أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المغرب العربي - أحمد رباص - أسباب تراجع اليسار المغربي في السنوات الأخيرة (الجزء الثالث والعشرون)















المزيد.....

أسباب تراجع اليسار المغربي في السنوات الأخيرة (الجزء الثالث والعشرون)


أحمد رباص
كاتب

(Ahmed Rabass)


الحوار المتمدن-العدد: 8821 - 2026 / 9 / 7 - 02:49
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المغرب العربي
    


في إطار التعايش الصعب بين المحافظة والعلمانية، يلجأ النظام الحاكم على نطاق واسع إلى الحجج الدينية والتقليدية، ويوظفها ببراعة كلما شعر بالتهديد، أو لإخضاع أي قوة سياسية تُظهر بوادر مقاومة أو معارضة. ولذلك، كلما حاولت قوة سياسية أو جماعة اجتماعية إطلاق حركة لتغيير الوضع الراهن، يُوظَّف الدين كسلاح سياسي. كما يستعين النظام بـ"رجال الدين المحافظين" لحماية النظام المحافظ. ويحذر هؤلاء الناس من الفتنة، ويشيدون بفضائل الاستقرار في مواجهة المجهول، مستشهدين بمحنة الدول الأخرى التي تنزلق إلى الحرب والفوضى.
وسواء كان الهدف تشويه سمعة المعارضة اليسارية أو مواجهة الحراك الاجتماعي والسياسي، يُوظَّف الخطاب الديني بشكل متكرر لتهميش أو احتواء أي قوة سياسية أو اجتماعية تطمح إلى الخروج عن الثقافة المحافظة السائدة.
في هذا السياق، من المهم الاستشهاد بمثال استخدام حجج البيعة الإسلامية لإخضاع المعارضة اليسارية الرسمية. ففي عام 1981، قرر ممثلو حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وهو حزب المعارضة اليساري الرئيسي، الانسحاب من البرلمان احتجاجًا على استفتاءٍ أطلقه القصر لتمديد ولاية البرلمان من أربع إلى ست سنوات. اعتقد النواب أيضًا أن "إلزام ارتداء الجلابة يُشكل مظهرًا رمزيًا للولاء يتعارض مع مبدإ التمثيل الوطني."
عقب هذا القرار، "انتهزت الحكومة الفرصة لتذكير أحزاب اليسار بضعفها الإيديولوجي، مؤكدةً على الدوافع الدينية وراء الإدانة." كما وُصف انسحاب نواب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بأنه "عمل موجه ضد الدستور وضد المجتمع الإسلامي."
وفي خطابه الافتتاحي للدورة البرلمانية لخريف عام 1981، ندد رئيس الدولة بقرار النواب الاشتراكيين وهدد باستبعادهم من المجتمع المغربي. وأعلن بعبارات شديدة اللهجة وتهديدية أن هذا الانسحاب:
يشكل عملًا عدائيًا تجاه المجتمع المسلم بأكمله. بالإضافة إلى ذلك ذلك، وبصفته صاحب السيادة على هذا البلد، وأمير المؤمنين، والضامن الروحي والأخلاقي للمؤسسات الدستورية، فقد أعلن التزامه بضمان حسن سير عمل المؤسسات مهما كلف الأمر، والسعي إلى وضع حدٍّ لمثل هذه التصرفات الطائشة والمتهورة. وذهب إلى حد القول إن هؤلاء نبذوا أنفسهم من المجتمع المسلم، ومن يتجاهل القانون عليه أن يتوقع تجاهله. وبصفته أمير المؤمنين، فقد تتبرأ من أولئك الذين كانوا في هذه القاعة وغادروها متحدّين قوانين الدولة ونتائج الاستفتاء، متخذين بذلك موقفًا متساهلًا تجاه المغرب.
وبذلك، أجبر نواب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، تجنبًا للسجن واختفاء حزبهم، على العودة إلى البرلمان بقبول الشروط المقترحة.
على صعيد آخر، يعدّ حراك الريف في شمال المغرب، الذي انطلق عام 2016، من بين الحراكات التي قمعها النظام وأجهزته المحافظة. وعاود النظام ممارسة هذه العملية عبر وسائل قمعية وتوظيف الخطاب الديني، مستعيناً بأئمة مطيعين.
ولعلّ أبرز مثال على ذلك هو استخدام الإمام السلفي محمد الفيزازي، وهو مدان سابق بالإرهاب، جنده المخزن (المؤسسة المغربية). فقد شنّ الفيزازي حملة تشويه ضد زعيم الحركة، ناصر الزفزافي، الذي انتقد بشكل غير مباشر السياسة الدينية الرسمية للنظام، مُبرزاً تناقضاتها باستخدام الخطاب نفسه. وفي رسالة مفتوحة إلى الزفزافي، وصف الفيزازي زعيم الحركة بالجاهل، واتهمه بالانفصالي. كما انتقده لمخاطبته رئيس الدولة وكأنه مواطن عادي، وأدان استخدام علم جمهورية الريف السابقة بدلاً من العلم المغربي في المظاهرات. وحذره، مذكراً إياه بأنه في المغرب، لن تكون هناك ثورة أو تغيير للنظام عن طريق انقلاب.
من جهتها، قامت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، بتحريض من القصر، بتوزيع خطب في مساجد منطقة الريف لتشويه سمعة قادة الحراك ومواجهة الانتفاضة باستغلال ورقة الانفصال، مما أدى إلى إثارة الفتنة.
من خلال هذا التصرف، يمكن استنتاج أن النظام المغربي "يحظر أي خطاب قد يزعزع سيطرته على تعريف ثقافة البلاد وتقاليدها ودينها"، كما قال أوزير غراسييه في كتاب له بالفرنسية تحت عنوان: "صنع الجمود الثقافي في البلدان العربية الإسلامية: حالة المغرب". في هذا السياق، فإن غالبية الفاعلين السياسيين الذين يمثلون الحركة الديمقراطية في المغرب غير قادرين على الانفصال عن هذه الثقافة المحافظة، التي شكلها النظام بقوة من خلال سلسلة من الرموز الدينية وطقوس الخضوع والمحسوبية.
إنهم يزعمون، بطريقة أو بأخرى، تداخل الدين والسياسة من خلال نفس العقيدة التي يروج لها النظام، وهي أن "الدين وهذه الدنيا يتداخلان".
من جانبهم، يُعدّ بعض الفاعلين داخل الحركة الإسلامية من أشدّ المدافعين عن الإيديولوجيا الدينية للنظام، ويجادلون باستحالة فصل الدين عن السياسة في الإسلام. وهكذا، يصصرّح عبد الإله بنكيران، بصفته مدافعًا عن إيديولوجيا النظام: "إنّ الحديث عن العلمانية في المغرب يعني نوعًا مختلفًا من الدولة، لأنّ الدولة اليوم إسلامية، وهذا ينفي فكرة العلمانية نفسها. إنّ المطالب التي نسمعها هذه الأيام تسير جنبًا إلى جنب مع العلمانية، ولكن يجب أن تكون معقولة. والإسلام منفتح على كلّ ما هو معقول. باختصار، بالنسبة لي، لا يمكن أن يكون هناك مشروع علماني في المغرب. لذلك، فأنا أعارض العلمانية من حيث المبدأ. بلدنا ليس علمانيًا، وسأبذل قصارى جهدي لضمان بقائه كذلك".
هذا يفسر سبب عدم ترسيخ الفكر العلماني في المغرب. فباستثناء بعض المكونات النادرة في المجتمع المدني، كالجمعية المغربية لحقوق الإنسان، وبعض عناصر المقاومة اليسارية، وبعض الجماعات النسوية، لا يُعلن سوى قلة من الفاعلين السياسيين المغاربة اليوم عن علمانيتهم ​​صراحةً، كما يلاحظ ابمعطي منجب. ويشير الأخير أيضًا إلى أن حتى ورثة الحزب الشيوعي المغربي، كحزب التقدم والاشتراكي وجبهة القوى الديمقراطية، يُظهرون ترددًا، وتُنافس صحافتهم أحيانًا صحافة حزب الاستقلال في تأكيد التزامهم بالعقيدة السياسية والدينية الرسمية.
ولا بد من الإشارة إلى أنه حتى في أوج ازدهار الحركة الديمقراطية اليسارية المغربية، لم يتمكن العديد من القادة، بدافع البراغماتية، من التعبير عن أفكارهم بحرية تامة وإطلاق العنان لخياراتهم الإيديولوجية العميقة. فعلى الرغم من تأثرهم الشديد بالفكر التقدمي والعلماني، اضطروا إلى توضيح موقفهم من خلال كتابات وتصريحات تُشير إلى أن مشاريعهم السياسية متوافقة تمامًا مع الدين الإسلامي وخصوصيات المجتمع المغربي.
في صدارة الفصل الثاني الخاص بالعوامل الداخلية، قال الباحث عبد الله الحرشيش إنه أوضح في الفصلين السابقين أن اجتماع عدة عوامل خارجية ساهم بشكل كبير في تحييد اليسار المغربي وإحباط مساعيه لترسيخ نفسه كقوة للتغيير.
مع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن اليسار المغربي قد أُضعف بشكل ملحوظ أيضًا نتيجة لتضافر عدة عوامل داخلية. هذه العوامل لا تقل أهمية، وتستحق التحليل لفهم تراجع القوى التي تدّعي تمثيل اليسار في المغرب فهمًا كاملًا. في الفصول التالية، سيحاول الباحث جميع هذه العوامل.تحت عنوان فرعي "دور النخب اليسارية"، أعلن الحرشيش أن التحليل يكشف أن النخب اليسارية مسؤولة جزئيًا عن عجز اليسار عن ترسيخ نفسه كقوة للتغيير، وبالتالي تتحمل جزءًا من مسؤولية تراجعه. فبالإضافة إلى فشلها في خوض المعركة الثقافية ضد النظام، لم تتمكن هذه النخب من تجاوز بعض العقبات التي أعاقت فكر ورؤية هذه الحركة. كما فشلت هذه النخب في تطبيق ما يُسمى باستراتيجية النضال الديمقراطي التي بدأت في منتصف سبعينيات القرن الماضي.
تجلى هذا الفشل بشكل أكبر في الصعوبة التي واجهتها هذه النخب في قيادة التغيير خلال مشاركتها في حكومة عام 1998 بقيادة حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وأحزاب يسارية أخرى. وأخيرًا، تدفعنا بعض التحليلات أيضًا إلى النظر في دور الإقطاعية المغربية والطابع البرجوازي للحركة الوطنية المغربية.
في ما يتعلق بخسارة المعركة الثقافية، يتعلق أحد العوامل الأولى التي ذكرها من تمت مقابلتهم بالمعركة الثقافية. وبالتالي، يمكن تفسير تراجع اليسار المغربي بفشله في خوض هذه المعركة الثقافية. ووفقًا لمصطفى بوعزيز، كان تراجع اليسار متأصلًا في التطور العام للمجتمع المغربي، الذي ظل محافظًا بشدة.
وفقًا لهذا التحليل، وقع اليسار المغربي في خطأ موروث من الستالينية. فقد طور ستالين، على عكس ماركس، تمييزه الشهير بين البنية التحتية والبنية الفوقية بفصل المفهومين. وجادل بأن البنية التحتية تُشكل البنية الفوقية. أما كارل ماركس، من جهة أخرى، فلم يفصل بين المفهومين قط، بل أكد على ترابطهما.
(يتبع)



#أحمد_رباص (هاشتاغ)       Ahmed_Rabass#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ميشال فوكو طالبا تحت المراقبة
- أسباب تراجع اليسار المغربي في السنوات الأخيرة (الجزء الثاني ...
- أسباب تراجع اليسار المغربي في السنوات الأخيرة (الجزء الحادي ...
- أسباب تراجع اليسار المغربي في السنوات الأخيرة (الجزء العشرون ...
- أسباب تراجع اليسار المغربي في السنوات الأخيرة (الجزء التاسع ...
- أسباب تراجع اليسار المغربي في السنوات الأخيرة (الجزء الثامن ...
- أسباب تراجع اليسار المغربي في السنوات الأخيرة (الجزء السابع ...
- أسباب تراجع اليسار المغربي في السنوات الأخيرة (الجزء السادس ...
- أسباب تراجع اليسار المغربي في السنوات الأخيرة (الجزء الخامس ...
- أسباب تراجع اليسار المغربي في السنوات الأخيرة (الجزء الرابع ...
- أسباب تراجع اليسار المغربي في السنوات الأخيرة (الجزء الثالث ...
- أسباب تراجع اليسار المغربي في السنوات الأخيرة (الجزء الثاني ...
- أسباب تراجع اليسار المغربي في السنوات الأخيرة (الجزء الحادي ...
- إيمانويل كانط ثوريا في بيته
- أسباب تراجع اليسار المغربي في السنوات الأخيرة (الجزء العاشر)
- أسباب تراجع اليسار المغربي في السنوات الأخيرة (الجزء التاسع)
- مفهوم -أمور فاتي- (حب القدر) عند فريديريك تيتشه
- جيروم ميتلوس: كيف أصبح ماركس شيوعيا؟
- أسباب تراجع اليسار المغربي في السنوات الأخيرة (الجزء الثامن)
- أسباب تراجع اليسار المغربي في السنوات الأخيرة (الجزء السابع)


المزيد.....




- حليف أردوغان يدعو إلى دستور جديد وتعديل قوانين الانتخابات وا ...
- ماسك يهنئ -البديل من أجل ألمانيا- بفوزه في ساكسونيا-أنهالت.. ...
- مرشحة ديمقراطية لمنصب حاكم أوهايو تنجو من هجوم مسلح خلال فعا ...
- شهيد فلسطيني و3 مصابين إثر اعتداءات للمستوطنين في الضفة
- الجزائر.. حبل المشنقة بانتظار مفتعلي الحرائق ومختطفي القصر
- كيم جونغ أون يدشن المدمرة -كانغ كون- ويعلن إدماجها في منظومة ...
- الخارجية الإيرانية: الحرب التي شنتها واشنطن سببت تعطيل الملا ...
- كوشنر يفضح سبب -الجنون- الحالي في إسرائيل وأمرا فهمته الإدار ...
- مصرع 10 أشخاص في انفجار ألعاب نارية قرب كنيسة وسط المكسيك (ف ...
- أكثر من 200 قتيل حصيلة العمليات الأمريكية ضد -قوارب المخدرات ...


المزيد.....

- حوار الرفيق ع.الغني القباج مع جريدة -المناضل-ة- / عبد الغني القباج
- عن الجامعة والعنف الطلابي وأسبابه الحقيقية / مصطفى بن صالح
- بناء الأداة الثورية مهمة لا محيد عنها / وديع السرغيني
- غلاء الأسعار: البرجوازيون ينهبون الشعب / المناضل-ة
- دروس مصر2013 و تونس2021 : حول بعض القضايا السياسية / احمد المغربي
- الكتاب الأول - دراسات في الاقتصاد والمجتمع وحالة حقوق الإنسا ... / كاظم حبيب
- ردّا على انتقادات: -حيثما تكون الحريّة أكون-(1) / حمه الهمامي
- برنامجنا : مضمون النضال النقابي الفلاحي بالمغرب / النقابة الوطنية للفلاحين الصغار والمهنيين الغابويين
- المستعمرة المنسية: الصحراء الغربية المحتلة / سعاد الولي
- حول النموذج “التنموي” المزعوم في المغرب / عبدالله الحريف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المغرب العربي - أحمد رباص - أسباب تراجع اليسار المغربي في السنوات الأخيرة (الجزء الثالث والعشرون)