أحمد رباص
كاتب
(Ahmed Rabass)
الحوار المتمدن-العدد: 8818 - 2026 / 9 / 4 - 00:02
المحور:
اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المغرب العربي
في ذلك الوقت، برزت بعض التأثيرات الخارجية. تجلّى ذلك بوضوح في ظهور حركة مقاومة يسارية جذرية جديدة في فلسطين، تمثلت في تأسيس الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، التي انبثقت من انشقاق داخل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. وقد أيدت حركة "إلى الأمام" بقوة مواقف الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين بقيادة نايف حواتمة. نجح الأخير في إعادة تنظيم الكفاح المسلح للشعب الفلسطيني من خلال إدخال الصراع الطبقي والقطيعة مع الخط القومي الذي دافع عنه النظام الناصري.
بالنسبة لحركة "إلى الأمام"، كان هذا الدعم مبرراً أيضاً لأن مواقف الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين جعلت "نضال الشعب الفلسطيني رأس حربة النضالات الثورية في العالم". وقد طُردت هذه المجموعة، التي اتهمت قيادة الحزب الشيوعي المغربي بالتحريفية والخضوع، عام 1971، وقررت الانفصال، مؤسسةً منظمة "إلى الأمام". دعت الحركة علنًا إلى إلغاء النظام الملكي وإقامة جمهورية ديمقراطية شعبية.
أعطت كل هذه العوامل الداخلية والخارجية زخمًا جديدًا للخلايا الأولى للحركة الماركسية اللينينية المغربية، التي نفذت استراتيجية تهدف إلى السيطرة على الاتحاد الوطني لطلبة المغرب. ثم سيطروا على حرم الجامعات بفضل جيل من الطلبة الثوريين
والملتزمين. كما اعتقدوا أنه في أعقاب الانقلابات العسكرية والانتفاضات المسلحة التي قادها قادة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية البلانكيون من الجزائر العاصمة، كانت الملكية على وشك الانهيار.
هكذا، أفلت المؤتمر الخامس عشر للاتحاد الوطني لطلبة المغرب، الذي عُقد بين 11 و18 غشت 1972، تمامًا من سيطرة ممثلي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وسقط بدلًا من ذلك في يد الفصيل التقدمي المعروف باسم "الجبهة المتحدة للطلبة التقدميين". جمع هذا الأخير جميع تيارات الحركة الماركسية اللينينية المغربية، التي ستفوز برئاسة اتحاد الطلبة وتسيطر عليه. ومنذ ذلك الحين، بدأ صوت جديد يُسمع داخل الجامعة، يُحلل الوضع العام في المغرب من منظور الماركسية اللينينية والماوية.
على الصعيد السياسي، أصرت الجبهة المتحدة للطلبة التقدميين على الربط بين نضال الطلبة ونضال الجماهير الشعبية، ودعمها لجميع حركات التحرر العالمية، وفي مقدمتها الثورة الفلسطينية. أما على الصعيد النقابي، فقد أعادت الجبهة التأكيد على النضال من أجل تعليم شعبي، معرب، ديمقراطي، علمي، وموحد، لإضفاء مضمون تقدمي على استقلال الجامعة،وحرمتها.
بالنسبة للجبهة، يُعد برنامج النضال لإقامة سلطة وطنية، ديمقراطية، وشعبية الخيار الوحيد القادر على انتشال البلاد من الأزمة العامة. بدأت مواقف الجبهة الطلابية التقدمية الراديكالية تُسمع خارج أسوار الجامعات المغلقة. ويبدو أن هذا التطور لم يلقَ قبولاً لدى النظام، الذي أعلن عدم شرعية الاتحاد الوطني لطلبة يوم 24 يناير 1973.
باختصار، لاقى ظهور هذا الجيل الجديد من النشطاء اليساريين صدىً واسعاً لدى الشباب في سن المدراس والجامعات طوال سبعينيات القرن الماضي، قبل أن يحظى بالاعتراف القانوني تحت اسمي "منظمة العمل الديمقراطي الشعبي" بالنسبة لحركة "23 مارس"، و"النهج الديمقراطي" بالنسبة لحركة "إلى الأمام".
أمام ضخامة هذه الأحداث وصعود جناح يساري راديكالي تبنى الأفكار الثورية السائدة، قرر القصر جعل النضال الإتيديولوجي ضد الفكر الحداثي والتقدمي هدفاً رئيسياً. ولتحقيق هذه الغاية، شنّ النظام حملة تخريب ضد النظام التعليمي وإعادة ترسيخ التقاليد في المجتمع، بهدف خنق هذا الجيل الجديد من الفاعلين النشطين الذين كانوا يعملون على إقامة نظام حداثي. وكان الهدف الرئيسي لهذه الاستراتيجية أيضاً هو الحد من صعود طبقة متعلمة ومتمردة قد تشكل تهديداً للنظام
وتُعرّض مشاريعه السياسية للخطر.
بنية تخريب النظام التعليمي وإعادة إحياء التقاليد في المجتمع، لم يتردد رئيس الدولة، في خطابه الموجه إلى الشعب بتاريخ 29 مارس، في توجيه اللوم مباشرةً إلى المعلمين والشباب المغربي، وكذلك إلى المعارضة البرلمانية اليسارية. واتُهمت هيئة التدريس، الملتزمة إلى حد كبير بالمبادئ اليسارية، من قبل النظام بأنها رأس حربة الاحتجاجات وأنها قامت بتحريض التلامبذ الطلبة على التظاهر في الشوارع. وبمخاطبته المتظاهرين بهذه الطريقة، فجّر غضبه وكشف، "بشكل عابر، عن مفتاح السياسة التعليمية التي تم اتباعها لاحقاً"، كما يرى بيبر فيرمرين.
خاطب الملك الأساتذة ليذكرهم بأن من المعتاد أن يتحلى الرجال، وخاصة المثقفون، بالشجاعة الكافية للتعبير عن أفكارهم وعدم استغلال الطلاب والاختباء وراء الأطفال. ومع ذلك، رأى الحسن الثاني أنه ينبغي أن يكونوا رجالًا جديرين بهذا التعريف وأن يتحملوا نصيبهم من المسؤولية، وأخبرهم في نفس الوقت بأنه لا يوجد خطر على الدولة أخطر من خطر من يُدعى مثقفًا، وتمنى لو كان جميع الأستاذة أميين.
في هذه المناسبة، خاطب الملك أيضًا أولئك الذين منحهم الناخبون ثقتهم والذين أوصلتهم أصواتهم إلى البرلمان، ليقول لهم: كفى من الخطابات الجوفاء والكلمات الفارغة!.
ويرى المؤرخ المغربي المعطي منجب أن النظام اعتبر المنظومة التعليمية "المحور الرئيسي للحداثة السياسية، وبالتالي التحدي للملكية المطلقة". لهذا شرع في سلسلة من الإجراءات لحماية الشباب المتعلم والناشط سياسياً من تأثير الإيديولوجيات الاشتراكية والماركسية. ونظراً لأن المعارضة الماركسية اللينينية استندت في المقام الأول إلى الأفكار العلمانية والإيديولوجيات الثورية السائدة، فقد تم توظيف الخطاب التقليدي والديني على نطاق واسع وتعبئته ضد هذه المذاهب، التي اعتُبرت دخيلة وتخريبية.
وفي مقابل تحديث "العقول والبنيات"، عارض النظام "أسلمة العقول بجهاز تربوي متكامل". وكان الهدف هو "تقويض أسس التفكير النقدي التي أدت إلى ثورة الجامعات". وكانت استراتيجية الغزو و"إعادة إضفاء التقليد" على المنظومة التعليمية تهدف إلى "تهيئة عقول الشباب المغربي، الذين كانوا، وفقاً لمروجي هذا المشروع، ضحايا "إيديولوجيات تخريبية مستوردة".
تدعم العديد من التحليلات هذه الملاحظة. وهكذا، يوضح مصطفى حجة أن سياسة إعادة التمسك بالتقاليد هذه كانت تهدف بلا شك إلى "الحد قدر الإمكان من طاقة الطبقات الصاعدة (البروليتاريا، البرجوازية الصغيرة) ومواجهة مثقفيها بشكل جذري حتى
تبقى بنية السلطة على حالها".
من جانبها، أكدت زكية داود في هذا الصدد أن "التقاليد تصبح مرة أخرى قيمة تُظهر بوضوح رغبتها في محاربة الأفكار الاشتراكية"، واضافت أيضًا أنه من أجل مكافحة الأفكار الحداثية والتقدمية، شجع النظام ثقافة لم يعد فيها "لحق التفكير والاحتجاج والحريات الفردية أي تأثير".
تتفق سارة فوير مع هذا الرأي، مسلطة الضوء على نهج عدم التدخل الذي اتبعه النظام المغربي تجاه المؤسسات التعليمية التقليدية. وتوضح أنه على عكس دول شمال أفريقيا الأخرى مثل مصر أو تونس، التي تبنت سياسات علمنة أكثر صرامة، تسامح صانعو السياسات المغاربة مع آلاف المدارس التقليدية المنتشرة في جميع أنحاء البلاد. في هذا الصدد، تشير إلى أن النظام شجع على انتشار مدارس القرآن المعروفة باسم "المسيد"، و"أنشأ مؤسسات جديدة للتعليم الإسلامي العالي، وشجع على نمو عدد
المدارس والجمعيات الخاصة المخصصة للتعليم الإسلامي."
كما لاحظت المؤلفة أن "الخبراء قدّروا أن مدارس القرآن لجميع الأعمار قد تضاعفت أكثر من مرتين، حيث ارتفعت من 30,000 مدرسة في نهاية الستينيات إلى ما يقرب من 70,000 مدرسة في عام 1980."
في هذا السياق، يقدم لنا المؤرخ المغربي المعطي منجب شهادةً مؤثرةً من المدير السابق للكلية الملكية، محمد شفيق، الخبير في مجال التعليم. يوضح شفيق أنه في عام 1968، دعاه إدريس المحمدي، المدير العام للديوان الملكي آنذاك، للانضمام إلى الديوان بهدف مساعدة النظام على فهم "عقلية المعلمين والطلبة". وقد جاءت دعوته في سياق موجة الثورة الفرنسية في ماي 1968، التي كان النظام المغربي يخشى انتشارها. ورغم تردده، كونه شخصيةً يساريةً مرموقةً في الأوساط الفكرية بالرباط، فقد سُمح له مع ذلك بكتابة تقريرين مع الحفاظ على قناعاته. ركز تقريره الثاني على محتوى وأثر التدريس الذي يقدمه "الفقيه" (معلم القرآن) في
المساجد والمدارس القرآنية الصغيرة المعروفة باسم "المسيد" في المغرب. واختتم هذا التقرير بالقول إن التدريس في المدارس القرآنية "هو أحد الأسباب الرئيسية لتخلفنا الحضاري". وذكر شفيق أنه أرسل بعد ذلك، بناءً على أوامر من القصر، رسالة إلى وزير التربية الوطنية يطلب منه تعميم استخدام المدارس القرآنية ونشرها في جميع أنحاء
الأراضي المغربية. بالنسبة له، كان هذا "قمة الازدراء والتشاؤم بمستقبل الأمة".
وفي وقت لاحق، أدلى بتصريح لصحيفة "إيكونوميا" في أكتوبر 2010 ذكر فيه أن "الحسابات السياسية قد طغت إلى حد كبير على العقلانية السياسية". في الواقع، وفقًا لمحمد شفيق، فإن ثقافة الخضوع
التي تُدرّس في المدارس التقليدية تخدم أهداف النظام. بمعنى آخر، "تتوافق فلسفة سلطة المخزن التاريخية تمامًا مع الفلسفة التربوية للمسيد". وهذا، بحسب محمد شفيق، يُظهر الضرر الذي ألحقه التعليم التقليدي
على المستوى الثقافي.
وقد برر النظام تخريب النظام التعليمي بـ"اقتناعه بأن التحديث السريع للعقول والبنيات سيقوض في نهاية المطاف الأسس الثقافية والدينية للشرعية الملكية". أدى ذلك إلى موقف عدائي تجاه بعض البرامج
التي تُدرَّس في أقسام العلوم الاجتماعية والإنسانية، وخاصة الفلسفة. وهذا
يُفسر الهجوم المتواصل على المنظومة التعليمية وإيقاف بعض البرامج المدرسية من قِبل النظام. ففي عام 1968، تم حلّ معهد السوسيولوجيا الذي أسسه عبد الكبير الخطيبي وبول باسكون في الرباط. كما تم إغلاق قسم الفلسفة الفرنسية. واستُبدل ببرنامج فلسفي باللغة العربية يركز على الفكر الإسلامي. في عام 1973، طبّق النظام سياسة تعريب أقسام التاريخ والعلوم الإنسانية، ثم في عام 1977، جاء دور المرحلتين الابتدائية والثانوية لإخضاعهما للتعريب، وأخيرًا، في عام 1978، افتتح شعبة للدراسات الإسلامية.
تؤكد نبيلة منيب أن جميع التدابير التي اتخذها النظام لمكافحة اليسار كانت "مدعومة باستراتيجيات إضافية، أكثر فعالية وضررًا بشكل ملحوظ. وكان في مقدمة هذه الاستراتيجيات تدمير المدارس الحكومية، لذا في الواقع، كان يسعى، من خلال كل ما فعله، إلى القضاء على أي احتمال لعودة اليسار في المستقبل. ولذلك، كان يعمل على تجفيف جميع مصادر الدعم التي تغذي اليسار، لا سيما على مستوى الجامعات والمدارس الثانوية، وقبل كل شيء من خلال السيطرة التي تُمارس عبر الكتب المدرسية. ماذا غرست هذه السيطرة؟ الطاعة العمياء، وانعدام التفكير النقدي، وانعدام المعرفة العامة. وهنا، بالطبع، سيحظر تدريس الفلسفة علم الاجتماع، كل ذلك من أجل السيطرة والهيمنة".
(يتبع)
#أحمد_رباص (هاشتاغ)
Ahmed_Rabass#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟