أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - مهند كاظم محمد - سلسلة أشياء لم ننتبه إليها……. الحلقة الحادية عشر














المزيد.....

سلسلة أشياء لم ننتبه إليها……. الحلقة الحادية عشر


مهند كاظم محمد

الحوار المتمدن-العدد: 8831 - 2026 / 9 / 17 - 13:37
المحور: قضايا ثقافية
    


المسمار... الصغير الذي يحمل الكبير

من الغريب أن يكون المسمار واحداً من أصغر الأشياء التي نستخدمها في حياتنا، ومع ذلك قد يكون مسؤولاً عن حمل أشياء أكبر منه عشرات المرات. نراه في الجدار ولا نعيره اهتماماً، وقد نمر بجانبه سنوات طويلة دون أن نسأل أنفسنا: ماذا يفعل هذا الشيء الصغير هنا؟ ربما لأنه يؤدي مهمته بصمت كامل؛ لا يطلب منا أن نشكره، ولا يلفت انتباهنا إلى وجوده، ولا يرفع صوته عندما يحمل فوقه صورة أو رفاً أو قطعة أثاث، وكأنه يعرف أن قيمة بعض الأشياء ليست في حجمها، إنما في ما تستطيع أن تحمله.
المسمار لا يدخل الجدار بسهولة، وهذه أول حكاياته. يحتاج إلى طرقة، ثم أخرى، وربما عشرات الطرقات حتى يستقر في مكانه. وكلما اشتد الطرق، ازداد ثباتاً، حتى يصل إلى اللحظة التي يصبح فيها جزءاً من الجدار نفسه. ولو نظرنا إليه من بعيد، قد لا نرى منه إلا رأساً صغيراً، بينما الجزء الأكبر منه مختبئ في الداخل، يقوم بالمهمة التي لا نراها. وهذا ربما يشبه كثيراً من الناس الذين نلتقيهم في حياتنا؛ نرى منهم جزءاً صغيراً، ولا نعرف كم من التعب أخفوه خلف هدوئهم حتى أصبحوا قادرين على حمل أشياء لا يراها أحد، لكن المسمار ليس قوياً دائماً لمجرد أنه مصنوع من الحديد. قوته الحقيقية تظهر عندما يوضع في المكان المناسب. المسمار الذي يوضع في جدار هش قد لا يحمل شيئاً، مهما كان صلباً، والمسمار الذي يُطرق في المكان الخطأ قد يصبح عبئاً أو حتى خطراً. وهنا تبدو المسألة أعمق مما كنا نظن؛ فليس كل إنسان ضعيفاً لأنه لم ينجح في مكان ما، وربما يكون كل ما يحتاجه هو المكان الذي يعرف قيمته ويمنحه فرصة لأن يؤدي دوره.
الأغرب أن المسمار حين ينجح في مهمته يختفي تقريباً. نعلّق عليه لوحة جميلة، فننظر إلى اللوحة ولا ننظر إليه. نضع رفاً فوقه، فنرى الكتب والأشياء التي يحملها وننسى من يحملها. قد يكون الشيء الذي نراه جميلاً قائماً بفضل شيء صغير لا نراه. وهكذا تمضي الحياة أيضاً؛ هناك أشخاص يقفون خلف نجاحات كثيرة، يحملون مسؤولياتهم بصمت، ثم يذهب الضوء إلى من يقف في الواجهة، بينما يبقى هو في مكانه، لا يطالب أحداً بأن يلتفت إليه. مع ذلك، لا أظن أن المسمار يريد منا أن نمدحه لأنه يتحمل الضرب. فليس كل ألم يصنع قوة، وليس كل من تألم أصبح أقوى. هناك فرق بين أن تتحمل لأنك تسير في طريق يستحق، وبين أن تعتاد الألم حتى تنسى أنك كنت تستحق حياة أكثر رحمة. المسمار لا يختار الضرب، أما الإنسان فيستطيع أحياناً أن يختار المكان الذي يقف فيه، والطريق الذي يسلكه، والأشياء التي تستحق أن يتحمل من أجلها.
هنالك شيء آخر في المسمار يستحق التأمل؛ أنه لا يحمل كل شيء. لكل مسمار قدرة، ولكل جدار حدود، ولكل مهمة ما يناسبها. المشكلة تبدأ عندما نحمّل شيئاً أكثر مما يستطيع. وربما نحن البشر نفعل ذلك كثيراً مع أنفسنا ومع الآخرين. نعطي شخصاً واحداً مسؤوليات كثيرة لأنه اعتاد أن يتحمل، ثم نستغرب عندما يتعب. نضع على كتفي إنسان كل ما لا نريد حمله نحن، وننسى أن قدرته على التحمل ليست دعوة للاستمرار في تحميله.
أحياناً يكون المسمار في المكان الخطأ، وعندها لا تنفع قوته. قد يبقى ثابتاً لكنه لا يؤدي الغرض الذي وضع من أجله، قد يكون وجوده مؤذياً لمن يقترب منه. وهنا نتذكر أن الثبات ليس دائماً فضيلة؛ فقد يتمسك الإنسان بمكان لا يناسبه، أو بعلاقة تؤذيه، أو بفكرة لم تعد صحيحة، ثم يظن أن بقاءه فيها دليل قوة. بينما قد تكون القوة الحقيقية في أن يعرف متى يخرج من الجدار الذي لم يعد مكانه.
المسمار لا يعيش وحده. قد يبدو صغيراً منفرداً، لكنه عندما يعمل مع غيره يستطيع أن يحمل شيئاً أكبر بكثير. مسمار إلى جانب مسمار، وقطعة إلى جانب قطعة، حتى يصبح هناك بيت أو رف أو باب أو إطار. وكأن الأشياء الكبيرة في الحياة لا تقوم دائماً على شيء كبير واحد، وإنما على تفاصيل صغيرة تؤدي أدوارها بدقة، ثم تجتمع لتصنع الصورة التي نراها.
عندما ننظر إلى مسمار قديم في جدار بيت، ربما لا نعرف منذ متى وهو هناك. ربما سبقتنا إليه وجوه كثيرة، وربما علّق عليه أصحاب البيت صورة لم تعد موجودة، أو حمل رفاً كانت عليه أشياء اختفت، أو بقي وحيداً بعد أن تغير كل شيء من حوله. لكنه ظل يؤدي وظيفته، لا لأنه ينتظر أن يتذكره أحد، وإنما لأنه ببساطة كان يعرف لماذا وُضع هناك.
نحتاج أحياناً إلى أن نسأل أنفسنا السؤال نفسه: هل نحن في المكان الذي نستطيع فيه أن نعطي أفضل ما لدينا؟ ، هل ما نحمله يستحق كل هذا الحمل؟ وهل نحتاج دائماً إلى أن يرانا الآخرون، أم يكفينا أحياناً أن نعرف أننا كنا سبباً في بقاء شيء جميل قائماً؟
المسمار لا يلمع كثيراً، ولا يحتل مكاناً في الواجهة، ولا يتحدث عن نفسه، لكنه قد يحمل فوق رأسه شيئاً يراه الجميع. وربما هذه واحدة من أجمل المفارقات في الحياة: أن الأشياء التي تحمل كثيراً ليست دائماً هي الأشياء التي نراها.
لذلك، في المرة القادمة التي ترى فيها مسماراً صغيراً في جدار، لا تنظر إليه باعتباره قطعة حديد عابرة. ربما يكون هناك شيء جميل معلق فوقه، وربما يكون خلف ذلك الشيء قصة لا تعرفها، وربما يذكرك بأن الحياة لا تحتاج دائماً إلى أن تكون كبيراً كي تكون مهماً.
فبعض الأشياء الصغيرة لا تلفت النظر... لأنها مشغولة بحمل الأشياء التي تلفت النظر.



#مهند_كاظم_محمد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سلسلة أشياء لم ننتبه إليها ... الحلقة العاشرة
- سلسلة أشياء لم ننتبه إليها ... الحلقة التاسعة
- سلسلة أشياء لم ننتبه إليها ... الحلقة الثامنة
- سلسلة أشياء لم ننتبه إليها ...الحلقة السابعة
- سلسلة أشياء لم ننتبه إليها ... الحلقة السادسة
- سلسلة أشياء لم ننتبه إليها ... الحلقة الخامسة
- سلسلة أشياء لم ننتبه إليها.... الحلقة الرابعة
- سلسلة أشياء لم ننتبه إليها / الحلقة الثالثة
- سلسلة اشياء لم ننتبه اليها
- سلسلة أشياء لم ننتبه إليها
- التحول الرقمي وأثره في تحسين كفاءة الخدمات الحكومية دراسة تح ...
- الخسارات التي لا تعزى
- النوم والدماغ والسهر
- عقل الصف وذكاء التقنية
- أبطال بلا تصفيق
- حين يصبح المريض رقما!!!
- تقنية النانو تكنولوجي
- التقاعد الوظيفي
- ثقافة الانجاز الوهمي
- لماذا يحن الناس الى الماضي رغم صعوبته


المزيد.....




- البيت الأبيض يسحب مرشحه لمنصب مدير إدارة الهجرة والجمارك لهذ ...
- من دعم لبنان وسيادته إلى حرية الملاحة.. أبرز رسائل ماكرون في ...
- أكبر من الكولوسيوم الروماني.. اكتشاف فوهة قمرية نتجت عن حدث ...
- واشنطن توافق على صفقة محتملة لبيع مقاتلات -إف-35- للسعودية ب ...
- لوكاشينكو: واشنطن لم تطلب من مينسك الابتعاد عن موسكو
- وزير الدفاع الباكستاني يوجه تهديدًا للحوثيين: الوقت حان لتنف ...
- عودة الرحلات المباشرة بين إسرائيل والمغرب.. لماذا يتدفق الإس ...
- طرابلس تحبط شحنة حبوب على شكل القذافي مع ظهور كبتاغون الأسد ...
- من الفورمولا 1 إلى فيبا: قطر تكشف أجندة حافلة بالفعاليات الع ...
- تركيا تتحرك لوقف هجمات البحر الأسود.. مسودة اتفاق روسية-أوكر ...


المزيد.....

- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - مهند كاظم محمد - سلسلة أشياء لم ننتبه إليها……. الحلقة الحادية عشر