أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - حسن مدبولى - هوية كيمت، أم هوية مصر!؟















المزيد.....

هوية كيمت، أم هوية مصر!؟


حسن مدبولى

الحوار المتمدن-العدد: 8794 - 2026 / 8 / 11 - 09:53
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


" كِمِت " هو الاسم الذي أطلقه المصريون القدماء على أرضهم، ويُفهم عادة بمعنى الأرض السوداء، في مقابل دِشرت، الأرض الحمراء، أي الصحراء. ومن هذه الأرض السوداء الخصبة نشأت حضارة عظيمة تركت للإنسانية الأهرامات والمعابد والكتابة والفنون والعمارة والزراعة والنظم الإدارية والمعارف الفلكية والطبية والهندسية، وهي منجزات لا يحتاج المصري إلى اختلاق الأساطير حولها حتى يعتز بها. يكفي أن ينظر إلى ما بقي من آثارها حتى يدرك حجم القدرة التي امتلكها المصري القديم على التنظيم والبناء والتدوين وإدارة الدولة.
لكن الاعتراف بعظمة الحضارة المصرية القديمة شيء، وتحويلها إلى عقيدة سياسية وهوية وحيدة لمصر الحديثة شيء آخر تمامًا.
فالمشكلة لا تبدأ عندما يفتخر المصري بأجداده القدماء، وإنما عندما يُطلب منه أن يرى في تلك الحضارة الأصل الوحيد الذي ينبغي أن ينتمي إليه، وأن ينظر إلى كل ما جاء بعدها باعتباره انحرافًا عن الأصل أو احتلالًا ثقافيًا أو دخيلًا على الشخصية المصرية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالعروبة والإسلام.
هنا يصبح من الضروري أن نعيد النظر في الصورة الرومانسية التي يجري تقديمها أحيانًا عن مصر القديمة، لا بقصد الإساءة إلى تاريخها، وإنما بقصد وضعه في حجمه وتكوينه الحقيقي.
فالحضارة المصرية القديمة كانت عظيمة في منجزاتها ، لكنها لم تفرز مجتمعًا مثاليًا، ولم تكن عصرًا ذهبيًا للحرية والمساواة والعدالة، ولم تكن نموذجًا إنسانيًا مكتملًا يمكن للمصري الحديث أن يستعيده ببساطة.
بل كانت دولة شديدة المركزية والهرمية، تتركز فيها السلطة السياسية والدينية والثروة في قمة المجتمع، ويحتل الفرعون وكهنته وجنوده موقعًا استثنائيًا بوصفه رأس الدولة ووسيطًا بين البشر والعالم المقدس، بينما كان كبار الموظفين والكتبة والفنانون يمثلون طبقات مؤثرة في إدارة المجتمع ونهب موارده .
كما كانت الدولة تعتمد على الجباية الضرائب والعمل الإلزامي وتسخير الموارد البشرية في المشروعات الكبرى.
ومع ذلك فقد أثبتت الاكتشافات الأثرية أن الصورة الشعبية التي تجعل بناة الأهرامات مجرد جموع من العبيد ليست دقيقة نسبيا ، فالكثير من العمال كانوا مصريين أحرار يعملون في إطار مؤسسات الدولة ويحصلون على الطعام والرعاية،لكن بشكل أقرب للسخرة والقسر والارغام ،
ومع ذلك فتصحيح هذه الصورة لا يعني تحويل المجتمع الفرعوني إلى مجتمع حر ومتساو. فغياب صورة العبد بالسلاسل لا يعني غياب علاقات القوة والاستغلال والعمل القسري والتراتبية الاجتماعية.
كما أن عظمة الأهرامات لا تقدم شهادة على عدالة النظام الذي شيدها، و ضخامة المشروع لا تعني أن الإنسان الذي عمل فيه كان يتمتع بالمكانة والعبقرية المطلقة ،،
الأكثر دلالة هنا أن النظام السياسي نفسه كان قائمًا على تقديس السلطة وربطها بالمقدس. فلم يكن الفرعون مجرد رئيس دولة بالمعنى الحديث، وإنما كان مركز النظام الديني والسياسي معًا، وكانت شرعية الحكم تستند إلى تصور ديني للعالم والملك والنظام الكوني. فلم يكن المجتمع الفرعوني مجتمع مواطنة بالمعنى الحديث، ولا دولة قانون بالمعنى الذي تشكل لاحقًا في التاريخ السياسي، بل كان مجتمعًا تتفاوت فيه المكانة والسلطة والامتيازات تفاوتًا واسعًا بحسب الموقع الاجتماعي والقرب من السلطة والمؤسسات الدينية والإدارية.
أما المنظومة الدينية، فهي أكثر ما يكشف استحالة تحويل مصر القديمة إلى نموذج كامل أو صالح بذاته لهوية معاصرة. فقد كان المصري القديم يعيش داخل منظومة دينية شديدة التعقيد والتعدد، تضم عددًا كبيرًا من الآلهة والمعبودات المحلية، وتربط الطبيعة والحيوانات والظواهر الكونية بعالم مقدس واسع. وكانت بعض الحيوانات تُعامل باعتبارها تجليات لمعبودات معينة، وتُربى أعداد هائلة منها داخل مراكز دينية ثم تُقتل وتُحنط وتُدفن في مقابر خاصة. وتكشف المتاحف والمواقع الأثرية عن مئات الآلاف من مومياوات الحيوانات التي أُعد بعضها لهذا الغرض تحديدًا، وهو جانب حقيقي من الحياة الدينية المصرية القديمة لا يمكن حذفه من الصورة لمجرد أنه لا ينسجم مع الرواية الرومانسية عن الماضي.
ولا يعني ذلك أن المطلوب هو السخرية من معتقدات المصريين القدماء أو محاكمتهم بأدوات عصرنا، وإنما يعني رفض تحويلهم إلى نموذج مثالي لا وجود له إلا في الخطاب المعاصر. فكما لا يصح أن نحاكم إنسانًا عاش قبل آلاف السنين وفق معاييرنا الحالية، لا يصح كذلك أن ننتقي من حياته ما يعجبنا ونحذف ما يخالف الصورة التي نريد إنتاجها ثم نسمي ذلك استعادة للتاريخ.
كذلك فالحضارة المصرية القديمة نفسها لم تكن كتلة واحدة ثابتة. فقد امتدت لآلاف السنين، وتغيرت خلالها الدولة والدين والمجتمع واللغة وموازين القوة.و شهدت مراحل من القوة والتوسع، كما شهدت فترات من الانقسام والصراع الداخلي والانهيار السياسي والاحتلال الأجنبي.
و تعاقبت عليها أسر حاكمة كثيرة، ووقعت صراعات بينية على العروش، وانقسمت البلاد في فترات مختلفة، فتعرضت للغزو الفارسي والهكسوسى ثم المقدوني ثم الروماني، كما شهدت في مراحل لاحقة اضطرابات اجتماعية ودينية وسياسية واسعة. ولذلك فإن الحديث عن فرعونية واحدة ثابتة ونقية لا يقل تبسيطًا عن اختزال التاريخ المصري كله في لحظة واحدة.
بل إن التاريخ المصري القديم نفسه يقدم مثالًا صارخًا على أن مصر لم تكن ثابتة الهوية حتى في عصورها الفرعونية. فاللغة المصرية نفسها مرت بمراحل طويلة من التطور، من المصرية القديمة إلى المصرية الوسطى والمتأخرة والديموطيقية ثم ألغيت وتم محوها تماما وحلت محلها لغة الكتاب( المقدس) وهى اللغة القبطية، ويؤكد علم اللغة التاريخي أن القبطية ليست لغة منفصلة ظهرت من العدم، وإنما هى ترتبط بلغة المحتل الرومانى وهويته المسيحية، والتى انتشرت عقب تجريم التعامل باللغة المصرية القديمة، ومنع التعبد وفقا للطقوس الفرعونية التى تم اعتبارها وثنية،
وهذا وحده كافٍ لإسقاط الوهم القائل إن هناك نسخة واحدة ثابتة من مصر القديمة يمكن تجميد التاريخ عندها ثم إعلانها الهوية المصرية الوحيدة. فحتى المصري القديم نفسه لم يبقَ ثابتًا، بل تغيرت لغته وعقائده وأنظمة حكمه ومجتمعه عبر آلاف السنين .
، المهم هنا أن مصر لم تختف بانتهاء عصر الفراعنة. فقد دخلت البلاد في مراحل فارسية ومقدونية وبطلمية ورومانية، وتغيرت النخب الحاكمة واللغات المستخدمة في الإدارة والحياة العامة، وتبدلت الأديان والمراكز السياسية، بينما ظلت مصر مجتمعًا حيًا يعيش على أرضه نفسها ويعيد تشكيل نفسه مع كل تحول.
حتى وصلت لعصر كليوباترا التى استدعت الأجنبي لتسليم بلادها له. حيث كانت مصر البطلمية تعيش صراعًا داخليًا على السلطة، وكان تدخل يوليوس قيصر جزءًا من صراع الأسرة الحاكمة نفسها، ثم أصبحت مصر ولاية رومانية بعد اندحار أنطونيوس وكليوباترا.
وفي العصر الروماني أصبحت مصر جزءًا من إمبراطورية واسعة، وتحولت إلى واحدة من أهم مصادر الحبوب والثروة بالنسبة إلى الدولة الرومانية. ومع انتشار المسيحية وتغير البنية الدينية للمجتمع، أخذت الديانة المصرية القديمة في الانحسار بفعل القسر والترهيب ، كما تراجعت المؤسسات والمعابد التي حملت التقاليد الفرعونية، واختفت الكتابة الهيروغليفية من الاستخدام الحي بالتجريم والمنع . وبالتالى انتهى العالم الديني الذي استمر آلاف السنين، لا لأن المصريين اختفوا، وإنما لأن المجتمع (الرسمى) تحول إلى مجتمع جديد في دينه وثقافته ولغته.

ثم جاء الإسلام، وبدأ تحول تاريخي جديد، لم يحدث في يوم واحد، ولم يمحُ السكان السابقين ويستبدل بهم شعبًا آخر. فقد دخلت مصر العالم الإسلامي في القرن السابع الميلادي، ثم أخذت العربية تنتشر تدريجيًا في الإدارة والحياة العامة، بينما تواصلت عملية انتشار الإسلام على مدى قرون متتالية .
وتؤكد الدراسات التاريخية أن مصر بعد الفتح العربي احتفظت لفترة طويلة بأشكال من الإدارة المحلية وبوجود طبيعى للغة القبطية، ثم أدت التحولات الإدارية والاقتصادية والاجتماعية والدينية المتراكمة إلى اتساع استخدام العربية وانتشار الإسلام تدريجيًا وبسهولة ويسر، وساعد على ذلك أن فترة تمكين المسيحية واللغة القبطية فى مصر لم تزد على مائتى عاما لأقصى مدى، وهى مدة لا تذكر فى تاريخ الشعوب العريقة ،
وهذه الحقيقة وحدها تنسف فكرة الاستبدال السكاني المبسط التي تقوم عليها بعض الروايات المعاصرة. فلم يختفِ المصريون لكي يأتي العرب محلهم، ولم تُخلق مصر من جديد يوم دخلها الإسلام. لكن حدث تحول تدريجى في اللغة والدين والثقافة والنظام السياسي، كما حدث في كل المراحل السابقة من تاريخ البلاد. حيث أصبحت العربية لغة مصر، وأصبح الإسلام دين الأغلبية، وتكونت شخصية مصرية عربية إسلامية لها خصوصيتها الواضحة، مع بقاء وجود قبطي مصري أصيل داخل المجتمع.
والأهم أن المصريين لم يكونوا مجرد متلقين لحضارة عربية وإسلامية جاءت من الخارج. بل أصبحت مصر نفسها واحدة من أهم مراكز الحضارة العربية والإسلامية، وتحولت القاهرة إلى مركز سياسي وعلمي وثقافي بالغ التأثير، وأصبح الأزهر واحدًا من أشهر مؤسسات العلم في العالم الإسلامي. ولم تعد مصر مجرد بلد دخل في حضارة الآخرين، وإنما باتت إحدى القوى التي صنعت تلك الحضارة وأثرت فيها.
فمن مصر خرجت القوة التي واجهت المغول في عين جالوت، ومن مصر انطلقت الدولة المملوكية التي واصلت الحرب ضد القوى الصليبية حتى انتهى وجودها السياسي والعسكري في المشرق. وفي مراحل لاحقة أصبحت مصر مركزًا للقوة في المنطقة، وامتد تأثيرها إلى الشام والحجاز والسودان وغيرها. وفى عام 1798 تصدى المصريون المسلمون للغزو الفرنسى وثاروا ضده فى ثورتين متتاليتين حتى اندحر عام 1801 بالرغم من محاولته شق الصف الوطنى المصرى عبر استخدام ورقة الطائفية، وانحيازه لطرف تحت دعوات انه المكون الأصلى ،
بينما في عام 1818 سقطت العاصمة السعودية الدرعية بعد الحملة التي قادها إبراهيم باشا ضد الدولة السعودية الأولى، وأُسر عبدالله بن سعود ونُقل إلى القاهرة ثم إلى إسطنبول حيث أُعدم.
ويمكن تقييم تلك الحملة على السعودية سياسيًا وتاريخيًا بطرق مختلفة، لكن لا يمكن تجاهل دلالتها في تاريخ مصر الحديث، فهي تكشف أن مصر في عصرها العربي الإسلامي ، وعقب تصديها للغزو الطائفى الفرنسى ، لم تكن مجرد متلقية لتاريخ يصنعه الآخرون، بل كانت قوة إقليمية قادرة على تحريك الجيوش والتأثير في الأحداث خارج حدودها المباشرة على الرغم من حساسية الدين واللغة وقداسة بعض الاماكن .
ثم جاءت مصر الحديثة، فلم تتوقف عن صناعة تاريخها. واجه المصريون الاحتلال البريطاني وخاضوا معارك الاستقلال، ثم جاءت أزمة السويس عام 1956 والعدوان الثلاثي، وبعدها حرب أكتوبر 1973 وعبور قناة السويس وتحطيم خط بارليف واستعادة زمام المبادرة العسكرية. وكل تلك الوقائع لاتعتبر وقائع هامشية في تاريخ مصر، ولا يمكن اعتبارها أحداث دخيلة على الشخصية المصرية لمجرد أنها وقعت في ظل دولة عربية مسلمة تتحدث العربية.

وهنا تحديدا تظهر المشكلة الحقيقية في خطاب كيميت عندما يتحول من الاعتزاز بالتاريخ إلى مشروع لإعادة تعريف المصري، والغاء هويته المستمرة لأكثر من ألف وأربعمائة عام ، وتقديم بديل متهافت لا انجاز له ،
المشكلة ليست في حب الأهرامات، ولا في دراسة الهيروغليفية، ولا في الاحتفاء بالمعابد، ولا في إحياء بعض عناصر التراث القديم. كل ذلك حق طبيعي ومشروع. المشكلة تبدأ عندما يتحول الفراعنة إلى معيار لنقاء المصرية، وعندما يصبح الإسلام والعروبة موضع اتهام دائم بأنهما جاءا من الخارج، وعندما يُطلب من المصري أن يثبت أصالته بالتبرؤ من أكثر من ألف واربعمائة عام من تاريخه العربي الإسلامي.
هذا المنطق يقود إلى نتيجة شديدة الغرابة. فهو يعني ضمنًا أن ملايين المصريين الذين عاشوا خلال القرون العربية والإسلامية لم يكونوا مصريين كاملين، وأن الأجيال التي تحدثت العربية وبنت المدن والمساجد والمدارس وأنتجت الأدب والفكر والعلم والفن وأدارت الدولة ودافعت عن البلاد وانتصرت على الأعداء لم تكن سوى مرحلة طارئة يمكن حذفها من تعريف مصر.
فهذا الهراء ليس نقدًا للتاريخ، وإنما محو للتاريخ، فالمصري الذي عاش في العصر الروماني لم يصبح أقل مصرية لأن دينه تغير. والمصري الذي أصبح مسيحيًا لم يفقد مصريته. والمصري الذي أسلم لم يصبح شعبًا جديدًا. والمصري الذي أصبح يتحدث العربية لم يفقد صلته بأرضه وأجداده. فاللغة والدين والثقافة تتغير، والشعوب لا تُمحى كلما تغيرت هذه العناصر.
حتى فكرة العروبة نفسها لا يمكن اختزالها في هجرة مجموعة من العرب إلى مصر. العروبة المصرية الحديثة نتاج تاريخ طويل من اللغة والثقافة والتفاعل السياسي والحضاري داخل العالم العربي. والمصريون لم يكونوا مجرد ضيوف على الحضارة العربية الإسلامية، وإنما كانوا من أبرز صانعيها.
حيث أصبحت مصر مركزًا من مراكز العلم والفكر والسياسة والجيش والثقافة، وأسهم علماؤها وكتابها وقادتها وفنانوها في تشكيل الحضارة التي ينتمي إليها المصري العربي اليوم.
ومن هنا فإن وصف العربية بأنها لغة دخيلة على مصر يتجاهل حقيقة تاريخية بسيطة: اللغة لا تصبح لغة شعب من الخارج بقرار سياسي واحد، وإنما تستقر عبر أجيال طويلة حتى تصبح لغة الحياة اليومية والتفكير والكتابة والإنتاج الثقافي. وقد استغرق انتشار العربية في مصر قرونًا، وهو ما تؤكده الدراسات التاريخية واللغوية التي ترصد انتقال مصر تدريجيًا من التعدد اللغوي القديم إلى غلبة العربية في الحياة العامة.
كما أن القول بأن الإسلام محا الهوية المصرية يتجاهل حقيقة أن مصر بعد دخول الإسلام لم تفقد شخصيتها، بل أصبحت قوة كبرى داخل الحضارة الإسلامية، وأن عملية الأسلمة نفسها كانت تدريجية ومعقدة واستمرت قرونًا. وتشير الدراسات الاقتصادية والاجتماعية إلى أن التحول الديني لم يكن حدثًا واحدًا، وأن المصريين المسيحيين( المتحولين من الديانات القديمة ) ظلوا كتلة اجتماعية كبيرة لقرون طويلة بعد الفتح الإسلامي.
أما محاولة تقديم مصر القديمة باعتبارها حضارة خالية من العنف أو القهر أو التفاوت أو الممارسات الدينية التي تبدو شديدة القسوة بمعاييرنا الحديثة، فهي ليست دفاعًا عن التاريخ القديم وإنما تشويه له. فالحضارة التي استطاعت أن تبني أعظم منشآتها كانت أيضًا حضارة ملكية مركزية شديدة التفاوت، ارتبط فيها الحكم بالدين، واستُخدمت فيها الدولة لتنظيم العمل والضرائب والموارد على نطاق واسع، وعرفت طقوسًا دينية تضمنت قتل أعداد كبيرة من الحيوانات المقدسة وتحنيطها ودفنها. هذه الوقائع لا تلغي إنجازاتها، لكنها تمنع تحويلها إلى فردوس تاريخي.
والاعتزاز الحقيقي بالحضارة لا يحتاج إلى تبرئتها.
نستطيع أن نقول إن الأهرامات إنجاز هندسي مذهل، وفي الوقت نفسه نعترف بأن المجتمع الذي بناها كان هرميًا وغير متساوٍ. نستطيع أن نعجب بالكتابة المصرية القديمة، وفي الوقت نفسه ندرك أن المعرفة والكتابة كانتا في أيدي طبقات محدودة من المجتمع. نستطيع أن ندرس الطب والهندسة والفلك، وفي الوقت نفسه نرى المنظومة الدينية التي امتزج فيها العلم بالسحر والطقوس والمعتقدات الدينية والأساطير. نستطيع أن نحترم الفن والعمارة، دون أن نحول الدولة التي أنتجتهما إلى نموذج سياسي أو أخلاقي للمصري المعاصر.
هذه هي القراءة الناضجة للتاريخ، وليست القراءة التي ترفع الماضي إلى مرتبة المقدس ثم تستخدمه في معركة سياسية مع الحاضر.
فالحقيقة الثابتة أن مصر لم تكن يومًا حضارة واحدة منفردة ، بل كانت عملية تاريخية متواصلة. تغيرت لغتها من مراحل المصرية القديمة إلى القبطية ثم العربية، وتغيرت دياناتها، وتعاقبت عليها دول وإمبراطوريات، ودخلتها ثقافات مختلفة، وتعرضت للاحتلال والمقاومة، ثم أعادت في كل مرة إنتاج مجتمعها وشخصيتها. واستمرار مصر لا يعني أن كل شيء بقي كما هو، وإنما يعني أن المجتمع المصري استطاع أن يتغير دون أن يختفي.
وهذا هو معنى الهوية الحقيقية.
الهوية ليست تمثالًا فرعونيًا نعيد نصبه في ميدان ونعلن أنه يمثل مصر وحده. وليست لغة ميتة نطلب من الأحياء إحياءها حتى يصبحوا مصريين حقيقيين. وليست مجموعة رموز ننتقي منها ما يخدم موقفًا سياسيًا معاصرًا ونحذف ما لا يخدمه.
الهوية ذاكرة حية.
وذاكرة مصر ليست الأهرامات وحدها، كما أنها ليست الكنيسة وحدها، وليست المسجد وحده، وليست العربية وحدها، وليست الهيروغليفية وحدها. ذاكرة مصر هي مجموع ما عاشه المصريون وصنعوه وتغيروا خلاله وبقوا بعده.



#حسن_مدبولى (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تحالف غير مقدس !؟
- التفاهات فى مصر!؟
- الشيخان : أحمد الشرع ونعيم قاسم
- بذور الطائفية العربية والاستقواء بالأجنبي !!
- الزلازل والحروب علاقة أم صدفة !؟
- تركيا ومصر اقتصادان ونتائج متباينة !!
- مستقبل الدولة فى مصر!!
- النظام البرلمانى ، مخرج آمن للمستقبل فى مصر
- قناة السويس مائة وسبعة وستون عاما على الحفر،وسبعون عاما على ...
- كوزو أوكاموتو المناضل الأممى
- المتعاطفون الأوائل !!
- إتجاهات البطولات الكروية فى مصر من عهد الاحتلال الى عصر الثو ...
- بمناسبة ثورة 23 يوليو، لماذا نتقاتل ؟
- القديس المزعوم !!؟
- محور الخزي والعار
- مستقبل مصر، أم مستقبل الحكومة !؟
- مالذى يجب على ايران فعله ؟
- الرجل الذى هزم نوبل !؟
- الخليجيون يرتكبون الجرم نفسه!
- موقفان مخزيان وكاشفان !؟


المزيد.....




- ما هي شروط إيران الستة لفتح مضيق هرمز؟
- روسيا: كيف يعاقب بوتين منتقدي الكرملين في المنفى؟
- بسبب التهديد الإيراني .. ترامب غير طائرته سرا في تركيا
- الجيش الإسرائيلي يعلن عن حادثة في جبل الشيخ
- -نوفوستي-: أمريكا لن تعوض مخزونات صواريخ جافلين المقدمة لأوك ...
- خبير: -الناتو- يختبر شبكة عصبية عسكرية في أوكرانيا
- نشر منظومات دفاع جوي لحماية ترامب أثناء لعبه الغولف في نيوجي ...
- محافظ القليوبية يوجّه بتكثيف الحملات الرقابية
- التعليم العالي:  بدء المرحلة الثانية لتنسيق طلاب الثانوية ال ...
- الاحتلال يقتحم قرية تِل بنابلس تمهيدا لتفجير منزل الشهيد فار ...


المزيد.....

- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام / نور الدين البوثوري
- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - حسن مدبولى - هوية كيمت، أم هوية مصر!؟