أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - حسن مدبولى - تطبيق العلمانية فى مصر















المزيد.....

تطبيق العلمانية فى مصر


حسن مدبولى

الحوار المتمدن-العدد: 8811 - 2026 / 8 / 28 - 14:28
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


العلمانية تتجاوز المحاصصة الطائفية !!

تطرح الدعوات المرتبطة بالعلمانية والدولة المدنية والمساواة ومنع التمييز أسئلة أساسية حول طبيعة العلاقة بين الدولة والدين، وحدود حضور المؤسسات الدينية في المجال العام، والسبل الكفيلة بتحقيق المواطنة المتساوية.
غير أن جدية هذه المطالب لا تُقاس بالجهة التي قد تستفيد منها، وإنما بمدى اتساقها مع مبدأ عام يمكن تطبيقه على جميع المواطنين والمؤسسات دون استثناء أو انتقائية.

وتقوم العلمانية في معناها المرتبط بحياد الدولة وسيادة القانون، على تنظيم العلاقة بين المجالين الديني والسياسي وفق قواعد عامة ومجردة. فهي لا تعني إخضاع مؤسسة دينية بعينها لشروط استثنائية، ولا تستهدف دين الأغلبية أو أي دين آخر، بل تقتضي أن تكون الدولة على مسافة واحدة من جميع الأديان والمؤسسات الدينية. فإذا كان الهدف هو تحييد الدين عن العمل السياسي، فيجب أن يشمل ذلك جميع دور العبادة والمؤسسات الدينية. وإذا كانت الشفافية والرقابة مطلبًا عامًا، فلا بد أن تطبق قواعدهما على الجميع بالمعايير ذاتها. أما مكافحة التمييز فلا يجوز أن تتحول إلى صورة جديدة من صور التمييز.

ومن هذا المنطلق، ينبغي أن ينطلق أي نقاش حول تعديل الدستور أو القوانين المنظمة لعلاقة الدولة بالدين من قاعدة واضحة تتمثل في رفض الامتياز الديني والاستثناء الديني والتشريعات التي تُفصّل لمصلحة طائفة محددة. فالمواطنة ليست ترتيبًا تفاوضيًا بين الجماعات، وليست نظامًا لتوزيع الحصص الطائفية، بل هي رابطة قانونية وسياسية واحدة تجمع المواطن بالدولة على أساس تساوي الحقوق والواجبات وخضوع الجميع لسيادة القانون.

وتُعد الرقابة المالية والإدارية أحد الاختبارات الفعلية لحياد الدولة. فكل كيان يخضع للقوانين واللوائح ذات الصلة ينبغي أن يلتزم بقواعد الشفافية، سواء كان ذا طابع ديني إسلاميًا أو مسيحيًا أو غير ذلك. وينبغي أن تشمل الرقابة مصادر التمويل وأوجه الإنفاق وآليات الإدارة، بما يمنع إنشاء مناطق استثنائية لا تطالها القواعد العامة. وينطبق الأمر نفسه على التمويل الخارجي؛ فالمشكلة ليست في مصدر التمويل من حيث المبدأ، وإنما في مدى مشروعيته وشفافيته، وعدم توظيفه للتأثير السياسي أو التمييز الاجتماعى أو الإضرار باستقلال القرار الوطني. وكل تمويل غير مشروع أو غير معلن أو مرتبط بتدخل خارجي محظور يجب أن يخضع للمساءلة القانونية، أيًا كان المستفيد منه.

ويفترض حياد الدولة في التعامل مع دور العبادة توحيد المعايير القانونية المتعلقة بالتخطيط العمراني والسلامة والتراخيص والإدارة. فلا معنى للمساواة إذا فرض القانون معيارًا على منشأة دينية، ومعيارًا مختلفًا على منشأة أخرى لمجرد اختلاف الانتماء الديني. وفي الوقت نفسه، فإن حماية دور العبادة من التدخل غير المشروع لا تعني إعفاءها من القانون، كما أن إخضاعها للقانون لا يمثل مساسًا بحرية العبادة. المطلوب هو التمييز بين حرية ممارسة الشعائر، وهي حق أصيل، وبين أي نشاط يخالف القانون أو يحوّل المؤسسة الدينية إلى أداة سياسية أو مالية خارجة عن الرقابة.

ويزداد الأمر أهمية عندما يتعلق باستخدام دور العبادة في الصراع السياسي. فالمسجد والكنيسة وسائر أماكن العبادة ينبغي ألا تتحول إلى منصات للحشد الحزبي أو الانتخابي أو ملعبا رياضيا أو ساحة فنية، ولا منبرا للتحريض الطائفي العنصرى . وهذه القاعدة لا ينبغي أن ترتبط بدين محدد، بل يجب أن تطبق على الجميع بالقدر نفسه. كما يتعين مواجهة كل خطاب يحرض على العنف أو الكراهية أو التمييز، بصرف النظر عن مصدره أو هوية قائله، مع الحفاظ على حرية الخطاب الديني المشروع المرتبط بالعقائد والتمييز بينه وبين التحريض المباشر أو مباشرة أنشطة تستهدف أجندات انفصالية ،
وتفقد المواطنة معناها عندما تتحول الوظائف العامة إلى حصص موزعة بين الطوائف. فلا ينبغي أن يكون الدين شرطًا للوصول إلى منصب عام، كما لا يجوز أن يصبح سببًا لاستبعاد مواطن مؤهل. ويجب أن تستند الوظيفة العامة إلى الكفاءة والخبرة والنزاهة والقدرة على تحمل المسؤولية، وفق الآليات الدستورية والقانونية. فالتخصيص الطائفي للمناصب، مهما كانت دوافعه، يكرس فكرة أن المواطنين جماعات منفصلة تحتاج كل منها إلى حصة مستقلة، بدل أن يؤكد أنهم شركاء متساوون في دولة واحدة.

وتتطلب حماية الأطفال من الاستغلال أو الإكراه أو التمييز القسرى على مبدأ محدد يسير وفقا لمعيار حقوق الطفل وسلامته وحريته المستقبلية، لا معيار استهداف دين أو طائفة بعينها. ويجوز مناقشة الممارسات التي تفرض هوية طائفية على الأطفال من منظور قانوني وحقوقي عام، مع احترام الاختلاف الثقافي والديني المشروع. أما الأسماء الشخصية أو المظاهر الدينية التي يختارها الآباء لأبنائهم، فلا ينبغي أن تتحول إلى مدخل لفرض نمط ثقافي واحد،ولا الى خلخلة ثقافية وتمييز اجتماعى وتقسيم واغتراب محتمعي نتيجة ارتباط الاسماء برموز أجنبية غير عربية ،

كما أن تطوير منظومة الأحوال الشخصية يمكن أن يكون موضوعًا مشروعًا للنقاش التشريعي، بما يحقق قدرًا أكبر من العدالة والمساواة أمام القانون، مع احترام الإطار الدستوري وحرية الاعتقاد والحقوق المكفولة دستوريًا. غير أن هذا النقاش ينبغي أن يظل نقاشًا عامًا يستهدف حماية الحقوق ومنع التعسف وضمان اللجوء إلى القضاء، لا معركة بين طوائف أو وسيلة لتعميق الانقسامات الدينية.

ويبقى التعليم المجال الأكثر تأثيرًا في بناء الدولة الوطنية. فالمطلوب هو وجود معايير وطنية تقوم على العلم والتفكير النقدي والمواطنة واحترام القانون ونبذ العنف والكراهية والتمييز. ولا يعني ذلك إلغاء الخصوصيات التعليمية التي ينظمها الدستور والقانون، ومنها التعليم الأزهري، بل يعني إدماج جميع أشكال التعليم في المنظومة الوطنية، ومنع تحولها إلى جزر مغلقة تعزل الأطفال عن بعضهم وتعمق القطيعة بينهم.

أما الاستقواء بالخارج، فلا يجوز أن يتحول إلى ذريعة للتدخل في الشأن الداخلي، كما لا ينبغي أن تتحول حماية السيادة الوطنية إلى مبرر لإهدار حقوق المواطنين أو منعهم من الاستفادة من الآليات القانونية المشروعة. والقاعدة المتوازنة هي أن تكون الدولة صاحبة الولاية على مواطنيها، وأن يكون القانون الطريق الطبيعي لحماية الحقوق، وأن يخضع أي تدخل خارجي للقواعد القانونية ذات الصلة دون انتقائية.

إن تطوير علاقة الدولة بالدين يحتاج إلى نقاش صريح وعام، لا إلى إصلاحات انتقائية. فالرقابة يجب أن تكون موحدة، وتنظيم الخطاب الديني يجب أن يستهدف التحريض على العنف والكراهية والتمييز، وقواعد بناء دور العبادة يجب أن تكون واضحة وعامة، وتحـييد الدين عن السياسة يجب أن يشمل جميع دور العبادة، ومكافحة التمييز يجب ألا تنتج امتيازات طائفية أو محاصصة دينية.

الدولة الوطنية القوية لا تُبنى بالترضيات الطائفية ولا بالاستثناءات الدينية ولا بإقصاء دين لصالح دين آخر، وإنما تُبنى بسيادة القانون وحياد مؤسسات الدولة ورفض تحويل الاختلاف الديني إلى أساس لتقسيم المجال العام. فالعلمانية، إذا قُدمت باعتبارها حيادًا للدولة، لا يمكن أن تكون انتقائية، والمواطنة، إذا أُريد لها أن تكون حقيقية، لا يمكن أن تُدار بمنطق الحصص. المعيار الذي يحمي الجميع هو أن تكون الدولة فوق الطوائف، والقانون فوق الجميع، وأن تسبق المواطنةُ الانتماءَ الديني في المجال العام.



#حسن_مدبولى (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جعير الأذان ؟الأذان صوت الذاكرة والهوية
- دعما لدينا المصرى
- بريشيا ، الإسماعيلى ، والدور على الزمالك ؟
- جاهل ، أرعن ، أم ماذا ؟
- شفيقة ومتولى ، تراث سوهاجى وعربى ودولى !؟
- القرآن الكريم من الحذف الباريسى، الى التطويع الخليجى
- كيمت الثقافة التى اندثرت ؟
- دشت ليلى وابو زعبل ،،
- كانوا ذاهبين إلى العمل ، فوصلوا الى القبور !!
- صلاة فاضحة فى الطريق العام !!
- هوية كيمت، أم هوية مصر!؟
- تحالف غير مقدس !؟
- التفاهات فى مصر!؟
- الشيخان : أحمد الشرع ونعيم قاسم
- بذور الطائفية العربية والاستقواء بالأجنبي !!
- الزلازل والحروب علاقة أم صدفة !؟
- تركيا ومصر اقتصادان ونتائج متباينة !!
- مستقبل الدولة فى مصر!!
- النظام البرلمانى ، مخرج آمن للمستقبل فى مصر
- قناة السويس مائة وسبعة وستون عاما على الحفر،وسبعون عاما على ...


المزيد.....




- تزايد الثقة برئيسة الحزب المسيحي الديمقراطي إيبا بوش
- رضائي: نؤيد أي مشروع للوحدة الإسلامية بشرط .. مصر وإيران يجب ...
- -نهج الله هو الرحمة والعدالة-... ناشطون يهود يواجهون عنف الم ...
- اليابان تحظر المساجد والأذان والبرقع.. ما حقيقة القوانين الم ...
- سموتريتش يعرض خطة جديدة تهدف إلى تعزيز الاستيطان اليهودي في ...
- باسم يوسف يدافع عن محمد صلاح بعد انتقاله الى طرابزون التركي ...
- بسبب نظرية مثيرة للجدل.. الجامعة الإسلامية بماليزيا تكرم أست ...
- واشنطن توجه تعليمات عاجلة لبعثاتها حول العالم لحماية الكنس و ...
- بزشكيان: الوحدة الإسلامية تعني وضع أرضية للتعاون وليس توحيد ...
- التوتر في إيران يضاعف محنة الأقليات وتيرة الانتهاكات بحق ال ...


المزيد.....

- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - حسن مدبولى - تطبيق العلمانية فى مصر