|
|
تطورات الحرب الروسية الأوكرانية من حرب الجبهة إلى حرب العمق والاستنزاف الاستراتيجي
فارس آل سلمان
الحوار المتمدن-العدد: 8835 - 2026 / 9 / 21 - 08:50
المحور:
الارهاب, الحرب والسلام
ثمة لحظات في الحروب لا تكمن أهميتها في حجم الانفجار الذي تحدثه، ولا في عدد الأهداف التي تدمرها، بل في الرسالة التي تصل إلى الطرف الآخر بعد أن ينطفئ صوت الانفجار. وفي تقديري، فإن ما شهدته روسيا يوم 20 أيلول/سبتمبر 2026 ينتمي إلى هذه اللحظات. فالهجوم الأوكراني الواسع بالمسيّرات على موسكو ومناطق أخرى داخل روسيا لم يكن مجرد عملية عسكرية إضافية في حرب دخلت عامها الخامس، وإنما كان مؤشرًا على تحول أعمق في طبيعة الصراع: انتقال متزايد من حرب السيطرة على الأرض إلى حرب استنزاف العمق، ومن محاولة هزيمة الجيش في الميدان إلى محاولة إضعاف المنظومة التي تمكّن الجيش من الاستمرار في القتال. ووفق المصادر الروسية، أُطلقت أعداد ضخمة من المسيّرات خلال الهجوم، ووصل المئات منها باتجاه موسكو، فيما أصيبت مصفاة موسكو النفطية ومنشآت أخرى، إلى جانب سقوط ضحايا مدنيين. أما المصادر الأوكرانية فتحدثت عن استخدام مزيج من المسيّرات والصواريخ بعيدة المدى المنتجة محليًا، في واحدة من أكبر عمليات الضرب العميق منذ بداية الحرب. وهنا ينبغي ألا يكون السؤال العسكري: كم مسيّرة وصلت إلى هدفها؟ بل: كم كلف اعتراض هذه المسيّرات؟ وكم منظومة دفاع جوي اضطرت روسيا إلى تشغيلها؟ وكم وحدة إنذار ورادار وطيران جرى استنفارها؟ وكم مطارًا أو منشأة أو خطًا لوجستيًا تعطّل حتى لساعات؟ لأن الحرب الحديثة لا تُقاس فقط بما يدمره السلاح، بل بما يجبر الخصم على إنفاقه لمنع السلاح من الوصول. وهذه نقطة شديدة الأهمية.
قد تطلق دولة مسيّرة تكلف عشرات أو مئات الآلاف، فيضطر الطرف المقابل إلى تشغيل منظومة دفاعية أعلى كلفة بكثير، وتحريك طائرات واعتراضات ورادارات وقوات حماية، وتعطيل الملاحة الجوية، وإغلاق أجزاء من المجال الجوي. وهنا يصبح الهدف العسكري الحقيقي أوسع من الهدف المادي المباشر. إنه (إجبار الخصم على توزيع موارده الدفاعية على مساحة جغرافية هائلة). روسيا تمتلك واحدة من أوسع المساحات الجغرافية في العالم. وكان هذا العمق، عبر التاريخ، أحد عناصر قوتها الاستراتيجية. لكن التكنولوجيا الحديثة بدأت تقلب جزءًا من هذه المعادلة. فالعمق الجغرافي الذي كان يمنح الدولة حماية، قد يتحول إلى عبء عندما تصبح مضطرة إلى حماية آلاف الكيلومترات من المنشآت والمطارات والمصافي ومراكز التخزين وخطوط السكك الحديدية ومحطات الطاقة. وهنا تظهر المفارقة. كلما ازداد مدى المسيّرة، اتسعت مساحة الدفاع المطلوبة. وكلما اتسعت مساحة الدفاع، أصبح توزيع منظومات الدفاع الجوي أكثر صعوبة. وهكذا فإن أوكرانيا لا تحتاج بالضرورة إلى تدمير كل منشأة تستهدفها. يكفي أحيانًا أن تجعل روسيا تعتقد أن أي منشأة في عمقها يمكن أن تصبح هدفًا. وهذه في حد ذاتها نتيجة استراتيجية. فالحرب لا تُخاض بالسلاح فقط. تُخاض أيضًا (بإدارة القلق العسكري لدى الخصم). قبل سنوات كان السؤال: هل تستطيع أوكرانيا منع القوات الروسية من احتلال مزيد من أراضيها؟ ثم أصبح: هل تستطيع استعادة ما فقدته؟ أما اليوم فقد ظهر سؤال ثالث: إلى أي مدى تستطيع أوكرانيا نقل كلفة الحرب إلى داخل المنظومة الروسية نفسها؟ وهذا تحول مهم في التفكير العسكري. فالجبهة ليست سوى الطبقة الأولى من الحرب. خلفها توجد مستودعات الذخيرة. ثم خطوط السكك الحديدية. ثم المطارات. ثم مصانع السلاح. ثم المصافي ومحطات الطاقة. ثم الاقتصاد الذي يمول هذه المنظومة كلها. والقوة العسكرية الحقيقية لا تبدأ بالدبابة الموجودة في الخندق. إنها تبدأ قبل ذلك بآلاف الكيلومترات: في مصنع يصنع محركها، ومصفاة توفر وقودها، و منشأة تنتج ذخائرها، وخط سكة ينقلها، وموازنة دولة تدفع رواتب جنودها. ولهذا فإن الحرب الحديثة أصبحت حربًا ضد (منظومة إنتاج القوة) بقدر ما هي حرب ضد القوة الموجودة في الميدان.
ومن هنا يمكن فهم الاستهداف المتكرر للمصافي الروسية. فمصفاة النفط ليست مجرد منشأة اقتصادية. إنها عقدة تربط بين الطاقة والاقتصاد واللوجستيات والحرب. روسيا دولة مصدرة ضخمة للطاقة، لكن النفط الخام وحده لا يحرك دبابة ولا شاحنة عسكرية ولا طائرة. ما يحركها هو الوقود المكرر وشبكات التخزين والتوزيع والنقل. ولهذا فإن استهداف قدرات التكرير يحمل أثرًا مختلفًا عن استهداف آبار النفط نفسها. مصفاة موسكو، على سبيل المثال، كانت تعالج نحو 12 مليون طن سنويًا، وقد تحدثت المصادر الأوكرانية عقب الهجوم عن أضرار وإيقاف عمليات داخل أجزاء من المنشأة، بينما ينبغي التعامل مع تقديرات حجم التعطيل بوصفها تقديرات طرف مشارك في الحرب وليست قياسًا مستقلاً نهائيًا. لكن الأهم من المنشأة الواحدة هو (التراكم). ضربة منفردة قد يمكن اصلاح اضرارها. أما سلسلة ضربات موزعة على مصافٍ ومستودعات ومحطات نقل ومراكز لوجستية فإنها تخلق مشكلة من نوع آخر. المشكلة عندئذ ليست فقدان منشأة. بل اضطراب الشبكة. وهنا ننتقل من التكتيك إلى العمليات. في علم الحرب هناك فارق بين (الهدف التكتيكي) و(الهدف العملياتي) و(الهدف الاستراتيجي). تكتيكيًا، قد يكون الهدف إصابة منشأة. عملياتيًا، يكون الهدف تعطيل شبكة الإمداد التي تعتمد عليها عدة تشكيلات أو مناطق. أما استراتيجيًا، فالهدف هو رفع كلفة استمرار الدولة في الحرب. وهذا، في تقديري، هو الاتجاه الذي تتحرك نحوه أوكرانيا بصورة متزايدة. فهي تعرف أنها لا تستطيع منافسة روسيا دبابة مقابل دبابة، أو صاروخًا مقابل صاروخ، أو جنديًا مقابل جندي على المدى الطويل. روسيا أكبر مساحة وسكانًا، وتمتلك قاعدة صناعية وموارد طبيعية أوسع. ولهذا فإن المنطق الأوكراني يقوم على البحث عن (عدم التماثل). أي ألا تنافس خصمك في المنطقة التي يتفوق فيها عليك، بل تنقل المنافسة إلى منطقة تستطيع فيها إبطال جزء من تفوقه. والمسيّرات من أهم أدوات هذه الحرب غير المتماثلة. إنها أرخص نسبيًا. يمكن إنتاجها بأعداد كبيرة. ويمكن إطلاقها ضمن موجات معقدة تجعل الدفاع الجوي مضطرًا إلى التعامل مع عشرات أو مئات المسارات والإنذارات في وقت واحد. وتزداد قيمة هذه الأداة حين تُدمج مع الاستطلاع الفضائي، والاستخبارات، والحرب الإلكترونية، وتحليل صور الأقمار الصناعية، والقدرة على تحديد نتائج الضربة وإعادة الهجوم على الهدف إذا لم يتحقق الأثر المطلوب. وهنا تظهر إحدى الثورات الكبرى التي أحدثتها حرب أوكرانيا في الفكر العسكري: لم تعد القوة النارية وحدها هي العنصر الحاسم، بل سرعة الدورة بين اكتشاف الهدف واتخاذ القرار وضربه وتقييم النتيجة. وهي ما يسميه العسكريون أحيانًا اختصارًا (سلسلة القتل). كلما أصبحت هذه الدورة أسرع، أصبح الجيش أخطر حتى لو لم يكن يمتلك العدد الأكبر من الأسلحة.
لكن المسألة لها وجه آخر. روسيا تتعلم أيضًا. وهذا خطأ يقع فيه كثير من المحللين عندما يتعاملون مع الحرب وكأن طرفًا واحدًا يطور تكتيكاته فيما يبقى الطرف الآخر ثابتًا. الجيوش التي تبقى أربع أو خمس سنوات داخل حرب بهذا الحجم تتحول إلى مؤسسات تعلم مستمر. روسيا بدورها طورت استخدام المسيّرات، ووسعت إنتاج الذخائر، وطورت أساليب الهجوم المركب بالصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والمسيّرات، وحاولت استنزاف الدفاعات الجوية الأوكرانية عبر إرسال أنواع مختلفة من الأهداف وعلى موجات متعددة. وفي الأسابيع الأخيرة ظهرت أيضًا مؤشرات على استخدام موسكو صواريخ تدريبية معدلة وأقل كلفة ضمن حملتها، وهو ما يسمح لها بالحفاظ على بعض صواريخها الأكثر تطورًا لمهام أخرى، وفي الوقت نفسه إبقاء الضغط مستمرًا على الدفاعات الأوكرانية. وهنا نصل إلى مفهوم بالغ الأهمية: (اقتصاد الذخيرة). في الحرب الطويلة لا يسأل القائد فقط: ما أفضل سلاح لدي؟ بل يسأل: ما السلاح الذي أستطيع إنتاجه واستخدامه اليوم وغدًا وبعد ستة أشهر؟ الحرب القصيرة يمكن أن تُخاض بالمخزون. أما الحرب الطويلة فتخوضها المصانع. ولهذا فإن أحد أكثر الصراعات أهمية خلف ستار الحرب الأوكرانية هو السباق بين القدرة على التدمير والقدرة على التعويض. كم مسيّرة يمكن إنتاجها شهريًا؟. كم صاروخ اعتراض؟. كم قذيفة مدفعية؟. كم مدفعًا يمكن إصلاحه؟. كم دبابة يمكن إعادتها إلى الخدمة؟. وكم شهرًا تستطيع الخزانة تمويل كل ذلك؟. حين تمتد الحرب سنوات، تصبح خطوط الإنتاج جزءًا من الجبهة. ومن هنا تدخل بريطانيا إلى الصورة. فالموقف البريطاني لا يمكن اختزاله في إرسال ذخيرة أو بضعة أنظمة متطورة. في نيسان/أبريل 2026 أعلنت لندن حزمة تتضمن (ما لا يقل عن 120 ألف مسيّرة لأوكرانيا خلال العام، بينها آلاف المسيّرات بعيدة المدى) إلى جانب أنواع للاستطلاع واللوجستيات والعمليات البحرية. لكن الرقم، رغم ضخامته، ليس أهم ما في المسألة. الأهم هو التحول من مفهوم (تزويد أوكرانيا بالسلاح) إلى مفهوم (بناء قدرة أوكرانية مستدامة على إنتاج السلاح واستخدامه وتطويره). وفي آب/أغسطس 2026 وافقت بريطانيا على السماح لشركة MBDA بمشاركة معلومات مصنفة تتعلق بالمكونات البريطانية لصاروخ SCALP، ضمن مسار يستهدف إنشاء خطوط تجميع محلية في أوكرانيا، بالتعاون مع الصناعة الفرنسية والبريطانية. وهذا تطور استراتيجي أكبر من مجرد تسليم دفعة صواريخ. لأن هناك فرقًا جوهريًا بين أن تمنح دولةً صاروخًا، وبين أن تساعدها على بناء جزء من القدرة على صناعة الصاروخ. الصاروخ يُطلق وينتهي. أما المعرفة الصناعية فتبقى. والدولة التي تتعلم كيف تنتج سلاحها، وكيف تعدله، وكيف تصلحه، وكيف تزيد مداه أو تخفض تكلفته، تنتقل تدريجيًا من موقع المستهلك العسكري إلى موقع المنتج. وهذا أحد أهم تحولات أوكرانيا منذ 2022. لكن الضرب العميق يحمل أيضًا معضلة عسكرية. كلما ازدادت قدرة أوكرانيا على الوصول إلى الداخل الروسي، ازدادت حاجة موسكو إلى إعادة توزيع دفاعاتها الجوية. وهذا قد يعني سحب بعض منظومات الحماية من مناطق أخرى. ومن هنا يصبح للهجوم تأثير غير مباشر على الجبهة. إذا اضطر الخصم إلى نقل منظومة دفاع جوي لحماية مصفاة أو مدينة أو منشأة استراتيجية في العمق، فإن تلك المنظومة لن تكون موجودة في مكان آخر. وهنا يصبح أثر المسيّرة أحيانًا أكبر من رأسها الحربي. فهي تعيد تشكيل (انتشار قوات الخصم). وفي الحرب، إجبار خصمك على التحرك وفق احتياجاتك هو شكل من أشكال السيطرة. لكن المعادلة تعمل في الاتجاهين. روسيا هي الأخرى تحاول إجبار أوكرانيا على توزيع دفاعاتها الجوية بين المدن والقواعد والمنشآت الصناعية ومحطات الكهرباء والجبهة. وضرباتها المتواصلة على الاقتصاد الأوكراني، بما في ذلك منشآت صناعية ولوجستية وتجارية، تشير إلى أن موسكو نفسها تخوض حربًا تستهدف القدرة الاقتصادية على الاستمرار، وليس المواقع العسكرية المباشرة وحدها. وهكذا أصبح الطرفان يخوضان حربين متداخلتين: حربًا على الجبهة. وحربًا على قدرة المجتمع والدولة خلف الجبهة على إبقاء الجبهة حية. ومن هنا أيضًا ينبغي فهم Storm Shadow وSCALP والأسلحة بعيدة المدى. أهمية الصاروخ ليست فقط في مداه. المدى يعيد رسم الخريطة العسكرية. إذا كان مدى السلاح خمسين كيلومترًا، يستطيع الخصم وضع مخازنه ومراكز قيادته خلف هذه المسافة. إذا أصبح المدى خمسمائة كيلومتر، فإن المساحة التي كان يعتبرها "خلفية آمنة" تتقلص بصورة هائلة. وهذا يجبره على نقل مستودعاته بعيدًا، وتفريقها، وزيادة الحماية، وزيادة زمن النقل إلى الجبهة. أي أن السلاح لا يحتاج إلى إصابة كل مستودع. مجرد وجوده يفرض تكلفة لوجستية دائمة. وهذا من أعمق معاني الردع العسكري: أن تجعل الخصم يغير سلوكه حتى عندما لا تطلق النار. ولهذا ينبغي النظر إلى السياسة البريطانية والأوروبية ضمن صورة أوسع بكثير. أوروبا لم تعد تنظر إلى الحرب الأوكرانية فقط باعتبارها نزاعًا يقع على الطرف الشرقي للقارة. بالنسبة إلى قطاع كبير من مؤسساتها وحكوماتها أصبحت الحرب مرتبطة بمستقبل بنية الأمن الأوروبي نفسها. وهذا التحول يظهر في الأرقام. فوفق وكالة الدفاع الأوروبية، بلغ الإنفاق الدفاعي لدول الاتحاد الأوروبي نحو 418 مليار يورو عام 2025، ويُتوقع أن يبلغ نحو 454 مليار يورو في 2026، مع ارتفاع كبير في الإنفاق على شراء المعدات والأبحاث الدفاعية. هذه ليست حركة موازنات عابرة. إنها تعكس تحولا في التصور الأوروبي للزمن. أوروبا التي بنت جزءًا كبيرًا من فلسفتها بعد الحرب العالمية الثانية على فرضية السلام الطويل بدأت تستعد لاحتمال أن يكون السلام القادم أكثر تسلحًا مما كان عليه السلام السابق. وألمانيا هي المثال الأكثر أهمية. فحين يتحول النقاش داخل أكبر اقتصاد صناعي أوروبي من حجم صادرات السيارات والماكينات إلى القدرة على إنتاج الذخائر وأنظمة الدفاع والمركبات العسكرية، فإننا لا نتحدث فقط عن عقود تسليح. نحن نتحدث عن بداية إعادة تعريف وظيفة جزء من القاعدة الصناعية الأوروبية. وفي الحروب الكبرى، هذه التحولات أهم أحيانًا من تغير بضعة كيلومترات على الخريطة. لكن أوروبا لا تتحرك بسبب روسيا وحدها. هناك أيضًا سؤال الولايات المتحدة. منذ نهاية الحرب العالمية الثانية بنت أوروبا الغربية أمنها على فرضية ضمنية: أن المظلة الأميركية موجودة، وأن القوة الأميركية ستتدخل عند الضرورة. لكن الولايات المتحدة نفسها تنظر أكثر فأكثر إلى العالم باعتباره مجموعة ساحات متنافسة على الموارد والاهتمام: أوروبا. الصين والمحيط الهادئ. الشرق الأوسط. والداخل الأميركي. ولهذا بدأ سؤال كان مؤجلًا عقودًا يفرض نفسه على العواصم الأوروبية: ماذا لو اضطرت أوروبا في المستقبل إلى تحمل حصة أكبر بكثير من كلفة أمنها؟ وهذا السؤال قد يكون في الأجل الطويل أكثر تأثيرًا من حرب أوكرانيا ذاتها. لأن الحرب قد تنتهي. أما إعادة بناء قدرة عسكرية أوروبية مستقلة نسبيًا فهي عملية يمكن أن تستمر عقودًا. أما روسيا فهي لا تنتظر بدورها أن يفرض الآخرون عليها قواعد اللعبة. موسكو تعرف أنها تواجه حرب استنزاف. وتعرف أن الغرب يراهن على الزمن بقدر ما يراهن على السلاح. هناك رهان على الاقتصاد الروسي. وهناك رهان على الاستنزاف البشري. وعلى قدرة الصناعة على التعويض. وعلى تماسك المجتمع. وعلى استمرارية شبكة التحالفات. ولهذا لا تُقاس قدرة روسيا على الاستمرار بعدد الدبابات الموجودة اليوم، وإنما بمقدار قدرتها على إنتاج القوة غدًا. وهنا يدخل العامل البشري. روسيا دولة كبيرة، لكنها تواجه مثل كثير من الدول الأوروبية مشكلات ديموغرافية طويلة الأمد، والحرب تستهلك أكثر الفئات أهمية بالنسبة إلى الجيش والاقتصاد معًا. ولهذا تحمل الاستعانة بقوات ودعم من كوريا الشمالية معنى أوسع من مجرد زيادة عدد الجنود. فهي تشير إلى أن موسكو تحاول تحويل شبكة علاقاتها الدولية إلى مورد عسكري مباشر. وقد شاركت قوات كورية شمالية إلى جانب القوات الروسية منذ 2024، فيما استمرت بيونغ يانغ وموسكو في تعميق تعاونهما العسكري والسياسي. أي أن الحرب الأوكرانية لم تعد منذ زمن حرب دولتين. إنها أصبحت شبكة موارد دولية: سلاح، ذخيرة، مال، تكنولوجيا، معلومات، طاقة، جنود. ولهذا فإن قياس ميزان القوة على الخريطة الأوكرانية وحدها لم يعد كافيًا. لكن التحدي الأكثر قسوة في أي حرب استنزاف يبقى المال. الحرب الحديثة آلة شديدة النهم. الجندي يحتاج إلى راتب وطعام وذخيرة ونقل وعلاج. والدبابة تحتاج إلى وقود وقطع غيار. والصاروخ يحتاج إلى إلكترونيات ومواد متقدمة ومصانع. والمسيّرة التي تبدو رخيصة تحتاج، عندما تتحول إلى عشرات الآلاف، إلى سلسلة إنتاج كاملة. ثم يأتي ما هو أكثر كلفة: تعويض ما دمره العدو. ولذلك فإن السؤال الاستراتيجي لكل دولة في حرب طويلة ليس: هل أستطيع دفع كلفة هذا الشهر؟
بل: هل أستطيع أن أدفعها بعد ثلاث سنوات؟ روسيا تستطيع تحمل قدر كبير من الضغط لأنها تملك النفط والغاز والمواد الخام وقاعدة صناعية كبيرة. لكن امتلاك المورد شيء، وامتلاك الأسواق شيء آخر. وهنا تدخل الصين.
بعد انكماش جزء كبير من السوق الأوروبية أمام صادرات الطاقة الروسية، ازدادت أهمية آسيا بالنسبة إلى موسكو. والمشروع الذي كان يعرف باسم "قوة سيبيريا 2"، وأعيدت تسميته في أيلول/سبتمبر 2026 إلى "قوة بايكال"، يحمل معنى أعمق من كونه أنبوب غاز بطول آلاف الكيلومترات. المشروع المقترح صُمم لنقل نحو 50 مليار متر مكعب من الغاز سنويًا من الحقول الروسية باتجاه الصين عبر منغوليا، لكن الخلاف على الأسعار والشروط ظل أحد عناصر تأخره. وهذه النقطة تكشف جوهر العلاقات بين الدول الكبرى. الصين تحتاج إلى الطاقة الروسية. وروسيا تحتاج إلى السوق الصينية. لكن الحاجة ليست متساوية بالضرورة. ومن يحتاج الآخر أكثر يدخل المفاوضات بأوراق أقل. ولهذا فإن أحد الآثار الاستراتيجية غير المباشرة للحرب قد يكون انتقال جزء متزايد من مركز الثقل الاقتصادي الروسي من الغرب إلى الشرق، ولكن ضمن علاقة تصبح فيها بكين أكثر قدرة على التفاوض. ومن هنا تظهر خصوصية الاستراتيجية الصينية. روسيا تحارب. أوكرانيا تُستنزف. أوروبا تنفق مئات المليارات على إعادة التسلح. والولايات المتحدة توزع مواردها بين أكثر من مسرح استراتيجي. أما الصين فتحاول، قدر الإمكان، ألا تسمح بأن تُفرض عليها اللحظة التي تختار فيها القوى الأخرى توقيت المواجهة. وهذا لا يعني أنها تقف خارج الصراع الدولي. بل يعني أنها تستخدم أداة مختلفة: الصبر الاستراتيجي. حيث تشتري الطاقة. توسع صناعتها. تطور قواتها المسلحة. تبني مخزوناتها. توسع تجارتها. وتراقب الطريقة التي تستنزف بها القوى الأخرى بعضها بعضًا. والقوة الكبرى لا تحتاج دائمًا إلى أن تربح الحرب التي تدور أمامها. قد يكون كافيًا لها أن يخرج منافسوها منها أكثر ضعفًا، بينما تخرج هي أكثر قدرة. وهنا نصل إلى جوهر الحرب الأوكرانية. لا روسيا تستطيع أن تفترض أن الحرب يمكن أن تستمر بلا كلفة إلى ما لا نهاية. ولا أوكرانيا وأوروبا تستطيعان أن تفترضا أن آلاف المسيّرات وحدها ستجبر موسكو على التخلي عن أهدافها. الجميع يعرف أن الحروب، مهما طال زمنها، تدخل في النهاية مرحلة سياسية. لكن الخطأ هو الاعتقاد أن المفاوضات تبدأ عندما يجلس المفاوضون حول الطاولة. المفاوضات بدأت منذ اللحظة التي بدأت فيها الحرب. كل كيلومتر جرى احتلاله هو ورقة. كل كيلومتر جرى استعادته هو ورقة. كل جسر بقي قائمًا أو دُمّر هو ورقة. كل مصنع سلاح جديد هو ورقة. كل مصفاة تتوقف هي ورقة. كل مليار يضاف إلى الموازنة العسكرية هو ورقة. وكل شهر يستطيع أحد الطرفين الصمود فيه أكثر من الآخر يغير قيمة أوراق الجميع.
ولهذا فإن ما نشاهده اليوم هو صراع على **شكل طاولة التفاوض المستقبلية** قبل أن توجد الطاولة نفسها. روسيا تريد أن تصل إلى أي تسوية محتملة وهي تحتفظ بأكبر قدر ممكن من الأرض والقوة والنفوذ. وأوكرانيا وحلفاؤها يريدون أن تدخل روسيا تلك المرحلة وهي تواجه كلفة عسكرية واقتصادية أكبر تجعل هامش خياراتها أضيق. ومن هنا نفهم لماذا أصبحت المصافي والمطارات والمصانع وخطوط السكك الحديدية والدفاعات الجوية جزءًا من المعادلة السياسية المستقبلية. الحرب العسكرية تصنع شروط السياسة. لكن هناك درسًا أعمق من روسيا وأوكرانيا. إنه يتعلق بمفهوم الأمن نفسه. الدول التي تدرك أن أمنها مترابط تتصرف بطريقة مختلفة عن الدول التي تعتقد أن النار ستتوقف عند حدود الآخرين. أوروبا، بصرف النظر عن تقييم سياساتها، تتعامل مع أوكرانيا على أساس أن اختلال ميزان القوة في شرق أوروبا يمكن أن يغير البيئة الأمنية للقارة بأكملها. ولهذا ترى جزءًا من الأموال التي تنفقها في أوكرانيا باعتبارها إنفاقًا على أمنها هي. وفي الشرق الأوسط حدث في مراحل كثيرة العكس. تعاملت دول وشعوب مع أزمات جوارها وكأنها ملفات منفصلة: هذه حربهم. وهذه مشكلتهم. وهذا شعب بعيد عنا. ثم اكتشفت المنطقة مرة بعد أخرى أن الجغرافيا لا تحترم هذه الحدود النفسية. الحرب تولد لاجئين. والفوضى تولد الإرهاب. والفراغ يولد التدخل الخارجي. وانهيار اقتصاد دولة ينتقل إلى جيرانها. وانكسار ميزان القوة في دولة يغير حسابات المنطقة كلها. وهنا أعود إلى قاعدة أراها من أكثر قواعد التاريخ قسوة: حين يختل ميزان القوة، لا يوجد ضمان بأن يتوقف الطرف الأقوى عند النقطة التي يتمنى الطرف الأضعف أن يتوقف عندها. ولهذا فإن السلام الحقيقي لا يبنى على الأمنيات. ولا على البيانات الدبلوماسية وحدها. ولا على افتراض حسن النوايا. السلام المستدام يحتاج إلى توازن. والتوازن يحتاج إلى قوة. لكن القوة في القرن الحادي والعشرين لم تعد عدد الدبابات وحده. القوة اليوم منظومة. اقتصاد يستطيع التمويل. وصناعة تستطيع التعويض. وعلم يستطيع الابتكار. واستخبارات تستطيع أن ترى. واتصالات تستطيع أن تنقل المعلومة. ودفاع جوي يستطيع أن يحمي العمق. وتحالفات تستطيع أن توسع موارد الدولة. ومؤسسات تستطيع اتخاذ القرار. ومجتمع يستطيع تحمل الكلفة. وقيادة تعرف متى تستخدم القوة ومتى تحتفظ بها. ثم يأتي العنصر الذي ينساه كثيرون: الزمن. ولهذا فإن حرب أوكرانيا ليست مجرد حرب روسية أوكرانية. إنها مختبر عسكري واستراتيجي ضخم يعيد تعريف مفهوم القوة في القرن الحادي والعشرين. لقد أثبتت أن المسيّرة الرخيصة تستطيع أن تجبر منظومة دفاعية باهظة الثمن على العمل. وأثبتت أن المصنع قد يكون أهم من الدبابة. وأن خط السكك الحديدية قد يكون أهم من الخندق. وأن البرمجيات والذكاء الاصطناعي والاستطلاع يمكن أن تكون أهم من حجم بعض التشكيلات التقليدية. وأثبتت كذلك أن امتلاك أفضل سلاح لا يكفي إذا لم تستطع إنتاجه بالعدد المطلوب. وأن الدولة التي تستهلك الذخيرة أسرع مما تنتجها تبدأ بخسارة الحرب حتى قبل أن يتغير خط الجبهة. بريطانيا تختبر مفهومًا جديدًا للشراكة العسكرية يقوم على نقل جزء من القدرة الصناعية وليس السلاح وحده. أوروبا تعيد بناء قاعدة دفاعية أضعفتها عقود السلام. روسيا تختبر قدرة دولة كبرى على تحويل الاقتصاد والمجتمع والصناعة إلى آلة حرب طويلة الأمد. أوكرانيا تختبر إلى أي مدى تستطيع التكنولوجيا والابتكار والضربات غير المتماثلة تعويض الفارق في الحجم البشري والجغرافي. الولايات المتحدة تعيد ترتيب العلاقة بين التزاماتها الأوروبية ومصالحها العالمية. والصين تراقب الجميع، وتستخلص الدروس، وتراكم عناصر قوتها. ولعل السؤال الذي سيحسم نتيجة هذه المرحلة من التاريخ لن يكون: من امتلك أكبر جيش؟ ولا: من أطلق أكبر عدد من الصواريخ؟ بل ربما يكون: من استطاع أن يحافظ على القدرة على إنتاج القوة بعد أن استهلك الآخرون قوتهم؟ لأن الحروب الطويلة لا ينتصر فيها بالضرورة من يوجه الضربة الأقوى. قد ينتصر فيها من يستطيع توجيه الضربة التالية. ثم التي بعدها. ثم يبقى قادرًا على القتال عندما يبدأ خصمه بحساب ما تبقى لديه. وفي السياسة الدولية، كما في التاريخ، القوة وحدها لا تكفي. القوة الحقيقية هي أن تعرف ماذا تفعل بها، وأين تستخدمها، وكم منها تحتفظ به، ومتى تجعل خصمك ينفق قوته بدلًا منك. وفوق ذلك كله: أن تعرف كيف تجعل الزمن يقاتل إلى جانبك.
#فارس_آل_سلمان (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
ليلة سقوط الأقنعة... رحلة في وعي أمة
-
نحو إطار وطني لإدارة المخاطر وحماية المال العام
-
اسبانيا تنمو بدعم صيني وألمانيا في انكماش مستمر و سكندنافيا
...
-
هل وصلت فرنسا إلى نقطة اللاعودة؟
-
الجيل الجديد من الحروب السيبرانية بين الذكاء الاصطناعي والحو
...
-
كندا تهرول الى الصين في ظل تحديات اقتصادية وجيوسياسية
-
الرئيس دونالد ترامب وثروات القطب الشمالي وغرينلاند:
-
تاثير الحرب الهجينة على الاقتصاد - الجزء الثاني
-
تحديات الوجود الانساني في ظل عالم الاستقطاب وتفكك التحالفات
...
-
تاثير الحرب الهجينة على الاقتصاد
-
صندوق الثروة السيادية النرويجي
-
كاسحات الجليد و اهميتها في الصراع الدولي للسيطرة على الموارد
-
اوربا و الصراع من اجل البقاء ...
-
الاقتصاد الأوروبي في 2025..
-
لماذا يطالب ترامب بضم قناة بنما و كندا وغرينلاند ... صراع وج
...
-
هل ينهار اقتصاد اوربا...؟ و ما هو مستقبل الصناعة الأوروبية
-
الحرب الامريكية - الصينية القادمة ....لكن بحروب الوكالة مع و
...
-
محاولة تصفية الشركات العراقية المملوكة للدولة
-
صناعة التفاهه و النفايات الفكرية
-
الصراع النفطي الخليجي و اتفاقية اقامة منطقة تجارة حرة بين حك
...
المزيد.....
-
زيارة نادرة.. ترامب يلتقي ممداني لأول مرة بمقر إقامته الرسمي
...
-
-نهاية كل فساد ودكتاتورية-.. مقتدى الصدر يعلق على موعد انسحا
...
-
أستراليا تعلن ترشحها لعضوية مجلس الأمن الدولي غير الدائمة لل
...
-
بعد قرن من الحظر.. شبان يسابقون الزمن لإنقاذ كنوز التراث الك
...
-
تباطؤ عبور السفن لمضيق هرمز والنفط عند قاع أكثر من أسبوع
-
إلغاء أكثر من 520 رحلة جوية في طوكيو بسبب اقتراب إعصار -دوجو
...
-
تقرير أممي: الجماعات الإرهابية تجند وتجمع الأموال عبر دعاية
...
-
-روسيا- الموحدة- يتصدر انتخابات الدوما وبوتين يتلقى التهاني
...
-
بلا جوازات سفر أو بوصلة... في الكاميرون، مهاجرات ضحايا سياسة
...
-
روسيا: فوز حزب بوتين بغالبية ساحقة في انتخابات تشريعية شهدت
...
المزيد.....
-
حين مشينا للحرب
/ ملهم الملائكة
-
لمحات من تاريخ اتفاقات السلام
/ المنصور جعفر
-
كراسات شيوعية( الحركة العمالية في مواجهة الحربين العالميتين)
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
علاقات قوى السلطة في روسيا اليوم / النص الكامل
/ رشيد غويلب
-
الانتحاريون ..او كلاب النار ...المتوهمون بجنة لم يحصلوا عليه
...
/ عباس عبود سالم
-
البيئة الفكرية الحاضنة للتطرّف والإرهاب ودور الجامعات في الت
...
/ عبد الحسين شعبان
-
المعلومات التفصيلية ل850 ارهابي من ارهابيي الدول العربية
/ خالد الخالدي
-
إشكالية العلاقة بين الدين والعنف
/ محمد عمارة تقي الدين
-
سيناء حيث أنا . سنوات التيه
/ أشرف العناني
-
الجدلية الاجتماعية لممارسة العنف المسلح والإرهاب بالتطبيق عل
...
/ محمد عبد الشفيع عيسى
المزيد.....
|