أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - حسن مدبولى - كيف أحرقت السياسة ،مكة و الكعبة،أربع مرات؟















المزيد.....

كيف أحرقت السياسة ،مكة و الكعبة،أربع مرات؟


حسن مدبولى

الحوار المتمدن-العدد: 8831 - 2026 / 9 / 17 - 07:51
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


ليس المقصود بالحرق هنا أن مكة اشتعلت بالنار في كل مرة، إنما المقصود أن حرمتها وأمنها وقداستها تعرضت في أربع وقائع متباعدة، للاقتحام والترويع والتدنيس حين غلب منطق السلطة والسلاح على حرمة المكان. بينما كان خلف كل واقعة مشروع سياسي أو صراع على الحكم أو النفوذ، وكانت النتيجة أن تحوّل الحرم ــ الذي يفترض أن يكون خارج الخصومة ــ إلى ساحة لتصفية الحسابات أو فرض الإرادة بالقوة.

بهذا المعنى، لا تبدو الأحداث التاريخية وقائع منفصلة أو مجرد «فتن» عابرة. لكنها تكشف مسارًا واحدًا يبدو جليا حين تصبح شرعية السلطة موضع نزاع، أو حين تعجز عن إخضاع خصومها بالوسائل السياسية، فتلجأ إلى القهر والعنف، وحين يردّ الخصوم أو الجماعات المسلحة بالمنطق نفسه،و عندها لا تعود الأماكن المقدسة ملاذًا يحمي المتخاصمين، بل تصبح جزءًا من الصراع، ويُدفع أمنها ثمنًا لبقاء سلطة أو فرض مشروع أو الانتقام من خصم،
وهناك أربعة وقائع تعكس هذه الحقائق ، الواقعة الأولى عندما حاصر جيش السلطة الاموية مكة عام 64هـ/683م،
فبعد وفاة معاوية وبيعة يزيد، رفض عبد الله بن الزبير بن العوام البيعة، واتخذ مكة مركزًا لمعارضته. لم يكن ابن الزبير خصمًا هامشيًا؛ فقد كان ذا مكانة دينية وسياسية، وامتد نفوذه إلى مناطق واسعة من العالم الإسلامي. لذلك لم يكن النزاع حول شخص معزول، بل حول شرعية الحكم ومن يملك حق تمثيل الجماعة السياسية.
وبدل أن يُحسم الخلاف بالحوار أو التوافق، أرسلت السلطة الأموية جيشًا إلى مكة. فحوصرت المدينة، ونُصبت المنجنيقات، وقُذفت بالحجارة والجمر ، فاشتعلت الكعبة أثناء القتال. وقد اختلفت الروايات في تفاصيل الشرارة المباشرة للحريق، لكن هذه التفاصيل لا تمس الحقيقة الأهم: جيش أُرسل لإنهاء خصم سياسي دخل مكة بالسلاح، فتحولت الكعبة إلى جزء من المعركة.
وهنا تكمن دلالة الواقعة. فالمشكلة ليست فيمن أشعل النار؟ بل من القرار الذي جعل استخدام القوة العسكرية داخل مكة وسيلة لإسقاط معارض سياسي. .

اما الواقعة الثانية فحدثت عندما عاد المنجنيق إلى قصف مكة عام 73هـ/692م لكن تحت قيادة جديدة،
فبعد تولى عبد الملك بن مروان خلفا ليزيد بن معاوية، واستعادته لمعظم أقاليم الدولة، بقي عبد الله بن الزبير في مكة. فأرسل مروان رجله المفضل (السفاح ) الحجاج بن يوسف على رأس جيش عرمرم لاخضاع الزبير ، وحوصرت المدينة المقدسة مرة ثانية، ونُصبت المنجنيقات على جبل أبي قبيس، وقُذفت مكة بالحجارة وقطع النار . وتفرّق أنصار ابن الزبير وتآكلت قوته، لكنه لم يبايع لينجو، واستشهد في نهاية المطاف داخل مكة.
وتظهر في هذه الواقعة صورة القمع السياسي مكتملة: خصم يرفض الاعتراف بسلطة قائمة، وسلطة لا تقبل بقاء مركز معارض، وجيش يُستخدم لحسم الخلاف في أقدس مدينة.
لم يتوقف أثر الانتصار عند قتل ابن الزبير؛ فقد أُخرج الحِجر من بناء الكعبة وأُعيد الباب إلى صورة قريبة من صورته السابقة، حيث كان الزبير قد اعاد بنائه تنفيذا لوصية عائشة رضي الله عنها ، فوصل حقد السلطة والصراع السياسي إلى البناء نفسه، ومُحي جزء من التغيير الذي ارتبط بمشروع الخصم.

اما الواقعة الثالثة فكانت عام 1979، عندما دخل السلاح الى المسجد الحرام مرة أخرى، فى صراع سلطوى مختلف،
ففي 20 نوفمبر 1979 اقتحمت جماعة مسلحة بقيادة المدعو جهيمان العتيبي المسجد الحرام، وأعلنت رفضها للنظام السياسى القائم وبايعت محمد بن عبد الله القحطاني باعتباره «المهدي»، فتحول الحرم إلى موقع مواجهة مسلحة بين تلك الجماعة والسلطات الحاكمة استمرت نحو أسبوعين. وانتهت العملية باستعادة القوات الرسمية السيطرة على المسجد، بعد قصفه بكل انواع الاسلحة ، ثم تلا ذلك إعدام جهيمان وعدد من أتباعه.

هذه الواقعة تتشابه مع حصاري ابن الزبير ، فهناك جماعة أرادت فرض مشروع ديني ــ سياسي رفضا للنظام القائم -أيا كانت الأسباب- فتمت مواجهتها بالقوة المفرطة، لكن الاختلاف في التفاصيل لا يلغي وحدة النتيجة: السلاح والعنف دخلا الى الحرم، وتعطلت الصلاة والأمن، وسقطت الحماية التي يفترض أن تجعل مكة خارج كافة الصراعات.
لكن الفارق هنا هو أن الكعبةلم تشتعل بالنار بسبب المنجنيق ، لكن معنى الحرمة تعرض للحرق الرمزي: فأُغلقت أبواب المسجد، وانتشر المسلحون في أقدس موضع، وتحول المكان الذي يفترض أن يمنع الاحتراب إلى ساحة لفرض البيعة والمشروع بالقوة.
وفى ذات الوقت تثبت الواقعة أن القمع لا يقتصر على ما تمارسه الدولة ضد خصومها؛ فقد تمارسه أيضًا جماعات ناقمة تسعى إلى المشاركة فى السلطة،لانعدام السبل السياسية للتغيير، فترى أن السلاح يجيز لها فرض تصورها على الجميع، حتى داخل الحرم.

أما الواقعة الرابعة فتتمثل فى اقتراب التهديد العسكري من مكة في سياق الحرب الحالية بين اليمن والرياض، والتى تدور رحاها فى اطار حرب اقليمية أوسع،
ففي 15 و16 سبتمبر 2026 عادت مكة إلى واجهة الأخبار بعد تحذيرات أمنية وإعلان سعودي عن اعتراض هجوم قالت الدفاعات إنه وقع جنوب مكة، في حين نفت جماعة الحوثي الحاكمة فى صنعاء أية استهدافات لمكة أو المواقع المقدسة.
فلا تثبت هذه الواقعة أن الكعبة قُصفت، ولا تبرر نسبة استهداف مكة إلى طرف من دون دليل. ولعلها مجرد محاولة استخدام لرمزية المكان لتحويل الرأى العام الى رفض مواقف الحوثيين الذين ساندوا غزة وواجهوا الصلف الصهيونى، لكن الثابت من سياق كل ذلك أن محيط مكة أصبح قريبًا من تهديد عسكري متصل بحرب سياسية وإقليمية. وهذه الحقيقة وحدها تكشف استمرار المشكلة القديمة، فحين تمتد الحروب والصراعات على النفوذ، لا تبقى حرمة المكان بمنأى عن آثارها؛ إذ يمكن أن يقترب السلاح من الحرم، أو تُستدعى قدسيته في الدعاية المغرضة كالتى تم استخدامها ضد صدام حسين أثناء الغزو الأميركى مرتين للعراق فى عامى 1991 ، 2003 حيث تم اتهامه بانه يريد هدم الكعبة لمجرد انه قصف بعض المواقع التى انطلقت منها جحافل الغزو الأميركى لبغداد ؟

والملاحظة العامة على تلك الوقائع ان الأطراف والشعارات والظروف التاريخية مختلفة ، لكن البنية واحدة:
ففي حصار عام 64هـ، استخدمت السلطة جيشها لإسقاط خصم سياسي احتمى بمكة، فوصل القتال إلى الكعبة واحترقت.
وفي حصار عام 73هـ، عادت السلطة إلى الوسيلة نفسها لإنهاء الخصم ذاته، فقُتل ابن الزبير داخل مكة، وامتد الحسم السياسي إلى هيكل بناء الكعبة.
أما في واقعة جهيمان، فقد دخلت جماعة مسلحة الحرم لتفرض مشروعًا دينيًا ــ سياسيًا بالقوة، فتحول أقدس مكان إلى ساحة مواجهة أدت الى قتل وتدمير،
أما في التهديد المعاصر، فقد اقترب الخطر العسكري من مكة ضمن حرب إقليمية، فأصبح محيطها عرضة لاحتمالات الصراع، حتى مع نفي استهداف المواقع المقدسة وعدم وصول القصف للكعبة.

وهذه الوقائع لا تقول إن الفاعلين متطابقون، ولا إن دوافعهم واحدة، ولا إن المسؤولية القانونية أو التاريخية متساوية بينهم. لكنها تثبت فكرة أكثر تحديدًا مضمونها أنه كلما تحولت السياسة إلى قمع، وتحول الخلاف على الشرعية إلى صراع مسلح فى تلك المنطقة، تراجعت حرمة المقدس أمام منطق الغلبة. وقد يصدر الانتهاك عن سلطة تريد سحق معارض، أو عن جماعة تريد فرض مشروعها، أو عن حرب تجعل المكان القريب من المعارك عرضة للخطر.



#حسن_مدبولى (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- آدى إللى كان ،، يامولانا ؟
- الديانة السلفية !!
- نهاية العالم يوم 13 نوفمبر 2026 !؟
- النظام البرلمانى كخيار للاصلاح
- طه حسين خارج الهالة، تفكيك الرمز لاهدمه !
- المرجع الشرعى الأوحد ؟
- مأساة أحمد عرابي !!
- المناضل السياسى الذى تقبل الثمن !؟
- الإشتراكى الزاهد !!
- التكنوقراط الإصطناعى !!
- العلمانية تتجاوز المحاصصة الطائفية
- قتل البنات والسيدات دون ردة فعل ؟
- قتل شعبه ، واستسلم للأعداء؟
- الآذان ، حرب وجودية !!؟
- المقايضة الكبرى : أصول الدولة مقابل الدين المحلى؟
- إبراهيم وغالى ، ويامصر بتعمليها إزاى ؟
- إبراهبم الوردانى، وبطرس باشا غالى، قولوا لعين الشمس
- تطبيق العلمانية فى مصر
- جعير الأذان ؟الأذان صوت الذاكرة والهوية
- دعما لدينا المصرى


المزيد.....




- دراسة: مشاركة محدودة للتلاميذ المسلمين في دروس التربية الإسل ...
- ترمب ومعاداة السامية.. حين يتم تسييس حماية اليهود
- السويد تطرد موظفا في سفارة إيران وتتهمها بتهديد مصالح يهودية ...
- توجيه اتهامات بجرائم كراهية لشاب في لندن استهدف منشآت إسلامي ...
- -العلياه-.. لماذا يهاجر يهود فرنسا إلى إسرائيل؟
- البابا ليو الرابع عشر: صراعات الشرق الأوسط تضع الحوار المسيح ...
- إدانات عربية وإسلامية لمحاولة استهداف مكة المكرمة
- البابا: صراعات الشرق الأوسط تضع اليهود والمسيحيين تحت ضغط
- إسرائيل تغلق الحرم الإبراهيمي يومين أمام المسلمين بحجة تأمين ...
- إدانات إسلامية لـ-محاولة استهداف مكة- والحوثيون ينفون


المزيد.....

- في ظلال عرفات تأملات في الرحلة الإيمانية المباركة / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- عرفات رحلة الروح من الأرض إلى السماء / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الخروج من الإسلام السياسي / رزيقة عدناني
- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - حسن مدبولى - كيف أحرقت السياسة ،مكة و الكعبة،أربع مرات؟