|
|
أسباب تراجع اليسار المغربي في السنوات الأخيرة (الجزء الخامس والثلاثون)
أحمد رباص
كاتب
(Ahmed Rabass)
الحوار المتمدن-العدد: 8833 - 2026 / 9 / 19 - 03:04
المحور:
اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المغرب العربي
في ما يتعلق بتباين وجهات النظر حول قضية الصحراء الغربية، كتب عبد الله الحرشيش أن قضية الصحراء ما تزال تشكل نقطة خلاف جوهرية بين فيدرالية اليسار الديمقراطي وحزب النهج الديمقراطي؛ إذ تقسم هذه المسألة الطرفين إلى معسكرين متمايزين. ففي حين تدافع الأحزاب المنضوية تحت لواء الفيدرالية عن مغربية الصحراء الغربية وتؤيد مقترح الحكم الذاتي الذي طرحته السلطات المغربية لإنهاء النزاع، يرفض أنصار حزب النهج الديمقراطي هذا المقترح، متمسكين بحل يستند إلى الشرعية الدولية ويقتضي إجراء استفتاء في الصحراء الغربية. قبل التطرق إلى نقاط الاختلاف بين المجموعتين حول قضية الصحراء الغربية، أشار الباحث إلى أن هذا النزاع كان قد أثار خلافات داخل الحركة الماركسية اللينينية المغربية منذ اندلاع النزاع بين النظام المغربي وجبهة البوليساريو. ورغم انتمائهما إلى المرجعية الأيديولوجية ذاتها ومعارضتهما للنظام الملكي، لم تكن حركتا "23 مارس" و"إلى الأمام" تتقاسمان الرؤية نفسها بشأن نزاع الصحراء الغربية. في هذا السياق، بادرت حركة "23 مارس" بنشر وثيقة في بيروت (لبنان) عام 1978 تحت عنوان "الصحراء المغربية: الموقف الوطني الثوري" لتوضيح موقفها من القضية؛ وكان الهدف أيضاً هو الرد على ما وصفته بـ "الطرح العدمي" (أو العدمي-السلبي) لمنظمة "إلى الأمام"، التي كانت تدافع عن فكرة وجود "شعب" في الصحراء الغربية وتؤيد حقه في تقرير المصير. كما سعت الحركة إلى طرح حججها أمام بقية حركات اليسار الراديكالي العربي التي كانت -على غرار منظمة "إلى الأمام" - تؤيد أطروحات جبهة البوليساريو. اعتبرت منظمة "23 مارس" الوضع غير مقبول، رافضةً أطروحة الماركسيين في منظمة "إلى الأمام" ومستحضرةً تاريخ النضال ضد الاستعمار الذي قاده زعماء صحراويون في مطلع القرن العشرين، وتحديداً الشيخ ماء العينين ووالده أحمد الهيبة؛ إذ ناضل هؤلاء الزعماء من أجل تحرير أراضي الصحراء الغربية والأراضي المغربية برمتها. وتُعد حركة النضال المناهضة للاستعمار التي تلت ذلك امتداداً لحركة المقاومة التي قادها هذان الزعيمان الصحراويان. كما أكدت حركة "23 مارس" أن شخصيات بارزة من المقاومة الصحراوية والمغربية قد تكاثفت وناضلت جنباً إلى جنب في صفوف جيش التحرير المغربي. ومن ثم، رأت الحركة أن قيادة "البوليساريو" قد خانت تاريخ نضال الشعب المغربي، وكذلك تاريخ أسلافهم الصحراويين الذين كانوا يعتبرون أنفسهم مغاربة. ومع ذلك، تشترك الحركة مع منظمة "إلى الأمام" في التحليل ذاته بشأن مسؤولية النظام المغربي عن نشوء هذه الحركة الانفصالية في الصحراء الغربية؛ ففي الواقع، تُعد حملة القمع التي شنها النظام - بالتنسيق مع القوتين الاستعماريتين الإسبانية والفرنسية - ضد عناصر المقاومة في جنوب البلاد عام 1958 أحد العوامل الرئيسية التي أدت إلى ظهور "البوليساريو". أما في ما يتعلق بشعار تقرير مصير الشعب الصحراوي، فقد أطلقه - وفقاً لرؤية "حركة 23 مارس" - المستعمر الإسباني الذي سعى لتشكيل دويلة مصطنعة وتابعة له، وذلك عقب اكتشاف ثروات هائلة في الصحراء الغربية. ومع ذلك، أشارت الحركة المتحدثة إلى أن إسبانيا تراجعت عن ذلك لاحقاً تحت وطأة الضغوط التي أُجبرت عليها. في معرض الحديث عن هذا التباين في وجهات النظر بين حركتي "23 مارس" وتنظيم "إلى الأمام"، يرى مصطفى بوعزيز أن رؤيتين مختلفتين للعمل الثوري قد تصادمتا حول هذه القضية. لقد تمحور السؤال الجوهري حول ما إذا كان ينبغي التعامل مع نصوص الآباء المؤسسين - ماركس، إنجلز، لينين وماو تسي تونغ - كنصوص جامدة وصالحة للتطبيق في أي مجتمع، أم يجب تكييفها لتلائم خصوصيات مجتمع معين؛ فالمبدأ الثوري لا يمتلك صيغة تطبيق واحدة في كل مكان، بل يستلزم التكيف مع السياق المحلي. في هذا الصدد، كانت حركة "23 مارس" ترى ضرورة معالجة قضية الصحراء انطلاقاً من ظروف المنطقة وواقعها؛ ومن ثم، فإن إنشاء دولة - أو دويلة هزيلة - في المنطقة وإضفاء الشرعية عليها استناداً إلى وجود "شعب صحراوي" لا يعدو كونه انحرافاً عن مبدإ تقرير مصير الشعوب؛ فالأمر لا يتعلق بـ"شعب" منفصل، بل هي منطقة كبقية المناطق الأخرى. ولو أردنا البحث عن فروق تميزها عن غيرها، لأمكننا العثور على فروق مماثلة عند مقارنة أي منطقة أخرى ببقية المناطق. لذا، تكمن المعضلة في كيفية الانتقال من الرؤية القائمة على العشيرة أو القبيلة نحو مفهوم الأمة والاندماج الوطني؛ وفي هذا الإطار، تبرز "الوحدة في التنوع" باعتبارها الرابط الوحيد الممكن، وهو أمر لا يتحقق إلا عبر الديمقراطية. في المقابل، كان موقف تنظيم "إلى الأمام" آنذاك يشدد على وجود "شعب" له الحق في التعبير عن رأيه؛ فإذا لم يرغب هذا الشعب في الانضمام إلينا، فذلك حقه، ويمكنه الانفصال. انطلاقاً من ذلك، جرت نقاشات تناولت مختلف الحالات التي واجهت الماركسيين حول العالم؛ كالحالات الأيرلندية والتشيكية واللاتفية والفنلندية - التي أقرها لينين في حين رفض حالات أخرى - وغيرها. وقد اتضح جلياً أنه لا يوجد نموذج واحد للتطبيق، فكل شيء قابل للنقاش؛ وكان مناضلو الحركة يرون آنذاك ضرورة التوجه نحو أطر أوسع، إذ كان هدفهم بناء الأمة المغربية، والأمة المغاربية، وربما حتى الأمة العربية. إن مسار الانتقال من القبلية إلى مفهوم الأمة لم يكتمل بعد، كما أن المطالب الصحراوية تنطوي على بُعد قبلي أكثر منه ثورياً. وتظل مواقف الأحزاب المكونة لفيدرالية اليسار الديمقراطي بشأن قضية الصحراء الغربية ثابتة وموحدة، رغم وجود بعض الاختلافات في الرؤى؛ إذ تحظى سيادة المغرب على هذه الأراضي بإجماع تام، بل وترى هذه الأحزاب في هذا النزاع فرصة للجمع بين التحرر الوطني والديمقراطية. في هذا السياق، وإلى جانب دعم مبادرات الحزبين الحليفين للفيدرالية الرامية للدفاع عن الوحدة الترابية للمغرب، يؤكد الحزب الاشتراكي الموحد على ما ورد في بيان الدورة الثانية لمجلسه الوطني المنعقدة في أبريل 2018، والذي أيد خيار الحل السياسي في ظل السيادة المغربية وعبر آليات ديمقراطية؛ إذ من شأن هذه الآليات وحدها تهيئة الظروف لحل سلمي وفتح آفاق التعاون في الفضاء المغاربي بما يخدم مصالح الشعوب والدول. وفي هذا الصدد، شدد المكتب السياسي للحزب على ضرورة الربط بين الدفاع عن الوحدة الترابية وترسيخ أسس النظام الديمقراطي. وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن السلطات المغربية كانت قد كلفت، في أكتوبر 2015، نبيلة منيب - الأمينة العامة للحزب الاشتراكي الموحد - برئاسة وفد يمثل بعض أحزاب اليسار، حيث أُرسل الوفد إلى السويد لشرح موقف النظام المغربي بشأن قضية الصحراء الغربية. وقد التقت منيب بمسؤولين سياسيين من الحزب الاشتراكي الديمقراطي السويدي لمناقشة عزم الحكومة السويدية الاعتراف بـ"الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية"، غير أن الحكومة السويدية قررت لاحقاً التخلي عن هذا المشروع. يتمسك حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي بموقفه القاضي بالرفض القاطع للأطروحة الانفصالية في ما يتعلق بقضية الوحدة الترابية. وهو يُحمّل الطبقة الحاكمة - التي استأثرت بهذا الملف - المسؤولية التاريخية عن الإخفاقات المرتبطة بتدبير هذا النزاع. كما يشدد الحزب على حتمية الرابط الجدلي بين ترسيخ الديمقراطية، والدفاع عن السيادة الوطنية، وتحرير كافة الأجزاء الترابية الخاضعة للاحتلال الإسباني (سبتة ومليلية والجزر الجعفرية). من جانبه، يتبنى حزب المؤتمر الوطني الاتحادي الموقف ذاته؛ إذ أكد في البيان العام الصادر عن مؤتمره التاسع في أكتوبر 2017 على موقفه التاريخي بشأن الوحدة الترابية للبلاد. ويرى الحزب أن الدولة ارتكبت أخطاءً في تدبير هذا النزاع من خلال الاستئثار بهذا الملف الوطني وفق مقاربات ظلت رهينة لرؤية ضيقة يطغى عليها الهاجس الأمني، دون إيلاء الاعتبار للبعد الاجتماعي؛ وهو البعد الذي يرى الحزب ضرورة دمجه في إطار تنمية شاملة للأقاليم الجنوبية. بالنسبة لنجيب أقصبي، تُعد قضية الصحراء مسألة جوهرية؛ إذ يرى أنها تسبب انقساماً داخل صفوف اليسار وتعرقل أي محاولة للتقارب بين مكوناته. ويشير في هذا الصدد إلى أن "الوحدة الترابية مسألة حاسمة لا تقبل المساومة (إما القبول بها أو رفضها)، فهي ليست مجرد مسألة قومية أو وطنية فحسب، بل تتعلق بالانسجام العام للمواقف؛ فمنذ البداية - أي في مطلع السبعينيات وما قبل ذلك - اعتبرنا أنه بمجرد الإقرار بأن المغرب كيان موحد، يتعين التمييز بين الوحدة الوطنية والوحدة الترابية من جهة، وبين المشاكل الداخلية التي قد نواجهها من جهة أخرى. إذا كنا نختلف مع النظام، فإننا نناضل من أجل تغييره، لكننا لا نناضل لتغيير جغرافية البلاد؛ وهذه مسألة جوهرية في النقاش. ولا يمكننا الالتقاء مع رفاق النهج الديمقراطي طالما لم يُحسم الغموض المحيط بهذه النقطة، وهو أمر لم يُحسم للأسف؛ ولذا يصعب علينا التوصل إلى تفاهم، في حين يمكن تجاوز كل ما عدا ذلك من عقبات". ومع ذلك، لا تحظى هذه المواقف بإجماع داخل صفوف اليسار؛ إذ يرجح حزب النهج الديمقراطي كفة الشرعية الدولية لإيجاد مخرج لهذا النزاع، متمسكاً بموقفه الداعي إلى تقرير مصير سكان الصحراء الغربية، ومؤكداً في الوقت ذاته على وجاهة هذا الموقف المستند إلى حقائق تاريخية. ويظل موقف حزب النهج الديمقراطي بشأن نزاع الصحراء الغربية - وفقاً لقيادييه ومناضليه - امتداداً لموقف منظمة "إلى الأمام"، التي دعمت حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير في إطار الشرعية الدولية. ولم يتغير هذا الموقف منذ أوائل السبعينيات، حين أيد مناضلو منظمة "إلى الأمام" مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها وساندوا حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره. ويحرص حزب النهج الديمقراطي على التأكيد على أن مناضلي الحركة الماركسية اللينينية المغربية، المنتمين لمنظمة "إلى الأمام"، قد دفعوا ثمناً باهظاً جراء هذا الموقف داخل السجون ومراكز الاعتقال السرية المغربية. ويستند هذا الموقف إلى قراءة للتاريخ، لا سيما ما يتعلق منها بخيانات النظام المغربي وأخطائه تجاه الصحراويين وجيش تحرير الجنوب المغربي؛ إذ كان هذا الجيش يدعو علناً إلى الكفاح المسلح لتحرير بلدان المغرب العربي كافة، في الوقت الذي كان فيه القصر وممثلو البرجوازية المغربية يتفاوضون مع قوات الاحتلال لضمان "استمرار المصالح الإمبريالية في المنطقة". ويُشار أيضاً إلى أن جيش تحرير الجنوب المغربي كان يخوض نضالاً مريراً ضد الاحتلال الإسباني في الصحراء، بتنسيق مع قبائل المنطقة؛ حيث شنوا معاً انتفاضات حاصرت الجيش الإسباني منذ عام 1957، وذلك قبل أن يتدخل السلطان محمد بن يوسف ويأمر بوقف القتال. أمام مآثر هذه المقاومة، قررت القوى الاستعمارية الفرنسية والإسبانية - بدعم من القوات المسلحة المغربية - تشتيت جيش المقاومة هذا في الجنوب خلال عملية أُطلق عليها اسم "إيكوفيون" في فبراير 1958. وعلى الصعيد البنيوي، يشير أبراهام سرفاتي إلى أن "عملية التشتيت التي حدثت عام 1958، وما تلاها من توغل واسع النطاق لعوامل التفكيك الاستعماري في جميع أنحاء أراضي الصحراء الغربية، قد زعزعت الحواجز القبلية الراسخة منذ قرون؛ ولم تترك للسكان الصحراويين سبيلاً وحيداً للحفاظ على هويتهم وضمان بقائهم سوى التكتل السياسي والثقافي استناداً إلى جوهرهم المشترك كشعب صحراوي". لقد كانت عملية التشتيت هذه - التي نفذها النظام المغربي والقوى الاستعمارية الفرنسية والإسبانية - سبباً في تشكيل حركة التحرر الوطني للشعب الصحراوي. ومن ناحية أخرى، يستند دعم حزب النهج الديمقراطي إلى مجموعة من العناصر التي تعزز أطروحات الحزب بشأن مشروعية مطالب الصحراويين. ففي المقام الأول، يشير مناضلو الحزب إلى وجود شعب في الصحراء الغربية يخضع للاستعمار منذ ما يقرب من قرنين من الزمان. وإلى جانب ذلك، يأخذ الحزب على النظام المغربي عدم إيلائه أي أهمية لأراضي الصحراء الغربية عند إعلان استقلال المغرب، حيث كان يعتبر آنذاك أن حدود البلاد الجنوبية تنتهي عند نهر السنغال؛ وفي هذا السياق، وبالإشارة إلى الخريطة التي رفعها علال الفاسي - أحد قادة حزب الاستقلال - والذي كان يدافع حينها عن مغربية موريتانيا، يرى الحزب أن النظام لم يمنح الأهمية ذاتها للصحراء الغربية التي كانت خاضعة للاحتلال الإسباني. كما يذكّر الحزب بموقف الجمعية العامة للأمم المتحدة التي شددت في توصياتها على ضرورة تمكين الشعب الصحراوي من حقه في تقرير المصير. يُشار أيضاً إلى تخلي قادة الحركة الوطنية عن الصحراويين، إذ لم يقدموا لهم المساعدة التي كانوا يطالبون بها بإلحاح؛ فلم يجد النشطاء الصحراويون حينها أي دعم سوى من الماركسيين-اللينينيين المغاربة. وفي هذا الصدد، يستحضر الحزب الدعم الذي عبّرت عنه الحركة الماركسية-اللينينية المغربية خلال المؤتمر الخامس عشر للاتحاد الوطني لطلبة المغرب في صيف عام 1972، وموقفها الواضح إزاء الوضع في المنطقة، حيث شددت على حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره. سعياً منه للدفاع بقوة عن موقفه المبدئي القائم على حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير، وضع الحزب إطاراً عاماً لمبادرات اقترحتها هيئاته بشأن قضية الصحراء. في هذا السياق، وجه الحزب رسالة إلى الدولة المغربية وجبهة البوليساريو يدعوهما فيها إلى الجلوس معاً للتفاوض في إطار الشرعية الدولية، معرباً عن استعداده - رغم محدودية إمكانياته - للقيام بدور إيجابي للمساهمة في إنجاح هذه المفاوضات. كما حدد حزب النهج الديمقراطي الأطراف المعنية بالتفاوض، وهي: الدولة المغربية والجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب (البوليساريو) بصفتها الممثل الوحيد للشعب الصحراوي. ومن شأن هذا الموقف -في نظر الحزب - أن يقطع الطريق على الطرح القائل بأن الحل يكمن في مفاوضات بين المغرب والجزائر (التي كان النظام يتهمها بالوقوف وراء تأسيس جبهة البوليساريو). بالإضافة إلى ذلك، سلط الحزب الضوء على أسس التفاوض في إطار الشرعية الدولية، مستنداً إلى حقيقة أن إقليم الصحراء الغربية مدرج ضمن قائمة الأقاليم الخاضعة لعملية تصفية الاستعمار، وبالتالي فهو يتمتع بحق تقرير المصير؛ وهو موقف ينسف في الصميم أطروحة "الحكم الذاتي المحلي" التي ترفضها جبهة البوليساريو. وإلى جانب تنديدهم بالانتهاكات التي يرتكبها النظام المغربي ضد الصحراويين، حرص مناضلو حزب النهج الديمقراطي أيضاً على توعية الرأي العام المغربي بالانعكاسات الكارثية لهذا النزاع على المستويين الاقتصادي والاجتماعي؛ إذ يقومون - من خلال الندوات واللقاءات الفكرية - بتحليل نقدي لميزانية الدولة التي يُخصص جزء كبير منها للجيش ووزارة الداخلية والقصر الملكي، وذلك على حساب القطاعات الاجتماعية الحيوية كالتعليم والصحة والتشغيل والثقافة. ويرى الحزب أن على الشعب المغربي أن يدرك أن نزاع الصحراء الغربية يساهم في تفاقم فقره، في الوقت الذي تُراكم فيه فئة من المسؤولين العسكريين والمدنيين المغاربة، إلى جانب حفنة من "العملاء الصحراويين"، ثروات طائلة. كما يؤكد الحزب أن النظام يوظف هذا النزاع لعرقلة وإجهاض مختلف أشكال النضال الشعبي المغربي ضد السياسات المعادية لمصالح الشعب؛ إذ يستغله أيضاً لتشويه سمعة المعارضين لسياساته عبر اتهامهم بالعمل لصالح جهات أجنبية. وفي هذا الصدد، يرى الحزب أنه كلما اشتد النضال الشعبي وتصاعدت المطالبة بتغيير حقيقي، يلجأ النظام إلى التستر خلف هذا النزاع، مستحضراً شعارات الإجماع الوطني وضرورة رصّ الصفوف الداخلية للتصدي للمؤامرات الخارجية، بينما لا تهدف هذه المناورات في جوهرها إلا إلى خنق الحراك النضالي للشعب المغربي الساعي إلى تحقيق العدالة الاجتماعية والديمقراطية. وخلاصة القول، يرى النهج الديمقراطي أن "المخزن فشل في تدبير هذا الملف، واستغله لقمع كافة أشكال المعارضة السياسية والاجتماعية، في حين انتهزت مافيا المخزن الفرصة لمراكمة الثروات". ختاماً، تجدر الإشارة إلى أن فيدرالية اليسار الديمقراطي، شأنها شأن حزب النهج الديمقراطي، تؤكد استمرار وجود خلافات عميقة حول هذه المسألة؛ إذ تظل هذه القضية من الملفات المتكررة التي تحول دون توصل الطرفين إلى اتفاق. ففي حين يتسم موقف الفيدرالية بالوضوح، إذ تعتبر الصحراء الغربية جزءاً لا يتجزأ من المغرب مع انتقادها لسوء تدبير النظام لهذا الملف، لا يزال موقف حزب النهج الديمقراطي يثير نقاط خلاف. ومع ذلك، يحرص الحزب على التأكيد بأن موقفه الداعم لحق سكان المنطقة في تقرير المصير ينطوي على إمكانية طرح حلول متعددة؛ إذ يمكن أن يتخذ تقرير المصير شكل الاستقلال أو شكل دمج الصحراء في المغرب. ويتمثل الهدف الرئيسي في التوصل إلى حل سياسي سلمي وتفاوضي بين أطراف النزاع، وهو ما يتماشى مع مبدإ تقرير المصير وكذلك مع المقترحات التي قدمتها الأمم المتحدة. ويُذكر أيضاً أن النظام المغربي كان قد تبنى رسمياً مبدأ تقرير المصير خلال قمة منظمة الوحدة الأفريقية (التي أصبحت حالياً الاتحاد الأفريقي) في يونيو 1981 بنيروبي، وذلك بعد أن كان يعارض بشدة في وقت سابق - وتحديداً في مطلع عام 1975 - أي تنظيم لاستفتاء. غير أنه عدّل موقفه لاحقاً بالترويج لما أسماه "الاستفتاء التأكيدي"، قبل أن يتخلى عن هذا الخيار ويدفع باتجاه مخطط الحكم الذاتي المحلي لتسوية هذا النزاع. أخيراً، يحرص حزب النهج الديمقراطي أيضاً على توضيح أن وجود بعثة "المينورسو" في الصحراء الغربية كان يهدف تحديداً إلى تنظيم استفتاء في هذه المنطقة. كما تُعد مسألة الموقف من النظام القائم نقطة خلاف أخرى بين فيدرالية اليسار الديمقراطي وحزب النهج الديمقراطي. في هذا الصدد، تحاول كل مجموعة الترويج لتقديرها للموقف سعياً لتمرير مواقفها. (يتبع)
#أحمد_رباص (هاشتاغ)
Ahmed_Rabass#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
أسباب تراجع اليسار المغربي في السنوات الأخيرة (الجزء الرابع
...
-
أسباب تراجع اليسار المغربي في السنوات الأخيرة (الجزء الثالث
...
-
أسباب تراجع اليسار المغربي في السنوات الأخيرة (الجزء الثاني
...
-
أسباب تراجع اليسار المغربي في السنوات الأخيرة (الجزء الحادي
...
-
أسباب تراجع اليسار المغربي في السنوات الأخيرة (الجزء الثلاثو
...
-
أسباب تراجع اليسار المغربي في السنوات الأخيرة (الجزء التاسع
...
-
أسباب تراجع اليسار المغربي في السنوات الأخيرة (الجزء الثامن
...
-
أسباب تراجع اليسار المغربي في السنوات الأخيرة (الجزء السابع
...
-
أسباب تراجع اليسار المغربي في السنوات الأخيرة (الجزء السادس
...
-
أسباب تراجع اليسار المغربي في السنوات الأخيرة (الجزء الخامس
...
-
أسباب تراجع اليسار المغربي في السنوات الأخيرة (الجزء الرابع
...
-
أسباب تراجع اليسار المغربي في السنوات الأخيرة (الجزء الثالث
...
-
ميشال فوكو طالبا تحت المراقبة
-
أسباب تراجع اليسار المغربي في السنوات الأخيرة (الجزء الثاني
...
-
أسباب تراجع اليسار المغربي في السنوات الأخيرة (الجزء الحادي
...
-
أسباب تراجع اليسار المغربي في السنوات الأخيرة (الجزء العشرون
...
-
أسباب تراجع اليسار المغربي في السنوات الأخيرة (الجزء التاسع
...
-
أسباب تراجع اليسار المغربي في السنوات الأخيرة (الجزء الثامن
...
-
أسباب تراجع اليسار المغربي في السنوات الأخيرة (الجزء السابع
...
-
أسباب تراجع اليسار المغربي في السنوات الأخيرة (الجزء السادس
...
المزيد.....
-
ماذا قال الرئيس الأمريكي عن إنفاق ملياردير روسي على حفل زفاف
...
-
ترامب يعلن إبرام اتفاق مع الدنمارك يمنح أمريكا -سيطرة دائمة
...
-
بالاتفاق مع الدنمارك.. ترامب يعلن سيطرة الولايات المتحدة على
...
-
الحكومة الألمانية تقر خفض أسعار الوقود قبيل انتخابات حاسمة
-
بلغاريا تستدعي سفيرها لدى الإمارات بقضية فساد وتحقيق جار بأن
...
-
ترامب يعلن منع CNN وMSNOW وPolitico من دخول البيت الأبيض ويت
...
-
مصري يطالب الشرطة بالقبض عليه.. والأمن يستجيب ويكشف التفاصيل
...
-
ليبيا..إطلاق قذائف -آر بي جي- باتجاه أجهزة أمنية في أبو سليم
...
-
الدوحة تنفي تمويل حماس وتؤكد مواصلة دعم غزة ووساطات التهدئة
...
-
إسرائيل تحرق مستشفى ميس الجبل والجيش اللبناني يعزز حضوره في
...
المزيد.....
-
حوار الرفيق ع.الغني القباج مع جريدة -المناضل-ة-
/ عبد الغني القباج
-
عن الجامعة والعنف الطلابي وأسبابه الحقيقية
/ مصطفى بن صالح
-
بناء الأداة الثورية مهمة لا محيد عنها
/ وديع السرغيني
-
غلاء الأسعار: البرجوازيون ينهبون الشعب
/ المناضل-ة
-
دروس مصر2013 و تونس2021 : حول بعض القضايا السياسية
/ احمد المغربي
-
الكتاب الأول - دراسات في الاقتصاد والمجتمع وحالة حقوق الإنسا
...
/ كاظم حبيب
-
ردّا على انتقادات: -حيثما تكون الحريّة أكون-(1)
/ حمه الهمامي
-
برنامجنا : مضمون النضال النقابي الفلاحي بالمغرب
/ النقابة الوطنية للفلاحين الصغار والمهنيين الغابويين
-
المستعمرة المنسية: الصحراء الغربية المحتلة
/ سعاد الولي
-
حول النموذج “التنموي” المزعوم في المغرب
/ عبدالله الحريف
المزيد.....
|