أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسن مدبولى - طه حسين خارج الهالة، تفكيك الرمز لاهدمه !















المزيد.....

طه حسين خارج الهالة، تفكيك الرمز لاهدمه !


حسن مدبولى

الحوار المتمدن-العدد: 8824 - 2026 / 9 / 10 - 20:55
المحور: الادب والفن
    


لم يكن طه حسين مجرد أديبٍ مرموق، بل كان ظاهرةً ثقافيةً مكتملة الأركان: كاتبًا، وأستاذًا، ومثقفًا عامًا، وصاحب أثرٍ بعيد في قضايا التعليم واللغة والأدب. وقد أدى هذا الحضور المتراكم، مع مرور العقود، إلى تحويله من شخصيةٍ تاريخيةٍ قابلةٍ للفحص إلى رمزٍ ثقافيٍّ تكاد صورته العامة أن تحجب تفاصيل تكوينه ومصادره وحدود إنجازه.
غير أن الرموز لا تُصان بتحصينها من النقد، بل بإخضاعها لمنهجه الأشد صرامة. فإعادة قراءة طه حسين لا تستلزم إنكار أثره في تحديث النثر العربي، ولا التقليل من قيمة «الأيام» أو «دعاء الكروان»، كما لا تبرر تحويل خصوماته القديمة إلى محاكماتٍ أخلاقيةٍ متأخرة. المطلوب أدقّ من ذلك وأشرف وهو أن نفصل بين ما تثبته الوثيقة، وما تقوله شهادة الخصم، وما يستنتجه الباحث، وأن نميز بين طه حسين الأديب، وطه حسين الناقد، وطه حسين الكاتب في السيرة والتاريخ، فلا ننقل سلطة مجالٍ إلى مجالٍ آخر بلا برهان.
ومن هذه الزاوية تبرز عدة ملفاتٍ متشابكة من بينها التأثر فى أبرز كتاباته بالمستشرق مرجليوث وموقعه من الجدل حول الشعر الجاهلي،
وعلاقته الفكرية بمحمود محمد شاكر،
وطبيعة كتاباته في السيرة والتاريخ الإسلامي. كذلك الأخبار المتداولة عن ابنه مؤنس، والتى تحتاج إلى وقفةٍ منهجيةٍ مختلفة، لأن الغموض فيها أوسع من الوثيقة، وتحويلها إلى سبب للإدانةٍ سيكون نقيضًا للمنهج الذي نزعم الدفاع عنه.

أولًا: الشعر الجاهلي بين السبق والتأثر
في سنة 1925 نشر المستشرق البريطاني ديفيد صموئيل مرجليوث بحثه «أصول الشعر العربي» في مجلة الجمعية الملكية الآسيوية. ذهب البحث إلى التشكيك الجذري في جانبٍ واسعٍ من الشعر المنسوب إلى الجاهلية، وربط نشأة الرواية الشعرية بعمل الرواة والوضاعين في العصور الإسلامية. وقد ظل البحث، منذ صدوره، موضع اعتراضٍ وتأييد، لا بسبب نتائجه وحدها، بل بسبب خلفية صاحبه وموقفه العام من الإسلام والتاريخ العربي، وبسبب اختلاف الباحثين في تقدير مدى تمكنه من العربية والشعر العربي.
لكن بعد ذلك بعامٍ واحد صدر كتاب طه حسين «في الشعر الجاهلي». ولا يصح تجاهل الفارق الزمني بين العملين، كما لا يصح إنكار التقاطع الواضح بينهما في السؤال المركزي وهو إلى أي حدٍّ يمكن الوثوق بالشعر المنسوب إلى الجاهلية؟ وقد لاحظ نقادٌ معاصرون ولاحقون أن طه حسين نقل الشك من مقالٍ "استشراقيٍّ" شديد التخصص إلى كتابٍ عربيٍّ واسع الانتشار، وأعاد صياغة القضية داخل مشروعه النقدي وأسلوبه الجدلي.
لكن هذا التشابه لا يساوي وحده إثبات وجود سرقة أدبية ، فالسرقة الأدبية أو العلمية، بمعناها الدقيق، تحتاج إلى مقارنةٍ نصيةٍ تثبت نقل العبارات أو الحجج أو البنية الاستدلالية مع إخفاء المصدر. أما مجرد اتفاق الباحثين في النتائج أو الأسئلة فلا يكفي، خصوصًا في قضيةٍ كانت موضوعًا متداولًا في الأوساط الاستشراقية والعربية قبل كتاب طه حسين. وقد نُسب إلى مرجليوث نفسه أنه نفى أن يكون طه حسين قد نقل عنه، وقال إن كليهما انتهى إلى نتائج متشابهة استقلالًا؛ وهذه الشهادة لا تحسم القضية، لكنها تمنع تحويل ذلك الاتهام إلى حقيقةٍ قطعية.
ومع ذلك، فإن رفض مصطلح السرقة لا يعني إسقاط التساؤل حول الأصالة، لكن الأمر الأكثر إنصافًا هو القول ما الذي كان جديدًا في عمل طه حسين؟ هل كانت الجدة في أصل الشك، أم في توسيع مجاله، أم في صياغته العربية، أم في تطبيقه على نصوصٍ بعينها؟
وهل أشار طه حسين بوضوحٍ كافٍ إلى سوابق البحث التي أفاد منها؟ هذه أسئلةٌ علميةٌ أقوى من الاتهام المجرد، لأنها تسمح بتقدير الإضافة بدل الاكتفاء بتبادل التهم.
كان أثر كتاب «في الشعر الجاهلي» استثنائيًا لأن صاحبه لم يقدمه بوصفه تمرينًا جامعيًا محدودًا، بل أدخله في قلب المجال العام. أثار الكتاب ردودًا من المحافظين والأزهريين والكتاب، ووصل الجدل إلى الصحافة والبرلمان والقضاء، ثم أعيدت صياغة الكتاب في طبعةٍ لاحقةٍ بعنوان «في الأدب الجاهلي». وكان تغيير العنوان وحذف بعض العبارات جزءًا من استجابة المؤسسة الثقافية والسياسية لضغط الأزمة، لا دليلًا على أن الكتاب أصبح بعد ذلك دراسةً مختلفةً جذريًا في كل ما يتصل بمنهجه.
لقد كان طه حسين، في هذه القضية، مجددًا من جهة، ومتأثرًا بوضوحٍ بمناخ الاستشراق الأوروبي من جهةٍ أخرى. وليس التأثر بالمناهج الأجنبية عيبًا في ذاته؛ فالمعرفة تتطور بالتفاعل. إنما تبدأ المشكلة حين تُقدَّم المنهجية الوافدة كأنها اكتشافٌ فرديٌّ خالص، أو حين يتحول اختلاف المنهج إلى احتقارٍ لمناهج التراث، أو حين يُطلب من القارئ أن يختار بين عقلٍ أوروبيٍّ وعاطفةٍ عربية بدل أن يفحص الأدلة حيثما وجدت.
ثانيًا: محمود شاكر — من علاقة الأستاذ والتلميذ إلى معركة المنهج
كان محمود محمد شاكر طالبًا في كلية الآداب بالجامعة المصرية حين كان طه حسين أستاذًا فيها. ولم يكن خلافهما مجرد صدامٍ بين محافظٍ وحداثي، ولا خصومةً شخصيةً نشأت حول كتابٍ واحد. لقد كان الخلاف أعمق: خلافًا حول مصدر السلطة في قراءة التراث العربي، وحول العلاقة بين النص العربي ومناهج النقد الحديثة، وحول معنى أن يكون الباحث أصيلًا.
كان شاكر شديد الحساسية تجاه استيراد الأحكام الجاهزة من الدراسات الاستشراقية. ولم يكن رفضه للغرب رفضًا جغرافيًا أو انفعاليًا؛ فقد كان على معرفةٍ عميقةٍ بالثقافة الحديثة، لكنه رأى أن النص العربي لا ينبغي أن يُقرأ دائمًا بعينٍ خارجيةٍ تنظر إليه بوصفه مادةً ناقصةً لا تكتمل إلا بمقياسٍ أوروبي. في المقابل، رأى طه حسين في المنهج التاريخي والنقدي الحديث أداةً لتحرير البحث من التسليم بالموروث لمجرد قدمه.
هنا لا يصح اختزال أحد الرجلين في صورةٍ جاهزة. فطه حسين لم يكن مجرد ناقلٍ للمستشرقين، وشاكر لم يكن مجرد خصمٍ معادٍ للحداثة. كان الأول يطالب بإعادة اختبار الموروث، وكان الثاني يطالب بألا يتحول الاختبار إلى تبعيةٍ معرفية. وبين الموقفين نشأ أحد أخصب الخلافات في تاريخ النقد العربي الحديث، والجدير بالذكر أن شاكر كان يعتبر أن طه حسين نقل نقلا مباشرا عن المستشرق مرجليوث دون الاشارة اليه، مما صنع فجوة كبرى بين الأستاذ والتلميذ واثمرت قطيعة طويلة ؟

ثالثًا: قضية المتنبي وسؤال السبق العلمي

ولكن بعد أكثر من عقدٍ عادت الخصومة في صورةٍ أشد تحديدًا عندما نشر محمود شاكر دراسته عن المتنبي في مجلة «المقتطف» سنة 1936، ثم ظهرت في العام التالي مباشرة دراسة لطه حسين بعنوان «مع المتنبي» وفق التسلسل الزمني الذي تذكره مصادر صحفية وتاريخية تناولت المعركة، وفي أواخر سنة 1937 نشر شاكر في صحيفة «البلاغ» سلسلة مقالاتٍ بعنوان «بيني وبين طه».متهما طه حسين ،
ولم يكن اعتراض شاكر أن طه حسين كتب عن المتنبي بعده؛ فاشتراك الباحثين في موضوعٍ واحدٍ ليس سرقةً ولا مخالفة. لكن كان اعتراضه أن كتاب طه حسين دخل في مسارٍ من الأسئلة والنتائج قريبٍ من المسار الذي بناه هو من حيث قراءة شعر المتنبي بوصفه وثيقةً من وثائق حياته، وإعادة بناء مراحل سيرته من داخل شعره، وترتيب القصائد تاريخيًا، وإعادة تفسير بعض الأبيات في ضوء وقائع مفترضة في حياته، والنظر في نسبه وصباه وعلاقته بخولة أخت سيف الدولة.
صحيح أن هذه العناصر، منفردة، ليست ملكيةً خاصةً لأحد؛ فديوان المتنبي وشروحه وأخباره مصادر عامة متاحة للباحثين. لكن الأسبقية العلمية لا تتعلق بالفكرة المنفردة فقط، بل أحيانًا بطريقة تركيب وترتيب الأفكار في منظومة. فإذا سبق باحثٌ إلى بناء هذه المنظومة، ثم ظهرت عند باحثٍ آخر دون إحالةٍ صريحةٍ أو اعترافٍ كافٍ، فإن السؤال عن الإنصاف العلمي يصبح مشروعًا، حتى لو تعذر إثبات النقل المباشر.
ومع ذلك، لا تسمح الأدلة المتاحة بإصدار حكمٍ قطعيٍّ بأن كتاب «مع المتنبي» مسروقٌ من كتاب شاكر في كل نتائجه. فالحكم المنهجي يتطلب مقارنة الكتابين فقرةً فقرة، وتحديد ما كان معروفًا في المصادر القديمة، وما أضافه شاكر، وما ورد عند طه حسين، وما إذا كان التشابه في النتيجة ناشئًا عن نقلٍ أم عن قراءةٍ مستقلةٍ للمصادر نفسها. أما الاكتفاء بكون كتاب شاكر صدر أولًا، فهو قرينةٌ تستحق الفحص، لا اصدار حكمٌ نهائي،
لكن تكمن أهمية شهادة شاكر في أنه لم ينظر إلى قضية المتنبي منفصلةً عن قضية الشعر الجاهلي. لقد رأى نمطًا يتكرر في تجربته مع طه حسين ، فتخرج وتصدر فكرةٌ أو مسارٌ بحثيٌّ عند مفكر أو كاتب ، ثم يظهر العمل نفسه عند طه حسين في عملٍ لاحقٍ بصياغةٍ مختلفةٍ وبحضورٍ ثقافيٍّ أكبر، وعلى الرغم من أن هذه شهادة خصمٍ مباشر لطه حسين ، لكن لا يجوز إلغاؤها ولا قبولها بلا تمحيص، انما قيمتها تكمن فى أنها تحفظ رواية الطرف الذي شعر بأن جهده لم يُنصف.وتشير الى خلل فى الصورة العامة لايمكن تجاهله،
أما عن صمت طه حسين عن الرد على مقالات محمود شاكر «بيني وبين طه»، فلا يجوز تفسيره تلقائيًا بأنه اعترافٌ بالخطأ. فالصمت قد يكون اعتدادًا بالمكانة، أو رغبةً في عدم إحياء الخصومة، أو تقديرًا لعدم جدوى الرد، أو موقفًا لا نعرف دوافعه. والتاريخ لا يملأ الفراغ النفسي بتخمينٍ يقدمه على أنه حقيقة.

رابعًا: طه حسين كاتبًا في السيرة والتاريخ

يحتاج إنتاج طه حسين في التاريخ الإسلامي والسيرة إلى معيارٍ مختلف. فقد كتب «على هامش السيرة»، و«الوعد الحق»، و«مرآة الإسلام»، و«الشيخان»، و«الفتنة الكبرى» بأجزائه. غير أن جمع هذه الأعمال كلها تحت عنوان «كتب تاريخ» يخلط بين أجناسٍ أدبيةٍ وفكريةٍ مختلفة.
وكان طه حسين نفسه صريحًا في مقدمة «على هامش السيرة». قال إن هذه الصفحات لم تُكتب للعلماء ولا للمؤرخين، وإنه لم يقصد بها إلى العلم أو التاريخ، بل أراد أن يثبت صورةً أدبيةً عرضت له أثناء قراءته للسيرة. كما أوضح أنه وسّع لنفسه في القصص والتخييل، مع تشديده على التحفظ حين تتصل الرواية بشخص النبي أو بأصلٍ من أصول الدين.
هذه المقدمة ليست تفصيلًا هامشيًا، بل مفتاح قراءة الكتاب كله. فـ«على هامش السيرة» عملٌ أدبيٌّ تأمليٌّ يستثمر المادة التراثية، لا تحقيقٌ تاريخيٌّ يزن الأسانيد ويستخرج وثائق جديدة. وقيمته الأساسية في قدرته على تقريب الأدب القديم إلى القارئ الحديث، وإعادة تشكيل المادة بلغةٍ حية، وإثارة الشعور والخيال. لكن جمال الأسلوب لا يمنح الرواية درجةً إضافيةً من الصحة، ولا يحول التخييل الأدبي إلى وثيقةٍ تاريخية.

أما الأعمال التي تناولت التاريخ الإسلامي بصورةٍ تحليلية — وعلى رأسها «الشيخان» و«الفتنة الكبرى» و«مرآة الإسلام» — فتظهر فيها محاولةٌ واضحةٌ لتفسير الأحداث لا بمجرد سرد الأخبار وترتيبها الزمني، بل بردّها إلى عوامل سياسية واجتماعية واقتصادية ونفسية. وهذا المنهج يمنح تلك الأعمال قيمةً فكريةً حقيقية، إذ يخرج بها من نطاق الرواية التقليدية إلى أفق التفسير والتحليل. غير أن هذه القيمة لا تعفيها من النقد التاريخي الصارم. فالمؤلف الذي يتصدى لتفسير التاريخ ملزمٌ بأن يفحص مصادره فحصًا دقيقًا، وأن يبيّن درجة وثوق كل خبر، وأن يفصل بوضوحٍ بين ما هو روايةٌ منقولة، وما هو تحليلٌ عقلي، وما هو استنتاجٌ شخصيٌّ لا سند له إلا تصوّر الكاتب. وأي خلطٍ بين هذه المستويات يحوّل النص من دراسةٍ تاريخيةٍ إلى خطابٍ تأمليٍّ أو أدبيٍّ مقنّع.
ومن هنا ينبغي وضع كل عملٍ من أعمال طه حسين في مجاله الحقيقي، حتى لا تختلط الأجناس ويُحمَّل النص ما لا يطيقه:
ففي الأدب والسرد (كما في «على هامش السيرة» و«الوعد الحق»): موطن القوة يكمن في الصياغة الرفيعة، والإيقاع اللغوي، والقدرة على تقريب التراث إلى ذوق القارئ الحديث، وبناء التأثير العاطفي والجمالي. أما الحدّ الذي لا يجوز تجاوزه فهو ألا تُعامل الرواية الأدبية — مهما بلغت بلاغتها — معاملة الوثيقة التاريخية، ولا يُستدلّ بجمال الأسلوب على صحة الواقعة.

وفي النقد الأدبي: موطن القوة في إثارة الأسئلة الجريئة، واختبار المسلمات الموروثة، وتوسيع أفق المنهج الحديث في قراءة النص العربي. أما الحدّ الذي لا ينبغي تجاوزه فهو ألا تُعدّ كل نتيجةٍ وصل إليها نهائيةً أو مستقلةً تمامًا عن سوابقها الاستشراقية أو التراثية، وألا يُغفل ذكر المصادر التي أفاد منها.
أما في التاريخ والسيرة فموطن القوة في التفسير الثقافي والإنساني للأحداث، وفي إعادة عرض المادة التاريخية بلغةٍ حيّةٍ قريبةٍ من القارئ المعاصر.
أما الحدّ الذي لا يجوز تجاوزه فهو ألا يُصنَّف طه حسين مؤرخًا محقّقًا بالمعنى التخصصي الصارم، أي بمعنى من يزن الأسانيد، ويحاكم الروايات، ويستخرج الوثائق الجديدة وفق منهج المحدّثين أو المؤرخين المعاصرين.

إن تحديد هذه الحدود ليس انتقاصًا من طه حسين، ولا تقليلًا من شأنه، بل هو حمايةٌ لقراءته من المبالغة التي ترفعه فوق مقامه، ومن التشويه الذي يحطّ به دونه. فالأديب لا يفقد قيمته حين لا يكون محدثًا، والناقد لا يصبح أقلّ أهميةٍ لأنه استفاد من مدارس سابقة، والكاتب لا يُدان لأنه استخدم الخيال حيث أعلن صراحةً أنه يستخدمه. إنما يُدان من يخلط الأجناس، أو يقدّم التخييل على أنه تحقيق، أو يطالب القارئ بأن يرى في كل عملٍ من أعماله نموذجًا مطلقًا للكمال المنهجي.

خامسًا: مؤنس طه حسين — حين يصبح غياب الوثيقة مادةً للشائعة

أما الأخبار المتعلقة بمؤنس طه حسين، ابن الكاتب، فتحتاج إلى أقصى درجات التحفظ. فقد عاش مؤنس جزءًا كبيرًا من حياته في فرنسا، وظهر اسمه في بعض المصادر بصيغةٍ فرنسية، وله أعمالٌ واهتماماتٌ ثقافية. لكن هذه الوقائع لا تثبت، بذاتها، تغييرًا في الدين، ولا تثبت مكان دفنه أو طبيعته الدينية.
كما أن كون سوزان طه حسين كاثوليكية، أو إقامة الأسرة في فرنسا، أو استعمال اسمٍ فرنسي، لا يقدم دليلًا على عقيدة مؤنس الشخصية. وقد خلطت بعض الروايات بين مراسم دفن سوزان وبين وضع مؤنس، فنقلت واقعةً تخص الأم لتجعلها دليلًا على الابن. هذا انتقالٌ غير مشروعٍ من واقعةٍ ثابتةٍ إلى نتيجةٍ لا تثبتها.
القاعدة هنا بسيطة: غياب الوثيقة ليس وثيقة إدانة. قد يكون مكان الدفن أو الانتماء الديني موضوعًا صالحًا للبحث في سجلاتٍ مدنيةٍ أو كنسيةٍ أو عائلية، لكنه يظل سؤالًا إلى أن تظهر وثيقةٌ صريحة. ولا يجوز أن يتحول الاسم أو الإقامة أو الصمت العائلي إلى دليل.
والمفارقة أن هذا الملف يكشف ضعف بعض الخطابات التي تنتقد طه حسين باسم العقل؛ إذ تستبدل التوثيق بالاستنتاج، وتحوّل الفراغ إلى يقين، وتطالب الآخرين بالدليل بينما تبني هي أحكامها على الشائعة. إن نقد طه حسين لا يكتسب شرعيته من قسوة الاتهام، بل من صرامة البرهان.

سادسًا: ما الذي يبقى من الصورة الرسمية؟
يبقى طه حسين شخصيةً مركزيةً في الثقافة المصرية والعربية الحديثة، لا لأن كل ما قاله صحيح، ولا لأن كل ما كتبه أصيلٌ بالمعنى المطلق، بل لأنه جمع بين الأدب والنقد والعمل الثقافي العام في لحظةٍ تاريخيةٍ كانت فيها مصر تعيد بناء علاقتها بالتراث والجامعة واللغة والحداثة.
لكن هذه المكانة لا تمنحه حصانة. ينبغي أن يُسأل عن مصادره، وعن سوابق أفكاره، وعن حدود إضافته، وعن الفارق بين البرهان والتأثير البلاغي. وينبغي كذلك أن تُقرأ خصوماته من الجانبين: فلا يتحول محمود شاكر إلى قاضٍ لا يخطئ، ولا يتحول طه حسين إلى متهمٍ لا تُقبل له حجة.
إن القضية الحقيقية ليست: هل كان طه حسين عبقريًا أم سارقًا؟ فهذا سؤالٌ فقيرٌ يختزل تاريخًا معقدًا في كلمتين. السؤال الأجدى هو:
ماذا قرأ طه حسين؟ ومتى قرأه؟ وما الذي سبقه إليه غيره؟ وما الذي أضافه بالفعل؟ وكيف صاغه؟ وهل أحال إلى سوابقه بما يكفي؟ ومتى كان يكتب تاريخًا، ومتى كان يكتب أدبًا مستلهمًا للتاريخ؟
إذا طُرحت هذه الأسئلة بصرامة، فسوف تسقط صورة «العميد» الذي لا يُراجع، كما ستسقط الصورة المقابلة التي تريد اختزال الرجل في تهمةٍ واحدة. وسنجد أمامنا إنسانًا ومثقفًا وأديبًا وباحثًا: تأثر وأثر، أصاب وأخطأ، جدّد واستند إلى من سبقه، ونجح أحيانًا في أن يجعل صوته أعلى من أصوات من مهدوا له الطريق.
وهنا تكمن المراجعة الأكثر إنصافًا والأشد تأثيرًا: طه حسين ليس فوق التاريخ، لكنه أيضًا أكبر من أن يُختصر في ملف اتهام. إن قيمته الحقيقية لا تحتاج إلى أسطورة، ونقده الحقيقي لا يحتاج إلى تشهير. وما يستحقه هو قراءةٌ جديدةٌ تضع النصوص جنبًا إلى جنب، وتفصل بين الوثيقة والانطباع، وتعيد إلى البحث حقه في أن يسأل حتى حين يكون السؤال موجعًا.
فالرجل الذي دعا إلى إعمال العقل في التراث، جديرٌ بأن يُقرأ هو نفسه بالعقل ذاته.



#حسن_مدبولى (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المرجع الشرعى الأوحد ؟
- مأساة أحمد عرابي !!
- المناضل السياسى الذى تقبل الثمن !؟
- الإشتراكى الزاهد !!
- التكنوقراط الإصطناعى !!
- العلمانية تتجاوز المحاصصة الطائفية
- قتل البنات والسيدات دون ردة فعل ؟
- قتل شعبه ، واستسلم للأعداء؟
- الآذان ، حرب وجودية !!؟
- المقايضة الكبرى : أصول الدولة مقابل الدين المحلى؟
- إبراهيم وغالى ، ويامصر بتعمليها إزاى ؟
- إبراهبم الوردانى، وبطرس باشا غالى، قولوا لعين الشمس
- تطبيق العلمانية فى مصر
- جعير الأذان ؟الأذان صوت الذاكرة والهوية
- دعما لدينا المصرى
- بريشيا ، الإسماعيلى ، والدور على الزمالك ؟
- جاهل ، أرعن ، أم ماذا ؟
- شفيقة ومتولى ، تراث سوهاجى وعربى ودولى !؟
- القرآن الكريم من الحذف الباريسى، الى التطويع الخليجى
- كيمت الثقافة التى اندثرت ؟


المزيد.....




- جمهور مهرجان تورنتو السينمائي يرسم الطريق للأوسكار
- شيري عادل تنجو من حادث سير في طريقها إلى مهرجان -الغردقة لسي ...
- بعد أحداث 11 سبتمبر.. لم تعد أفلام نيويورك كما كانت من قبل
- وزير الزراعة والممثل الإقليمي لـ «الفاو» يشهدان توقيع مشروعي ...
- -أجبرنا على تخطي كل شيء-.. ريهام عبدالغفور تعبر عن اشتياقها ...
- قصة حب كادت ألا تحصل.. جزيرة يونانية تجمع قلبين في قصة تشبه ...
- أمسية أردنية خاصة في موسكو لتعزيز التعاون الثقافي والسياحي م ...
- أنقذا مخطوطات غزة من الإبادة.. فلسطينيان يفوزان بجائزة اليون ...
- زاخاروفا: موسكو وواشنطن لديهما ما يتحدثان عنه والأهم ترجمة ا ...
- بينيلوبي كروز وخافيير بارديم يدافعان عن مواقفهما السياسية في ...


المزيد.....

- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسن مدبولى - طه حسين خارج الهالة، تفكيك الرمز لاهدمه !