فارس آل سلمان
الحوار المتمدن-العدد: 8613 - 2026 / 2 / 9 - 12:03
المحور:
الادارة و الاقتصاد
في السبعينات، كانت فرنسا واحدة من أكبر خمس قوى اقتصادية في العالم، حيث سجلت نموًا اقتصاديًا بنسبة 4%، وكان لديها صناعات ثقيلة متطورة وقطاع نووي متصاعد. كما كانت تمتلك نفوذًا جيوسياسيًا كبيرًا في أوروبا، الشرق الأوسط، وأفريقيا، بالإضافة إلى صناعات عسكرية متقدمة. في عام 1977، افتتحت أكبر مشروع نووي مدني في العالم.
بحلول الثمانينات، كانت فرنسا قد شهدت تطورًا ملحوظًا، حيث سجلت معدلات بطالة أقل من 6%. وبالرغم من ذلك، فإن الفشل في تبني سياسات اقتصادية مستدامة على مر السنين أدى إلى تدهور الوضع الاقتصادي في العقود التالية.
في التسعينات، كانت فرنسا لا تزال تمتلك صناعات مزدهرة وقطاع عام كبير. كان الدين العام لا يتجاوز 60% من الناتج المحلي الإجمالي، وكانت نسب البطالة منخفضة والمجتمع يعيش في رفاهية نسبية. في عام 1992، وقعت فرنسا على اتفاقية ماسترخت التي أسست الاتحاد الأوروبي.
في الألفية الجديدة، استلم الرئيس فرانسوا هولاند منصب الرئاسة في 2012. كانت فرنسا حينها تواجه بعض المشاكل الاقتصادية مثل نسبة بطالة التي بلغت 10% وعجز مالي قدره 5%، والدين العام وصل إلى 1.8 تريليون يورو. ورغم ذلك، كانت هذه المشاكل تعتبر محدودة بالنظر إلى حجم الاقتصاد الفرنسي.
لكن على مدار السنوات العشر التالية، تضاعف الدين العام ليصل إلى 3 تريليونات يورو، ومعه ارتفعت تكاليف الإنفاق الاجتماعي إلى مستويات غير قابلة للاستدامة، بينما بقي الاقتصاد الفرنسي عاجزًا عن تحقيق نمو يتجاوز 1% سنويًا.
فرنسا اليوم تمر بأزمة سياسية واقتصادية خانقة. بين عامي 2022 و2024، تغيرت خمسة حكومات فرنسية، في حين أن البرلمان أصبح منقسمًا إلى ثلاثة كتل ضخمة: اليمين، اليسار، والوسط. هذا الانقسام الحاد أدى إلى شلل سياسي حال دون اتخاذ أي إجراءات إصلاحية حقيقية.
الاقتصاد الفرنسي، الذي يبلغ حجمه 2.6 تريليون يورو، يعاني من عجز حاد في الموازنة، حيث أصبح الدين العام يقدر بـ 3.1 تريليون يورو، ومع الالتزامات شبه الحكومية، يتجاوز الدين 4 تريليونات يورو. هذا الدين يعني أن فرنسا تدفع سنويًا ما بين 67 إلى 70 مليار يورو فوائد، ومن المتوقع أن تتضاعف هذه الفوائد إلى 100-120 مليار يورو بحلول عام 2030، دون تسديد أصل الدين.
وهذا يعني ان لا مساحة مالية للاصلاح او التحديث او الاستثمار و لا برنامج انقاذ
و اصبحت الفوائد اكبر من قطاع الصحة والنقل والطاقة و هذا جعل وكالة فتش في تشرين2/نوفمبر 2024 تخفض التصنيف الائتماني لفرنسا رسميا وهو انذار للاسواق.
اليوم، تعد السندات الفرنسية أكثر مخاطرة من السندات اليونانية والإسبانية، في وقت يعتبر فيه الاقتصاديون أن النموذج الفرنسي الاقتصادي قد أصبح معطلًا. حيث أن الحكومة الفرنسية تنفق على الرعاية الاجتماعية بنسبة 30% من الناتج المحلي، وهي أعلى نسبة في العالم، بينما تشكل الرواتب 14% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو أعلى معدل في أوروبا. علاوة على ذلك، تمثل الضرائب في فرنسا 45.6% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو أعلى معدل في دول الاتحاد الأوروبي.
في ضوء هذا الوضع الاقتصادي المتدهور، تواجه فرنسا خيارين في المستقبل القريب:
إنفجار سوق السندات: في حال استمرت الحكومة الفرنسية في الفشل في اتخاذ إجراءات إصلاحية حقيقية، قد يحدث انفجار في أسواق السندات الفرنسية. هذا يعني أن المستثمرين قد يعتبرون فرنسا دولة غير موثوقة، ما يدفعهم لبيع السندات الفرنسية بكميات كبيرة، مما يزيد من تكاليف الفائدة على الدين العام، ويؤدي إلى اختناق اقتصادي حاد.
التدخل الدولي: في السيناريو الثاني، قد يتدخل صندوق النقد الدولي أو البنك المركزي الأوروبي كما حدث مع اليونان في عام 2011، وهو ما سيكون بمثابة فضيحة سياسية لفرنسا التي تعتبر نفسها من كبار قادة الاتحاد الأوروبي.
إلا أن تدخل المؤسسات الدولية لن يكون كافيًا لتفادي انهيار الاقتصاد الفرنسي، فحجم الاقتصاد الفرنسي أكبر بكثير من الاقتصاد الإيطالي، ما يعني أن أي تدخل سيحتاج إلى إصلاحات قاسية تشمل الخصخصة، رفع سن التقاعد، وتقليص الإنفاق الاجتماعي.
فرنسا اليوم محاصرة بين نظام اجتماعي سخي ونظام ضريبي خانق. الحكومة عاجزة عن اتخاذ أي قرارات حاسمة بشأن خفض الإنفاق أو زيادة الضرائب، حيث أن الشعب لن يقبل بتخفيضات كبيرة في الإنفاق الاجتماعي، ولا البرلمان قادر على تمرير أي خطة إصلاحية. وقد تفجرت الاحتجاجات بعد أن قرر الرئيس ماكرون رفع سن التقاعد من 62 إلى 64 عامًا.
مجموعة من العوامل الداخلية والخارجية اوصلت فرنسا لهذه الحالة فسياسات الدعم و تخفيضات الضرائب لفئات معينة و برامج الطواريء لازمة كورونا كما ساهمت الحرب في أوكرانيا في ارتفاع أسعار الطاقة، ما أضاف مزيدًا من الضغوط على الاقتصاد الفرنسي. الشركات الفرنسية الكبرى بدأت في نقل مصانعها إلى دول أخرى، لا سيما بسبب الضرائب العالية، ما أدى إلى زيادة معدلات البطالة وتدهور الأوضاع الاقتصادية.
كل ذلك جعل الانفاق يرتفع ليصبح فوق قدرة الدولة.
فضلا عن تأثر الشركات الصناعية الالمانية الكبرى بازمة ارتفاع اسعار الطاقة و انتقالها للولايات المتحدة اجبر آلاف الشركات المتوسطة والصغيرة الفرنسية على الافلاس لانها كانت تشكل سلاسل التوريد للشركات الالمانية.
بالإضافة إلى التحديات الداخلية، تواجه فرنسا تهديدات خارجية من القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة، الصين، وروسيا، التي تركز على حرمان فرنسا من ثرواتها في مستعمراتها السابقة في أفريقيا. كما أن سياسات الأمن الأوروبي قد تأثرت بتغيرات السياسة الأمريكية في ظل إدارة ترامب، مما زاد من الأعباء على فرنسا. ووجدت فرنسا نفسها في قلب اعصار اقتصادي وسياسي بوقت واحد.
إذا استمر الوضع على هذا النحو، فإن فرنسا ستجد نفسها أمام أحد الخيارات الصعبة في الانتخابات الرئاسية لعام 2027. إذا وصل اليسار أو اليمين إلى السلطة وتنفيذ نصف وعودهم الاقتصادية، فقد يتسبب ذلك في انفجار سوق السندات، مما يعمق الأزمة.
أما إذا اختارت فرنسا إعلان إفلاسها، فإنها ستخرج من اليورو، مما قد يؤدي إلى انهيار الاتحاد الأوروبي نفسه، إلى جانب حدوث تداعيات كارثية على الاقتصادات الأخرى في المنطقة. وقد يؤدي هذا السيناريو إلى تفكك الاتحاد الأوروبي، وعودة الدول إلى التفكير في السيادة الوطنية.
في النهاية، فإن الوضع الراهن في فرنسا ليس مجرد أزمة اقتصادية، بل هو أزمة هيكلية عميقة في نموذجها السياسي والاقتصادي، يتطلب إصلاحات جذرية ومؤلمة. وإذا لم تتمكن فرنسا من اتخاذ خطوات حاسمة الآن، فإنها قد تجد نفسها في مواجهة انفجار اقتصادي أو تدخل دولي من أجل إنقاذها، مما سيكون له تأثيرات عميقة على أوروبا بأسرها.
المشهد السياسي لانتخابات فرنسا 2027:
مع اقتراب الانتخابات الرئاسية في 2027، يواجه المشهد السياسي الفرنسي معضلات كبيرة نتيجة للوضع الاقتصادي المتدهور، الانقسام السياسي العميق، والضغوط الداخلية والخارجية المتزايدة. هذه الانتخابات ستكون نقطة فارقة في تاريخ فرنسا، حيث ستكون لها تداعيات كبيرة على مستقبل البلاد في ظل التحديات الاقتصادية والسياسية التي تواجهها.
1. الانقسام السياسي الداخلي
منذ سنوات، أصبحت السياسة الفرنسية أكثر انقسامًا بين اليمين واليسار، وظهرت تحديات حادة في داخل كل معسكر. المشهد السياسي في فرنسا في 2027 سيكون مشهدًا منقسمًا إلى عدة أطراف، وهي:
اليمين المتطرف: الذي يمثله "التجمع الوطني" بقيادة مارين لوبن، التي تسعى لتوسيع قاعدة دعمها في ظل استمرار القلق حول الهجرة والهوية الوطنية. يُحتمل أن تتصاعد شعبية اليمين المتطرف بسبب الأزمة الاقتصادية، التي قد تدفع العديد من الفرنسيين إلى البحث عن حلول غير تقليدية، مثل تقليص حجم الدولة أو الخروج من الاتحاد الأوروبي.
اليسار المتطرف: يمثل اليسار المتطرف حزب "فرنسا المتمردة" بقيادة جان لوك ميلانشون، الذي قد يكتسب دعمًا متزايدًا بسبب تأكيده على أهمية الدولة الرعوية، وزيادة الاستثمارات الاجتماعية وتوسيع نطاق السياسات الاشتراكية. في ظل الأزمة الاقتصادية، قد يعزز هذا الخطاب دعم الفقراء والطبقات العاملة.
الوسط: سيكون دور "حزب الرئيس" (الذي قد يكون بقيادة شخص آخر غير ماكرون) في وسط الطيف السياسي حاسمًا. ولكن، بسبب فشل ماكرون في تنفيذ إصلاحات حاسمة، قد تكون فرص الوسط في الانتخابات محدودة. إذا قادت شخصيات جديدة الحزب، ربما يتمكنون من تقديم رؤية جديدة ومقنعة تتضمن إصلاحات جذرية.
اليمين التقليدي: حزب الجمهوريين الذي يعاني من تراجع مستمر في الشعبية بسبب تداخل أجنداته مع اليمين المتطرف، قد يكون في موقع ضعيف في الانتخابات القادمة. ومع ذلك، في حال تمكن من تقديم مرشح قادر على استعادة الثقة، يمكن أن يكون له تأثير في الانتخابات.
2. القضايا الأساسية التي ستحدد الانتخابات
هناك عدة قضايا رئيسية ستؤثر على اختيار الناخبين في 2027:
الأزمة الاقتصادية: تدهور الاقتصاد الفرنسي، تزايد الدين العام، والضغوط المالية التي تواجهها الحكومة ستكون على رأس أولويات الناخبين. كل مرشح سيتعين عليه تقديم حلول للأزمة الاقتصادية الحالية، سواء عبر التقشف ورفع الضرائب (ما قد يقترحه اليمين والوسط) أو عبر رفع الإنفاق على البرامج الاجتماعية (التي يدعو إليها اليسار المتطرف).
التقاعد والضمان الاجتماعي: كانت أزمة التقاعد في فرنسا أحد المواضيع المحورية التي أشعلت الاحتجاجات خلال فترة ماكرون، ورفع سن التقاعد إلى 64 عامًا. في انتخابات 2027، سيظل هذا الموضوع حساسًا للغاية، خاصة إذا كان هناك أي تحركات لتوسيع سن التقاعد إلى 66 أو 67 عامًا، وهو ما سيعزز مشاعر الغضب بين الطبقات الشعبية.
الهوية الوطنية والهجرة: في ظل تزايد القلق الاجتماعي والاقتصادي، من المتوقع أن تواصل القضايا المتعلقة بالهوية والهجرة الظهور بقوة في الحملات الانتخابية. أحزاب اليمين المتطرف، مثل "التجمع الوطني"، ستستغل هذه القضايا بشكل مكثف. ستؤثر هذه المواضيع أيضًا على الانتخابات الأوروبية التي قد تتزامن مع الانتخابات الرئاسية.
السياسة الخارجية: التغيرات في السياسات الأمنية الأوروبية، وارتفاع التوترات في العالم بسبب الحرب في أوكرانيا، والتحولات السياسية في الولايات المتحدة والصين قد يكون لها تأثير على كيفية تصويت الفرنسيين. الأحزاب التي تدعو إلى العودة إلى القومية والحد من تأثير الاتحاد الأوروبي قد تجد دعمًا في هذا السياق.
3. السيناريوهات الممكنة للانتخابات:
السيناريو الأول: اليمين المتطرف في الصدارة
في حالة استمرار تدهور الوضع الاقتصادي، وتصاعد الاستياء من سياسات الحكومة الحالية، قد يتوجه الناخبون نحو اليمين المتطرف بقيادة مارين لوبن. قد تؤدي الأزمات الاقتصادية والاجتماعية إلى تصويت قوي لصالح الأحزاب التي تعد بتغييرات جذرية في السياسات، بما في ذلك الخروج من الاتحاد الأوروبي أو تقليص الهجرة بشكل كبير. هذا السيناريو قد يؤدي إلى حالة من الانقسام الحاد في فرنسا، مما يزيد من تعقيد أي إصلاحات مستقبلية.
السيناريو الثاني: فوز اليسار المتطرف
إذا كانت الأزمة الاقتصادية والبطالة وارتفاع تكاليف المعيشة تؤدي إلى تفشي الغضب الشعبي، فإن اليسار المتطرف قد يجد دعمًا متزايدًا. قد يقدم جان لوك ميلانشون نفسه كمرشح للطبقات الشعبية، ويعد بتوسيع الرعاية الاجتماعية والإنفاق على القطاعات التي عانت جراء التقشف والخصخصة. لكن، هذا الخيار قد يؤدي إلى مزيد من التضخم وارتفاع الدين العام إذا لم يتم تنفيذ الإصلاحات المالية اللازمة.
السيناريو الثالث: فوضى سياسية مع فوز الرئيس الجديد
قد يشهد حزب الرئيس فوضى سياسية جديدة في ظل الصراع الحزبي العميق. إذا تمكن الوسط من استعادة السيطرة على الحكم، يمكن أن يتفاوض مع الأحزاب الأخرى لتمرير إصلاحات اقتصادية تدريجية، ولكن ذلك سيعتمد على قدرة الحزب على تحقيق توازن بين التحديات الداخلية والخارجية. سيكون هذا السيناريو خيارًا صعبًا بالنظر إلى الانقسام الشديد في البرلمان.
السيناريو الرابع: انهيار النظام التقليدي
في حال فشلت الأحزاب التقليدية (اليمين واليسار) في تقديم حلول فعالة للمشاكل الاقتصادية، قد نشهد تآكلًا في الثقة في النظام السياسي الفرنسي. في هذا السياق، قد تظهر أطراف جديدة أو تحالفات سياسية غير تقليدية، مما يؤدي إلى عدم الاستقرار وعدم القدرة على تشكيل حكومة قوية.
4. السيناريو الأشد خطورة: التحديات الاقتصادية والسياسية العميقة
إذا فشلت فرنسا في اتخاذ خطوات إصلاحية حاسمة بحلول عام 2027، فقد تواجه الدولة خيارين حاسمين:
إفلاس الدولة: في حال تزايدت أعباء الديون وتفاقمت أزمة التمويل، قد تضطر الحكومة الفرنسية إلى إعلان الإفلاس، وهو ما سيؤدي إلى انهيار الاقتصاد الفرنسي، ويترتب عليه خروج من اليورو وتفكك الاتحاد الأوروبي.
تدخل صندوق النقد الدولي أو البنك المركزي الأوروبي: وهو ما سيكون بمثابة ضربة سياسية قاسية لفرنسا، حيث ستخضع لبرنامج إصلاحي صارم قد يشمل الخصخصة ورفع سن التقاعد وتقليص الإنفاق الاجتماعي. وهو ما قد يثير موجات احتجاجات جديدة.
خلاصة:
انتخابات 2027 ستكون معركة حاسمة على مستوى فرنسا، وستؤثر بشكل كبير على مستقبل البلاد اقتصاديًا وسياسيًا. القضايا الاقتصادية والاجتماعية ستكون محورية، والانقسام السياسي قد يؤدي إلى المزيد من الشلل في اتخاذ القرارات. سواء فاز اليمين، اليسار، أو حتى الوسط، سيكون أمام الحكومة المقبلة تحديات ضخمة تتطلب إصلاحات جذرية وعميقة لمواجهة الأزمات المتعددة.
#فارس_آل_سلمان (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟