرافيًّا إلى سرياني ...
- خلاّط الهويات القومية: كيف نخلط آشورياً وآرامياً وكلدانياً و ...
- قصة نجاح ببلاغة وزير الإعلام السوري
- معركة الويسكي في سوريا: صراع إجتماعي أم صراع على السلطة وداخ ...
- بعد الذكاء الاصطناعي: وداعًا للمدقق اللغوي والمحرر الصحفي وا ...
- رجاءاً لا تأخذوا معلوماتكم من وزير الإعلام السوري
- قرار منع المكياج: دعونا نواجه الحقائق المرة بشجاعة
- الكتاب الأبيض: في الفصل بين حقوق الأكراد و«قسد»
- نظام الرثاثة: سلطة صنعت من القبح وعاشت فيه
- الرُّوع لزهران القاسمي: الوهم بوصفه أداة للتحكم في الوعي
- عن عراقي في باريس: الذي حول سيرة العائلة الى نشيد تسامح
- زميلي ماركس في البادية يورد الإبل
- تهمة الطائفية: حينما تصنع المخابرات التهمة ويكرّسها المثقفون
- تحالف المسعورين: حرب داخليّة ضد السلطة الانتقالية في سوريا
- حماية الدروز في سوريا: شماعة إسرائيلية جديدة لضمان الهيمنة
- عمر سليمان: صوت الجزيرة الذي احتفت به شعوب العالم وأنكره الس ...
- الإيمان والسوط: سيرة الكنيسة القبطية في مواجهة الفكر
- تفكيك الأكاذيب: العرب والمسيحية وحمّى التزييف الأيديولوجي ال ...


المزيد.....




- من المزرعة إلى الطائرة.. هكذا تُزرع يوميًا 3 أطنان من الخضار ...
- صفقة اندماج باراماونت ووارنر تقترب من الحسم.. ماذا عن CNN؟
- شاهد.. استراحة على الطريق في اليمن تتعرض لضربة جوية ضخمة
- كيف تعتني ببشرتك إن كنت في سن المراهقة؟ خمس نصائح من الخبراء ...
- خطة أميركية بشأن منشآت الطاقة في الخليج.. واشنطن تقترح إنشاء ...
- ترامب يشيد بعمدة نيويورك بعد لقاء -ودّي-.. وممداني يجدد وصف ...
- العراق يرسم مسار حصر سلاح الفصائل.. وإسرائيل تتحسب لهجمات مح ...
- الجيش الأوكراني يفشل في إسقاط أي صاروخ باليستي خلال الغارات ...
- هل يستحضر ترامب وشي بيانا عمره 44 عاما؟
- الصين تختبر أول محطة طاقة شمسية تحت الماء في عرض البحر


المزيد.....

- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - خلف علي الخلف - السلفية الشعرية الجديدة في سوريا